الجامعة المعسكر article comment count is: 1

المؤسسات التعليمية في درنة، مقرات للفصل والتعسّف

تشهد بعض المؤسسات التعليمية في درنة، شكلا جديدا وقمعيا من التحكم بالطلاب منذ عام 2014، وفرض قوانين عليهم لا تليق بفئتهم العمرية ولا بالمعنى الحقيقي للجامعة؛ بداية بسور يفصل الجامعة لساحتين لفصل الجنسين، مرورا بالتهجم اللفظي على ملابس الطالبات وبتهديد الطلاب بجهات أمنية من خارج الجامعة، إلى أشكال قمع وتقييد أخرى.

المؤسسات العلمية في درنة

  • جامعة بلا حياة:

“لا حياة جامعية هنا، يطردوننا من مكان لآخر ويتحكمون في أماكن جلوسنا، ندرس في قاعات كانت غرف لسكن الطالبات، مضغوطون من سوء المكان وعدم صلاحيته للدراسة ومن تحكم الأمن وملاحقتهم لنا والتعدي علينا بصوت مرتفع أمام بقية الطلاب والطالبات”، هكذا يتحدث مروان (22 عاما)، طالب بإحدى المؤسسات بدرنة.

يتذكر مروان عندما كان الطلاب ينتظرون أستاذ المادة أمام القاعة، تبعدهم مسافة معقولة عن زميلاتهم في الدفعة، أثار هذا التباعد المشبوه رجل أمن.

” كان يركض صوبنا وعاملنا بشكل لا يليق كما لو أنه أمسكنا متلبسين بتهمة وبدأ التحقيق معنا: من عليكم؟ ماذا تفعلون هنا؟ وأدخلنا بعدها بالإكراه للقاعة وظل يراقبنا”، يضيف مروان شارحاً فكرة عدم السماح للطلاب الجامعيين بالوقوف في مكان تمر منه الطالبات، حتى وإن كان لوحة إعلانات القسم.

المؤسسات التعليمية بدرنة
لوحة الإعلانات بإحدى جامعات مدينة درنة
  • الجامعة المسعكر:

يصف مروان مؤسسته كالمعسكر؛ إذ يقول “يُهددنا الأمن الجامعي بجهات أمنية خارج الجامعة، فمثلا كان صديقي وهو طالب بنفس الدفعة يرتدي جاكت به رسومات صاعقة، فأوقفنا رجل أمن وطلب منه ألا يرتديها من جديد، أخبره أنه قد اشتراها من محل عادي ولا علاقة لها بأي مؤسسة حكومية، فهددنا أنه سيلجأ لجهات أمنية خارج الجامعة إن تكرر الأمر”.

من المعروف والمتبع في العالم أن مؤسسات التعليم العالي، يدخلها الطالب وقد بلغ العمر القانوني الذي يسمح له أن يتخذ قراراته بنفسه وأولها تخصصه الجامعي؛ أي أنه يبدأ مشواره في هذا المكان بقراره الخاص، والهيئة التي يود أن يظهر بها ويراها تعبر عنه.

وحتى إن كان هناك قوانين تسنها الدولة فيما يتعلق بالهيئة التي يجب أن يظهر بها الطالب داخل هذه المؤسسات التعليمية، فلابد من إتباع عقوبة من يخالفها وفقا لإجراءات القوانين المنصوص عليها في المادة (44) تحت بند العقوبات التأديبية من اللائحة 501 لسنة 2010، وليس بالطرق غير اللائقة التي يتبعها رجال أمن مقرات الجامعة وبعض موظفي الكليات.

  • إجراءات بقوانين غير واضحة:

في إحدى المؤسسات التعليمية عُيّنت مشرفات لتفحص زي الطالبات، ليحرصن على أن يلبسن ألوانا قاتمة ولباسا طويلا فضفاضا يصل أسفل الركبتين.

من هذه المؤسسة تروي منيرة (19 عاما) – وهو اسم مستعار- كيف تعرضت لموقف أحرِجت فيه من قبل إحدى المشرفات على زي الطالبات، تقول منيرة بأنّها بغض النظر عن اقتناعها بالقوانين المفروضة من قبل المؤسسة، إلا أنّها دائماً تفضل اتباعها حتى لا تُحرج أو لا تقع في موقف تأنيب.

” ولكن أتيت يوماً متأخرة على امتحان، وإذ بالمشرفة تناديني وبصوت عال في الممر أمام الطلاب بأنها لا تريد أن أرتدي ملابسي التي أتيتُ بها مرة أخرى”، تقول منيرة، التي كانت ترتدي بالطو واسع يصل للركبة وبنطلون واسع، شعرت حينها بالحرج.

الحرج الذي شعرت به منيرة لم يتوقف على ذلك التأنيب، تقول ” دخلت للامتحان وإذ بها تأتي مرة أخرى وتقول لي أريدك بعد الامتحان، الأمر الذي أثر بشكل سيء على أدائي في الامتحان، قادتني لمكتب مسجل الكلية وبدوره اتفق معي أن لا عيب في لباسي ولكنه أمرني أن أخضع لأوامر المشرفات”.

إن الأمر المقلق هنا هو عدم دقة ووضوح القوانين المتعلقة بالهيئة التي يجب أن يتبعها الطالب داخل المؤسسات؛ فبحسب المادة 39 من اللائحة رقم (501) لسنة 2010، يجب أن يظهر الطالب داخل المؤسسة التعليمية بهيئة تتماشى مع المؤسسة ولا تتنافى مع معايير الحشمة، وترك بقية تفاصيل شروط الزي الجامعي للوائح الخاصة لكل كلية.

وبهذا المعنى الفضفاض يمكن لأي رئاسة كلية أو معهد أن تفرض زيا على الطالبات حسب الذوق الشخصي لأفراد يميلون للتحفظ المقيد، ولفكرة فصل الجنسين وفرض لباس يرونه شرعيا دوناً عن غيره. فما الذي يجعل من ارتداء لون فاتح أمرا منافيا للحشمة؟

  • ليست مجرد حادثة:

حادثة منيرة ليست فردية ولا نادرة، فقد حدث غيرها مع طالبات أخريات.

نور (20عاماً) -وهو أيضاً اسم مستعار- تقول “في يوم لن أنساه كنت أرتدي تنورة فضفاضة وطويلة وجاكت طويل وتحته قميص، وأتبع لبس الفضفاض والطويل تماما كما يأمروننا. وتماما كما اعتدت أن أرتدي حتى خارج المؤسسة، وما أن مررت من الممر باتجاه القاعة حتى اعترض طريقي مسجل الكلية ومسك بيده طرف الجاكت وأجبرني أن أغلق الأزرار، في موقف محرج أمام الجميع”.

قامت “داعش” قبل سنوات، بتعليق لافتات كبيرة بإحدى الكليات تحث على ارتداء “الزي الشرعي”. وها هي اليوم جدران هذه الكلية تعج بصور لمعايير معينة يجب اتباعها من قبل الطالبات.

الجامعة التي من شأنها أن تكون براحا للاختلاط ولصقل التجارب العلمية والاجتماعية لكلا الجنسين، أصبحت اليوم مكانا تقيد فيها تحركات الطالب الجامعي ويتعرض فيها للتهجم لأسباب كثيرة، ولم يعد فرض لباسا معينا على طلاب الجامعة آت من بواعث جمالية أو نظامية؛ إنما من بواعث أفكار متشددة تترك الباب مواربا لفرض أشكال جديدة عما هو شرعي برأيهم ورفض ما لا يتماشى مع هذه البواعث.

الفصل الاجتماعي ليس في المؤسسات التعليمية فقط
الفصل الاجتماعي بين الجنسين في ليبيا – كاريكاتير أحمد الشكري
  • لازال السور واقعاً:

هذا التقييد المستمر لشكل مؤسسات التعليم العالي ومعناها الحقيقي، سيؤثر على السنوات القادمة وسيجعل المجتمع خاضع لفكرة الفصل بين الجنسين؛ مما سيزيد في المشاكل الاجتماعية التي نجدها في الشارع اليوم والتي تفصح عن عدم اعتياد أو تقبل وجود الأنثى والذكر معا في الشوارع والحدائق والمطاعم والمحلات.

هُدِم مؤخرا سور جامعة كان يفصل بين الجنسين فعليا، لكن فكرة الفصل نفسها لازالت قائمة ويتحرك الطلاب والطالبات في الجامعة وفقها وكأن السور لم يهدم يوما، وفي بعض الكليات حدود السور الفاصل بين الجنسين مرسومة رغم أنها لم تشيد يوما.

ما يحصل داخل هذه المؤسسات يؤثر على عدد لا يستهان به من الأفراد الذين سنراهم فيما بعد إما موظفين حكوميين، مدراء مدارس أو جامعات. اختلاط الطلاب ومشاركتهم وزميلاتهم مقاعد الدراسة والمكتبة والساحة والكافتيريا سيهذب اختلاطهم في الشارع وفي المحلات والحدائق ولن يعود فعلاً إجرامياً يجب محاسبته.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)