article comment count is: 0

محمد تنتوش يكتب: هل انتهى حلم الشباب في الدستور؟

عندما انتهت أحداث الثورة الليبية، كان من المقرر أن لا تمر ليبيا بالكثير من المراحل الانتقالية، حيث أمل الليبيون في أن يمروا بذات المسار التونسي، يكون أول مجلس منتخب مجلساً تشريعياً مؤقتاً، لكن مهمته الأساسية هي إعداد الدستور، كان هذا هو المقرر بالفعل، لكن المعارك الخفية  بين أعضاء المجلس الوطني الانتقالي وتصوراتهم حول مآلات الوضع السياسي المقبل؛ دفعتهم إلى تغيير آرائهم ليصبح المؤتمر الوطني مجلساً تشريعياً مؤقتاً لا أكثر.

بعد سنتين من ذلك التاريخ، اهتم الكثيرون وعلى رأسهم الشباب ممثلين في المجتمع المدني والنشطاء المستقلين بقضية الدستور وانتخابات اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور آنذاك (لجنة الستين)، العديد من الدورات وورش العمل والجلسات مع المرشحين والحملات الإعلامية التي تشجع على المشاركة في انتخاب لجنة الستين، والتي تشرح أيضاً مفهوم الدستور وأهميته، بدا وقتها أن كل شيء يسير على ما يرام رغم ما مر به الشارع  من مشاكل سياسية وأمنية، وانتقل صراع السلطة من تحت قبة المؤتمر الوطني إلى الشارع وتحشيد الصفوف والمؤيدين.

مضت انتخابات لجنة الستين على خير ما يرام، ولم يعكر صفوها سوى المشاركة الضعيفة للناخبين إلى حد ما، وعدم مشاركة الأمازيغ ومقاطعتهم للعملية بأكملها. لكن بشكل عام، تم احترام نتائج الانتخابات واستبشر الجميع خيراً، حتى أتت اللحظة الفارقة أثناء اندلاع المواجهات المسلحة والانقسام السياسي والعسكري مع نهاية النصف الأول وبداية النصف التاني من عام 2014، فغطت أخبار الانقسام السياسي والحرب الأهلية على أخبار لجنة الستين التي انتقلت بدورها للعمل في البيضاء.

انقطع آنذاك الاهتمام الشعبي بلجنة الستين، ولم يعد إلا لقلة قليلة من الشباب ومؤسسات المجتمع المدني والمختصين اهتمام بما يجري داخل اللجنة، وطوال ثلاث سنوات كان الحال على ما هو عليه إلا في حالات شاذة، عندما يتعلق الأمر بتأثير النزاع السياسي على عمل اللجنة أو عدم رضى الأطراف المتنازعة ببعض مقترحات الهيئة. حينها فقط يحلو لها تسليط قنواتها وجنودها الإعلاميين للحديث عن عملها.

كان من العجيب أن تستمر بعض المنظمات والشخصيات بالاهتمام بأخبار وأعمال لجنة الستين، حتى أن بعضها سيّر رحلة لمعظم مناطق ليبيا للحديث عن الدستور والتوعية به، وكان البعض ينادينا بالجنون حينما تحركنا من أجل مطالب شبابية في حراك “أجل باش تعدل”، والذي نجحنا من خلاله في الحصول على مكسب ولو كان بسيطاً بالنسبة للبعض، لكنه في الواقع كان صعباً جداً وعمل الكثير من الشباب كخلية نحل واحدة من أجل تحقيقه، وهو تقليص عمر المترشح للانتخابات الرئاسية إلى خمسٍ وثلاثين سنةً بدلاً من الأربعين.

لقد كان الشباب الواعي طموحاً وحالماً جداً في ذلك الوقت رغم قلة جمهور القضية وبعدها عن الأنظار كما ذكرت، وعندما  أتت اللحظة  الفارقة باعتماد مسودة الدستور لعرضها على الاستفتاء بأغلبية أعضاء لجنة الستين وبالنصاب القانوني ذُهل الكثيرون ومنهم هؤلاء الشباب الطموح، عندها فقط تذكرت القنوات الإعلامية أن هناك لجنة تعمل من أجل إعداد دستور، وأنها نجحت في إعداد مسودة له رغم الانقسامات والضغوطات التي تعرضت لها من أطراف الانقسام السياسي.

ولأن قضية الوطن والقانون والدستور لم تعد مهمة بالنسبة للكثيرين، فقد كشرت أطراف النزاع وقنواتهم ومؤيدوهم عن أنيابهم اتجاه استحقاق دستوري مثبت في الإعلان الدستوري، اتخذ جميعهم مواقفاً منه اعتماداً على مواقفهم السياسية وموقعهم في خريطة النزاع والانقسام السياسي، حتى تجرأ أكثرهم على محاربة مشروع الدستور وفكرة الدستور في ذاتها، من خلال الدعوة لفترة انتقالية جديدة تشمل هذه المرة وليداً انتقالياً جديداً وهو الرئيس المؤقت، فترة انتقالية جديدة لا نعلم من أي القوانين ستستمد شرعيتها أو تنظيمها أو طريقة وفترة عملها، ولا نعلم إن كانت ستمدد لنفسها لاحقاً أم ستتقيد بموعد تضعه لنفسها وتحدد مستحقاتها وفوائدها بنفسها، فترة لا نعلم إن كانت ستحقق استقراراً وتوحيداً للمؤسسات التي أصبح الجميع فجأة يتباكى ويهتم من أجلها، وكأن المشكلة تتعلق بالانتخابات فقط، أم أنها ستقسم الاثنين إلى أربع، والأربعة إلى ثمان، والثمانية إلى ما شاء الله.

لم يتوقف الشباب في حلمهم وحقهم في عدم مصادرة صوتهم أو صوت غيرهم من الليبيين، من خلال القيام باستفتاء على الدستور نتعرف من خلاله على وجهة النظر الحقيقية حوله، متجاوزين بذلك الادعاءات بأننا غير مستعدين له، ونرفض ادعاءات أرادت مصادرة حقنا وحلمنا، كما يبدو أن الأمم المتحدة وفرنسا تريد أن تشارك في جريمة مصادرته من خلال اقتراح مبادرات تتجاوزه وكأنه لم يحدث يوماً، وكأنه حلم مضاف لقائمة أحلام الشباب الاقتصادية والاجتماعية التي لم تتحقق بعد؛ لأن سياسياً ما لم يجد وقتاً وفائدة شخصية من العمل على تحقيقها.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية