حبٌّ ممّن يُناضل لإحياء الفنّ، وحرب ممّن يرفضه - Huna Libya
هل يرفض الليبيّون الفنّ؟ article comment count is: 1

الفنون في ليبيا ، حب وحرب

تخيّل…. على أعتاب العام 2020 في دولة تمتدّ على مساحة 1،800،000 كيلومتر مربّع، وبتعدادٍ سكانيّ يُقارب السبعة مليون من المواطنين، ومئات الآلاف من الوافدين؛ لا يوجد أي سينما، ولا دار أوبرا واحدة، ولا يُقام بها أيّ مهرجانات غنائيّة فنيّة، منتظمة.

ولمناقشة أسباب هذه النتائج، التقتْ “هنا ليبيا” مع الفنّان التشكيليّ (عبد العالي شعيب) المشرف على المرسم الجامعيّ، بجامعة عمر المختار، بمدينة البيضاء، والذي تأسّس عام 1992. فعلّق بقوله:

“إنّ المجتمع الليبي مجتمع تقليديّ، رافضٌ للتمرّد واللا-مألوف، ويتصدّي لكلّ ما هو جديد، ولكلّ ما يعمّق أصول المعرفة ويجدّدها”

رجل جالس أمام رسومات بورتريه لشخصيات مختلفة، في معرض

وأضاف: ”الفنّان في مُجتمعنا يُبدع لنفسه؛ لعدم وجود متلقٍّ يَتذوّق هذا الإبداع، ومع كثرة المحاولات؛ يتحوّل الفنّان إلى تكريس المفاهيم الضيّقة، التي يتعاطى معها المجتمع، حتى يصل إلى الحدّ الأدنى من التفاهم مع تكوينات المجتمع الأخرى، وينساق الأمر على كلّ أنواع الفنون في ليبيا“.

ويرى (شعيب) أنّ المجتمع لم يجد المؤسّسات التي تأخذ بيده نحو التجديد، لصنع حضارة وثقافة وبيئة، تنتشل الأجيالَ من الجهل المتوارث في مجتمعٍ محافظ، بشكل غير مثالي وانتكاسيّ، واصفا المجتمع الليبي بأن “لا ثبات له على قيمة يطوّرها ويعلمها للآخر“. ثم يسترسل موضّحا:

”تضيق خيارات الشابّ كلما كبر، إمّا أن يتمرّد ويخسر، أو أن ينصاع وينتكس. وفي الحالتين هو خاسر. إذ ينشأ الشباب في بيوتٍ؛ مفاهيمُ الأدب والثقافة والفنّ فيها محدودة وضيّقة، وينطلق بعدها للمدرسة والتي تمارس عليه قمعا أكبر من البيت”.

“ويبحث عن أماكن أخرى للتعبير وتنمية مهاراته فلا يجد أيّ مؤسسة ترعاه. فإمّا أن ينتكس، وينخرط في المجتمع الذي لم يتفهّم موهبته، أو أن تهدر طاقاته وهو يحاول بمجهوده الذاتيّ، الذي لن يوصله إلى نتيجة؛ لعدم قدرة المجتمع على استيعابه“.

هذا ما قاله (شعيب) عن أسباب الإحباط الذي يعيشه الشباب الموهوبون. وقد ارتاد المرسم الجامعي هذ العام، بحسب مُشرفه، المئات. 35 شابا منهم ارتقوا إلى مستوى فنّانين. يصف (شعيب) دهشة الشباب عند دخولهم المرسم، بقولهم: ”نشعر بأننا في مكان غريب، ليس في مساحة الوطن، وكأننا انفصلنا عن الواقع الذي نعيشه“.

شاب يمسك قلما وحوله لوحات، في مرسم - الفنون في ليبيا
مفتاح صالح، رسام، وطالبٌ بكليّة الفنون – جامعة عمر المختار

في دراسة لمركز البحوث والاستشارات بجامعة بنغازي للعام 2015 كشف المسح العالمي للقيم، بعضَ القيم السلبيّة المتعلقة بمدى ارتباط الليبيين بالفنّ؛ منها عزوف أغلبية ساحقة من الليبيين عن الانضمام إلى منظمات رياضية أو ترفيهية بنسبة 81% فيما سجل العزوف عن الأنشطة الفنية 86.3%.

يقول (مفتاح صالح) 26 سنة، وهو رسّامٌ وطالبٌ بكليّة الفنون، بجامعة عمر المختار:

لا يمكن للمجتمع الذي لا يتذوق الفنّ، ولا يقدّره؛ أن يدعمه. أسرتي مثلا، لا يعرف جميعهم أنّي أرسم. أصدقائي أيضا منقسمون بين من يرى أنّ ما أفعله مضيعة للوقت، وبين من يشجّعني على تنمية موهبتي“.

صورة تظهر ألوانا زيتية، وأقلاما ولوحة، وعدة رسم - الفنون في ليبيا
الفنون في ليبيا

(بيتهوفن) الذي نظّم عددا من الحفلات في رمضان عام 2019 وعروضا مسرحيّة وفنيّة عائليّة؛ يُخبرنا في مقابلة أجريناها معه، أنّه انتبه لوجود سيارة تلاحقه، ومن ثمّ استوقفته، وترجّل منها أشخاصٌ يرتدون ملابس جهة أمنية، وطلبو منه مرافقتهم بأمر قبض رسمي.

وأكمل حديثه: ”عندما وصلنا إلى مقرّهم، غطّوا لي وجهي، وبدأ حوالي ثمانية أشخاص بضربي، وهم يتهمونني بالفسق لتنظيمي الحفلات“. مُسترجعا الألم قائلا: ”تمّ سجني، وحلق رأسي، واستمرّ سجّاني في تعذيبي، طوال الليل معلقا من رجلي، محاولا إكراهي الاعتراف بأشياء لم أقم بفعلها“.

تفاعل الرأي العام مع (بيتهوفن) بسبب الشهرة التي اكتسبها، بتنظيمه المهرجانات، ولحبّ الناس لما قدّمه. كما كان اختفاؤه حديث الشارع وقتها، ودعت المنظمات الدوليّة ومؤسّسات المجتمع المدني، الكشف عن مصيره. كما نظّم اتحاد الطلّاب، مظاهرة بشعار «اليوم بيتهوفن بكرة انت».

وكان للضغط القبلي والمدني دوره في إرباك مُختطفيه، الأمر الذي دفعهم لإيجاد حلّ لإطلاق سراحه. وتمت تسوية الوضع اجتماعيا، كي لا يتم تصعيده قبليا. ودون أن يُردّ له حقّه؛ تمّ إغلاق الملف.

أقلام، ألوان، مرسم - الفنون في ليبيا

في الـ 28 من أغسطس من العام 2017 أعرب نشطاء عن استيائهم من بعض ما تمّ نشره في كتاب (شمسٌ على نوافذ مغلقة) والتي تعود إلى نصوص من رواية ”كاشان” للكاتب (أحمد البخاري) التي سبق وتحصّلت على جائزة محلية، وحصلت على إذن للنشر والتوزيع.

وصف الرّافضون من النشطاء النص، بأنّه (إباحيّ وخادشٌ للحياء). فيما دافعت أصوات نشطاء آخرين عن الكتاب، وحرية التعبير والنشر، مُستنكرين المبالغة التي وصفت النصوص بالإباحية.

تعرض محرّرا الكتاب إلى تهديدات من ميليشيات مسلّحة، انتهت بتهجير أحدهما. فيما تعرض الكتّاب الشباب الـ 25 الأخرون لضغوطات اجتماعية وتهديدات وتمّ اعتقال أحدهم. واستمر الموقف بالتصاعد لحد اتخاذ الجهات الرسمية موقفا معلنا ضد الكتاب وتم منع بيعه وجُمعت كل نسخه.

تقول الكاتبة (إيناس فارس) إحدى المشاركات في كتاب (شمس على نوافذ مغلقة) عن تفاعل المحيط مع ما تكتبه:

”صدى موهبتي بين أقراني كان جيّدا جدًا. وكثيرا ما شجّعني الأصدقاء. بدأت المشكلة مع بداية النشر في صحيفة الجامعة، ربما يعود السبب إلى أنني كنت أتجه إلى الشعر العاطفي حينًا، والسياسي حينًا آخر. وبالتالي، ومع كلّ نصّ جديد، كانت هناك حاجة إلى التفسير أنّ النصّ لا يُعبّر عن تجربة شخصية“.

لوحة، امرأة، مرسم، فنون

وعن تجربتها في المشاركة في كتاب (شمس على نوافذ مغلقة) قالت (إيناس):

”في تجربة الكتاب الجماعيّ؛ ازداد الأمر سوء، عن تجربة النشر في الجامعة. حيث أحدث الكتاب بعض الفوضى، والتي رغم لا منطقيّتها، شكّلت هجوما شرسًا عليّ، كفتاة تعيش في مدينة صغيرة، يعرف فيها الناس بعضهم بسهولة. كنت قلِقة في بداية الأمر من المضايقات على الإنترنت، لكنّ الأمر على أرض الواقع لم يخرج عن كونه همهمات“.

أشادت (إيناس) بدعم العائلة والمقرّبين، وفرحهم بأوّل إنتاج أدبيّ مطبوع لها، رغم ما حدث من تهجّم واستنكار، واصفة مستقبل ما تتمناه بقولها:

”رغم ما أراه من تأرجح بين تقبل المواهب الأدبية وتشجيعها، وبين الاستنكار لمشاركة فتاة في هذا المجال؛ فإني أسعى جاهدة لإيجاد الفرصة للتقدّم خطوات جديدة، لطريق تسير فيه غيري من الكاتبات، اللواتي يحاولن إثبات أنفسهن دون خجل أو قلق“.

لوحة

وتظلّ الأسئلة مطروحة حول الفنون في ليبيا وأسباب رفض المجتمع للفن، وعن تهرّب الدولة من مسؤوليتها، وعن الحلول التي يحاول الشباب إيجادها، للنجاة بمصيرهم كفنّانين ومتذوّقين للفن.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)

  1. ابدعت الدراما الليبية في مسلسل دراجنوف ومسلسل روبيك وخاصة شخصية عائلة الكاسح علي وعمر وعلاء وعبير والام البسيطة المحافظة