الحرب الليبية
article comment count is: 0

علي العسبلي يكتب: حتحات على مافات!

المصالحة والتسامح والعفو هي أساس بناء الدول، والحقد والعنف والكراهية وتكريس ثقافة المنتصر والمهزوم هي إحدى السبل لهدمها.

تجربة التسامح والعفو والمصالحة في جنوب إفريقيا تعد الأشهر والأكثر دراماتيكية، بعد أن دعا المناضل نيلسون مانديلا إلى استصدار قانون المصالحة والحقيقة ليفتح المجال أمام العفو عمن سجنوه لمدة 27 سنة وعلى رأسهم دوكليرك آخر رئيس في نظام الفصل العنصري، لتكون تلك نهاية حقبة مظلمة وبداية بناء دولة جنوب افريقيا الجديدة.

ربما يجهل البعض أو يتجاهل أن الملك إدريس السنوسي سبق مانديلا بأكثر من أربعين سنة في مبدأ العفو والتسامح والمصالحة وبناء دولة من العدم وفي ظروف أصعب، فعقب نهاية الحرب العالمية الثانية وزوال حقبة الاستعمار الإيطالي لليبيا بانتصار الجيش السنوسي وقوات الحلفاء، بدأت مرحلة جديدة في برقة التي كانت متخمة بجراح خلفتها عشرون سنة من الكفاح المسلح والمشانق والمعتقلات، سنوات كانت كفيلة بترك إرث قاسٍ من الأحقاد والثأرات بين القبائل والمناطق، وهنا جاء دور الحكمة والعقل حيث حرر الميثاق الوطني أو ما عرف بـ “ميثاق الحرابي” بدعوة من الأمير ادريس السنوسي، والذي دعا إلى التسامح والعفو ونبذ الثأرات، وكان له دور كبير في إخماد الكثير من الفتن.

وبعد طي تلك الصفحة وتوحيد برقة مع فزان وطرابلس واستقلال ليبيا بقرار من الأمم المتحدة وتنصيب إدريس ملكاً عليها، بدأ رفقة الآباء المؤسسين بناء دولة من العدم، دولة من قبائل وشعوب وأرض مترامية الأطراف أنهكتها الحروب والصراعات، بدؤوا في بناء دولة بالتسامح والعفو والمصالحة، ونسيان الماضي المؤلم، والالتفات إلى الحاضر والنظر إلى المستقبل، تحت شعار “حتحات على ما فات”.

لم يسجن أو يغتال أو يعدم أو ينكل بمن أيد المستعمرين “المطلينين”، أو أولئك الذين حاربوا في صفوف المستعمر “الباندات”، و “الشناوير”، ولم يعزلهم أو يجتثهم أو يقصيهم، بل إن بعضاً ممن كانوا في أحزاب إيطالية ويؤيدون الدولة الفاشية دخلوا مرة أخرى معترك السياسة ومنهم من تقلد مناصب حكومية. حتى إن “اللونقو” الذي شنق عمر المختار أكمل بقية حياته في بنغازي حتى توفي وفاة طبيعية فيها.

هؤلاء أجدادنا الذين لم يدرسوا في الجامعات والأكاديميات، كانوا على يقين بأن الوطن أكبر من كل الخلافات، وأعظم من جميع التوجهات والتيارات، ولن يُبنَ إلا بالجميع.

ما أحوجنا اليوم إلى البدء من حيث انتهى الأجداد، والاصطفاف تحت راية الوطن الذي مزقته الأيدولوجيات، ونبتعد عن الإقصاء والاحقاد، لأنها لن تعود علينا إلا بمزيد من المآسي، ونترك للقانون والقضاء الحق في معاقبة المذنبين ورد المظالم وجبر الضرر، وليأخذ كل ذي حق حقه.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية