رهان الثورة والنظام بين الفنانين الليبيين
article comment count is: 0

محمد سحيم يكتب: القمار السياسي بين الفنانين!

يوم بدأت القنوات المصرية عام 2011 في إجراء محاكم تفتيش على الفنانين وفرزهم إلى تيارين (مع وضد) الثورة، كان من المتوقع أن يعم هذا “التخبيص” على بقية الثورات في المنطقة لاسيما وأن تونس سبقت مصر حين خرج لطفي العبدلّي (ممثل تونسي) في زاوية مظلمة أواخر ساعات الثورة ونشر مقطعاً وبخ فيه الرئيس زين العابدين وكأنه قد أُخبِر وقتها فقط بما جرى لتونس على يد الرئيس وحزب التجمع، سبق هذا التهريجي انغماس فنان الراب التونسي حمادة بن عمر الملقب “الجنرال” في أتون أغاني الثورة فاعتُبر أنه الصوت الفني للثورة، بينما اعتُبر رائد موسيقى الراب في تونس والمنطقة محمد صالح بلطي المعروف باسم (بالتي Balti ) اعتُبر من جماعة السلطة وأدواتها وبقي مغضوباً عليه حيناً من الوقت، أيضاً دخل إلى قفص الاتهام المذيع التونسي الشهير سامي الفهري وسجن بدعوى أنه ذراعٌ إعلامية للنظام مع حفنة أخرى من تُهم الفساد.

حين اندلعت المظاهرات في ليبيا لم أحظَ بفرصة رصد ردات الفعل الأولى للفنانين خصوصاً الموجودين في مدينة بنغازي، كنت يومها في السجن أدفع ثمن مقالٍ كتبته، لكن حينما راجعت أرشيف بدايات الثورة وجدت أن الفنانين في مدينة بنغازي قد اجتمعوا في مظاهرة دعم للثورة وارتصوا جنباً إلى جنب في صفٍ واحد عقب إعلان ولادة المجلس الانتقالي في مدينة بنغازي، وكأنهم أحسوا بضرورة إعلان موقف ثوري وأحسوا أنهم متهمون بشكلٍ ونحوٍ ما، لذا وجب عليهم المبالغة في ردة الفعل ودرء التهمة!. على الضفة الأخرى في طرابلس كان الفنانون في مواجهة التعقب لإعلان الولاء للقائد أمام بيته (البيت الصامد) الذي تحول إلى منصة غناء ومبايعات على مدى جولات الكر والفر من فبراير وحتى أغسطس.

انقسم الفنانون إلى دكتين تبعاً لمحل الإقامة، جُل من كانوا في مدينة بنغازي أو المدن الخاضعة لسيطرة قوات المجلس الإنتقالي لبسوا طاقية الثورة وصاروا يغنون للثورة ويجسدون أدواراً ضد “الطاغية” أما الضفة الأخرى التي كان محل إقامتها طرابلس وأماكن سيطرة قوات نظام القذافي، صارت تغني للقائد والجماهيرية والوطن وتشتم ساركوزي والمؤامرة وقطر والإمارات.

بعد تحول السيطرة في طرابلس قامت (كتائب الثوار) باعتقال الفنان الراحل مختار الأسود واعتقلت أيضاً الفنان الكوميدي يوسف الغرياني (قزقيزة) بسبب ظهورهما في أدوار تمثيلية ذات طابع سياسي على هوى الجماهيرية وضد فبراير، حُوكم قزقيزة وأودع السجن وخرج بعد قضاء مدة العقوبة، فرّ أيضاً من طرابلس مغني المرسكاوي سمير الكردي الذي كان يعتبره الثوار أحد (درابيك الطاغية) خلال أشهر الثورة، ونشر على اليوتوب أغنيةُ توبةٍ عن كفره بالثورة، حاول من خلالها تبرير موقفه “لخوته الثوار” ثم عاد في وقت لاحق وكفر بالأغنية ولعن فبراير من جديد وأعاد توصيف موقفه السياسي كمؤيد للجماهيرية وللقذافي.

على نحوٍ آخر راح بعض من تخفوا طوال أشهر الثورة ولم يظهروا على ركح بيت القذافي (البيت الصامد) راحوا يطالبون بمكافأة موقفهم السياسي ومعاقبة الفنانين الآخرين، من كانوا على الضفة الأخرى، أخبرني وزير الثقافة في حكومة (علي زيدان) أن إحدى الفنانات اللواتي اختفين من الساحة الفنية منذ منتصف التسعينات، جاءت إلى مكتبه وصارت تصرخ وتطالب باحترام موقفها الداعم للثورة كونها لم تظهر على ركح بيت القذافي (البيت الصامد).

في سوريا أيضاً، انقسم الفنانون إلى (ثوار وشبيحة) بعضهم خرج في مظاهرات لدعم الأسد شاحطاً على جسمه ثوب العسكرية ومبتسماً إلى الكاميرا من وراء بندقية، آخرون أُودعوا السجن وخرج بعضهم باتفاق مع الأجهزة الأمنية على أن يلتزم الصمت وفر آخرون إلى مصر ودبي وتركيا، كذلك تحول بعضهم بضربة ثورة واحدة إلى رجال سياسة وصاروا ضمن كبار شخصيات المعارضة مثل الفنان جمال سليمان وبقي آخرون على الركح السياسي بعيداً عن الوجاهة وبين مخيمات النازحين كالفنان عبدالحكيم قطيفان، لكن يبقى أشد أنواع المواقف السياسية تطرفاً هو ما أجراه الفنان فضل شاكر الذي انقلب في لحظة واحدة من مكانة (ملك الرومانسية) إلى أحضان جماعة (أحمد الأسير) المتطرفة وصار شخصاً لايشبه أبداً أي شيءٍ مما غناه.

أصالة نصري أيضاً اتخذت موقفاً مضاداً للأسد وبقيت حتى اللحظة تدفع ثمن هذا الموقف، لعل آخر ما نالها جراء فعلتها هو شتمها ولعنها من قبل الفنان جورج وسوف الذي تربطه برجالات دولة الأسد صداقة ومصالح ففضل السلطان التضحية بأصالة على خراب عشه وضياع تحويشة العمر.

الفنان الليبي الراحل محمد حسن الذي توفي قبل أيام كان من كبار من غنوا وتغنوا بالقذافي وجماهيريته حتى صار فنان الجماهيرية الأول وعوّاد الخيمة، لكنه خلال أشهر الثورة اتكأ على الرصيد الاجتماعي والعلاقات الطيبة التي كانت تربطه بكل الأطراف فقدم المساعدة لبعض النازحين مما خفف السخط عليه من قبل قوات الثوار التي ترفقت به ولم تعامله معاملتها لبقية المعتقلين من الفنانين والإعلاميين، أيضاً كان قد ظهر قبل ذلك على خشبة مسرح (البيت الصامد) وأرضى قائده وأتباعه وتعلل بالمرض وتمنى الخير للجماهيرية وكل الليبيين، يوم غادر الحياة وأعلنت وفاته كانت ردود الأفعال واحدة تقريباً من جل الأطراف، لم يتعنت ضده أحد ولم يروا فيه سوى فنّه.

الفنان (الممثل أو المغني) بأي مستوىً كان، هو في الغالب ابن بيئته وطبيعة حقله لاتتطلب أن يكون على درجة عالية من الثقافة والتعليم كي يهون على عقله تبني موقف سياسي سليم، الفنانون في الغالب هم من شريحة الوسط ومادونها في المجتمع، لذلك حُق لنا أن نستغرب من مطالبتهم باتخاذ موقف سياسي وإعلانه للناس ثم يصبح هذا الموقف سابقاً لاسم الفنان ورصيده الفني، الأغرب أن يتزاحم هؤلاء الفنانون على شاشات البرامج “الكلمنجية” لشرح وتحليل مواقف سياسية أو ثورية أو محافظة أو أن يحلّوا محل المفكرين والمثقفين وأساتذة الجامعات وأن ينقلب بعضهم مثلما انقلب الفنان محمد صبحي الذي صار فجأة (سارتر مصري) دون أي مبرر أو خروج عن مستوى محكيات الشارع والمقهى.

الفنان مسؤول عن فنه ومهنته أولاً وأخيراً، رغم الشطط والاعتدال بين مواقف الفنانين التي جئت على ذكرها، من انحياز للتغيير أو دعمٍ للسلطة، على اختلافها تبقى مجرد نوبات شطط أصابتهم حين هرجٍ وصخب، لاعلاقة لها بشخص ومكانة الفنان ودوره وهي ليست سوى علامة دالة على الفوضى ورداءة العقل الجمعي وثقافة المجتمع.

لست شغوفاً بإعطاء النصائح ورفع السبابة، لكن الفنان وغيره من العاملين في حقول الإطلالة على الجماهير، عليهم أن يعيدوا تعريف وظائفهم ويفهموا ويستوعبوا أن واحدهم في الغالب هو مجرد إنسان محدود الإمكانيات والمعارف ومواطن عادي عليه في آخر اليوم أن يلزم فراشه مثل كل الناس وعليه أن يُطيع السلطات إذا فرضت حظراً للتجوال كأي إنسان آخر، لا أحد يفترض أنهم خارقون أو أنهم فوق التوقعات لينبروا بآرائهم حين كل موقف ونازلة، هذه مهمة المثقفين وأهل العقل والعلم والفكر. حسب جوجل فإن أكثر ما بحث عنه البريطانيون على شبكة الإنترنت بعد إجراء الاستفتاء على خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي كان (ما هو الإتحاد الأوروبي؟) لماذا نفترض إذاً أن طائفة الفنانين في مجتمعات أسوأ تعليماً وأكثر تخلفاً قد تملك أجوبة تستحق المكافأة أو العقاب على أسئلة معقدة حول التغيير وإسقاط الأنظمة؟!

 

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية