article comment count is: 0

علي العسبلي يكتب: الإعلام في ليبيا.. جناح لفصيل مسلح!

يكاد يتفق العديد من الليبيين أن إعلامنا المحلي هو أحد أسباب إثارة الأحقاد والنعرات وسفك الدماء وقتل الأبرياء وتغذية النزاعات وتضخيمها وتعقيدها وإطالة أمدها.

بجولة على القنوات الليبية، سيصيبك الغثيان من كمية خطاب الكراهية والعنف، اللهم الا إذا كنت من أولئك الذين اعتادوا على هذه الخطابات وصاروا يتلذذون بسماعها!، يمكن لأي شخص حتى من غير المطلعين على الشأن الليبي أن يلاحظ الانحياز الواضح لوسائل الإعلام فهذه القناة لا تظهر إلا سوءة ذاك ولا تدخر جهداً في تبرئة وتلميع ذلك الآخر.

لا تستغرب إن وجدت المذيع أو “المراسل الحربي” يتقمص دور المحقق، وفي حضرته المتهم الذي ارتدى الزي البرتقالي مع علامات على وجهه من أثر الضرب والتعذيب، في استوديو مظلم وعلى إيقاع موسيقى مرعبة على الهواء مباشرة، ويذكر ويعدد أسماء أشخاص قتلهم وآخرين شارك في اغتيالهم، لتنتهي الحلقة بإحراق عدد من البيوت وتهجير أهاليها وأحياناً أقاربهم!.

ولا ننسى ذاك الإعلامي والمسرحي كما يحب أن يطلق على نفسه، والذي يخرج يومياً في برنامج لساعة كاملة، بلهجة شوارع ركيكة وبأسلوب تهريجي مخابراتي مفضوح، يسب هذا الشخص ويشتم تلك المدينة ويخون هذه القبيلة، لا بل ويطالب بحرق منزل فلان وتهجير عائلة علاّن، ويبدي فرحته لخطف أحدهم ووضعة في “الشكارة” كما يقول، أو قتل الآخر “تجييفه” ذاك المصطلح المستفز الذي يحب استعماله.

وتلك القناة التي لا يمكن تخيل حجم خطاب الكراهية والتحريض على العنف فيها، فهي متربعة وبجدارة على عرش الفتنة وتأجيج الصراع والدعوة للاقتتال، ويكفي أنها أخذت الترتيب الأول في تقرير بحثي لرصد خطاب الكراهية في القنوات الليبية، قام به المركز الليبي لحرية الصحافة الأيام الماضية.

والشيء بالشيء يذكر، فقد قام مرصد الإعلام في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بمشروع رصد خطاب الكراهية والحقد في الصحافة المكتوبة، وأورد في تقريره الثاني الذي ضم دول ليبيا والجزائر والمغرب والأردن في أكتوبر عام 2015 نتائجاً مفزعة، حيث كانت الصحف الليبية تصدر 50% من خطاب الكراهية، ربما أعلى حتى من صادرات النفط الخام!

هذا بدون الحديث عن صفحات التواصل الاجتماعي التي باتت مستنقعاً يعج بالسب والشتم والتمييز والتشهير والتحريض والدعوة إلى الاقتتال والاحتراب الأهلي.

للأسف لم تنفع وزارات وهيئات ومجالس الإعلام، ولا النقابات الشكلية المتشتتة ولا المواثيق الهزيلة في وضع حد لهذا التسونامي الذي يجتاح وسائل الاعلام، ولنأخذ التجربة التونسية كمثال قريب لكي لا أشطح بمخيلتي بعيداً، وأذكر هنا الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (HAICA) وهي هيئة دستورية لا تتبع الحكومة، تأسست عام 2013 وصلاحياتها تأديبية وتنظيمية، ومهمتها تعديل وتنظيم المشهد الإعلامي وإرساء الاستقلالية لوسائل الإعلام من الناحية المالية لضمان حيادتها السياسية، وضمان حرية الصحافة، وتعددية وسائلها، في كنف احترام أخلاقيات المهنة. في تصوري هذا هو الترياق الذي تحتاجه وسائل إعلامنا، ليتحول من إعلام حرب إلى إعلام سلام يحفظ الدماء ويعيد ثقد الجمهور إليه.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية