مشكلة الإحصاء في ليبيا
article comment count is: 1

سالم أبوظهير يكتب: ليبيا.. أرقام مبنية للمجهول

على مدى أربعة عقود، اختفت بشكل تدريجي ملامح منظومة العد والإحصاء في ليبيا، فالمباني بلا أرقام، والشوارع بلا أسماء. واختفى نظام البريد وتسليم الرسائل والطرود البريدية لأصحابها، لذلك خضع كل شي تقريبا للتقدير، من حصر عدد السكان إلى تحديد مناشطهم واهتماماتهم.

ورغم ذلك، تميز نظام معمر القذافي بقبضته الأمنية الحديدية على البلاد، وبقدرته العجيبة على معرفة عدد أفراد كل عائلة ليبية تقريباً، بأسمائها وصفاتها، وحتى معرفة حالاتهم الاجتماعية والاقتصادية والنفسية! ومعرفة الوافد للبلاد والخارج منها. وساعدته في ذلك فكرة تقسيم ليبيا الكبيرة إلى مربعات أمنية صغيرة جداً، يديرها رجال المخابرات والأمن المحترفين بشكل كافي، يمكنهم من معرفة سكان كل مربع معرفة وافية بذاتهم وصفاتهم، ويتم إرسال هذه المعلومات الغزيرة التي يتم تحديثها بشكل مستمر، إلى رأس الدولة الوحيد الذي يحكم قبضته على كل شي في البلاد.

بعد ثورة فبراير 2011، تلاشت نهائيا منظومة العد الهزيلة، وأصبح من المستحيل على كل حكومة من الحكومات التي حكمت ليبيا بعد نهاية نظام معمر القذافي، أن تؤسس لنظام عد وإحصاء حقيقي لعدد الليبيين ومعرفة مناشطهم الاقتصادية والاجتماعية، مع عدم القدرة على ضبط المنافذ البرية والبحرية والجوية للبلاد، في إشارة واضحة وكافية أرسلها الليبيون للعالم عنوانها “ليبيا في مهب الريح”.

ليبيا ليست دولة على الإطلاق، وهذا يتطلب قرع أجراس الإنذار والتنبيه بقوة شديدة، لينتبه الليبيون إلى خطورة ما حدث وما يحدث، وخطورة ما قد سيحدث إذا بقيت الأمور كما هي عليه في الوقت الحاضر.

فبسبب اختفاء منظومة العد والإحصاء، صار من الصعب حصر الليبيين ومعرفة عدد الأحياء منهم وعدد الأموات، كما أصبح من المستحيل تحديد عدد المخطوفين وعدد المفقودين خلال الحرب، وعدد المسجونين في السجون العامة، وعدد المسجونين في السجون الخاصة. وأيضاً لا يمكن لأي مسؤول أن يعطى رقماً صحيحاً عن عدد المهجرين والنازحين قسراً داخل ليبيا وخارجها، ناهيك عن معرفة من فروا من البلاد بسبب تلقيهم تهديدات من أي نوع، أو تركوا البلاد برغبتهم.

غياب منظومة العد والإحصاء، أربكت مرافق الدولة التي تقدم خدماتها للمواطن، فلا أحد في الدولة الليبية يمكنه على سبيل المثال أن يعطي رقماً وهو متأكد منه عن عدد الطلبة الليبيين الدارسين بالخارج على حساب الدولة. ولا يمكنه بطبيعة الحال معرفة عدد الدارسين على حسابهم الخاص، كما لا يمكن، ولو على سبيل التقدير والتخمين، معرفة ترواث البلاد المهدورة من نفط إلى سلع مدعومة خارجة من البلاد، وسلع غير مدعومة مهربة إليها عبر بوابات ومنافذ خارج سيطرة الدولة.

هذه الدولة عجزت وللأسف على معرفة عدد أفراد الشرطة فيها وعدد أفراد الجيش فيها، تماماً كما عجزت وفشلت فشلاً ذريعاً في معرفة عدد الثوار الذين تصرف لهم مرتبات بسبب قيامهم بالثورة.

غياب منظومة العد والإحصاء، زادت من فرص انتشار الأمراض والأوبئة، وباعدت من فرص التقليل منها والحد من خطورتها، لأن الدولة في حالة إغماء شبه تام، لا يمكنها حتى التكهن بعدد مدمني المخدرات، ولا بعدد المصابين بالإيدز والأمراض المعدية.

عجبي من دولة غفلت عن حقيقة أنه لن تقوم تنمية ولن يتحقق تعمير وبناء بلا أرقام حقيقية تفسر الواقع وتتنبأ بالمستقبل، وتساعد على رسم الخطط التنموية وتنفيذها! وعجبي من دولة تستقي معلوماتها وأرقامها بناء على تقديرات تقوم بها هئيات خارجية لا أحد يقر ويؤكد على مصداقيتها وصدقها. دولة معتمدة على أرقام مبنية للمجهول!

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)

  1. لو كان المسؤولين على السلطة يبحثون عن الحلول بجدية وجدوها ولكنهم لم يصدقوا النوايا…حل كل ذلك باختصار هو “تدعيم الأمن”

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية