article comment count is: 0

صالح قادربوه يكتب: ليبيا.. إعلام الثأر!

لم يتحقق خلال السنوات الماضية منذ 2011 ظهور مؤسسة إعلامية تلفزيونية أو إذاعية أو صحفية تنشد وتدعو وتدعم قيام دولة مدنية قوامها الإنسان وسندها القانون وأفقها التنمية؛ فقد ظلت كل المنابر الإعلامية رهينة الأيديولوجيا ومصلحة الممولين، وفي أحسن الأحوال سوقا للثرثرة التي تعطل أكثر مما تدفع إلى المستقبل.

إنه إعلام الطوارئ: مباح فيه الهجوم والتخوين والتحريض والمبالغة والمصادرة.. بدعوى المصلحة العليا التي لم تتحقق، والحديث بالوكالة عن الشعب وما يريده حقاً، ما أوصل الشعب نفسه إلى واقع لا يمكن تخيل ما هو أكثر بؤساً وتردياً منه.

الرؤية الوحيدة للإعلام كانت الاحتفال بقهر الرأي والصوت والتوجه المخالف أو المختلف، مع الاستعانة بجوقة من الصحفيين المتلونين الذين يهولون ويهللون، لم يكن هناك بعض التروي إلا في حالات نادرة، وبدلاً عن تحري الدقة وتقصي الحقيقة كان قصب السبق للجعجعة وصناعة أو تلقف كل إشاعة وتفخيخها ودحرجتها نحو الجمهور؛ فتواصلت الكوارث واحترقت التصورات والأحلام.

“خلف كل خبر رغبة وحشية للثأر، لا تنطفئ نارها حتى وإن خفتت تكتيكياً، مما جعله إعلام إبل لا تنسى حقدها، وحين يغفل خصيمها تبرك فوقه وتسحقه سحقاً.

القنوات الفضائية التي انتشرت كالدمامل في فضاء التلقي واكبت وحققت أهداف من يدفعون المال وأغلبه مال فاسد من السرقة الواضحة وتجارة الحروب وصفقات بين مافيا استنزاف الموارد وبين المرتشين الحكوميين، بل وحتى ذوي التوجهات الفكرية المتشددة المؤمنة بالسلاح والعنف  دونما رقابة،  فقطعت الرقاب وتقطعت سبل الوصول إلى استقرار في الخطاب يحتوي تنوع الاجتهادات ويوقف حمى الكسب السريع فوق الجثث وأكوام المباني المهدمة والحشود المهددة بالفناء أو النزوح.

بينما اختفى الدور النقابي تماما، فليس هناك حراك باتجاه تصحيح حركة الإعلام وضبطه قانونيا، ولا حتى اتفاق ما بين الصحفيين على تغليب القيم الديمقراطية ومثل المجتمع وحقوق المواطنين، فكان الليبي هو حطب محرقة الجنون الإعلامي والسقوط الصحافي، وتبين أن كل الشعارات التي أطلقت قبل السنوات الماضية كانت لغرض شللي أو جهوي أو حزبي أو مصدره المخاصمة.. فعبرنا من رمال ما قبل 2011 الملتهمة إلى هاوية ما بعده المملوءة بالضباع.

الميليشياوي كان دوماً نجم الصفحة الأولى والخبر الإذاعي الأول ومادة برامج الفضائيات الأبرز، لم يتم الاحتفال برؤية ما أو باستراتيجية بناء أو بخطط تنمية تصلح للتحقق وتعد بقادم يغمره الإنتاج ويلد الرفاهية، صورة القاهر المسلح الذي لا يفارق سلاحه الأوتوماتيكي يده وتحته جثث من يدعوهم أعداء الوطن كانت الأكثر تأثيرا وذلك ما صدره الإعلام ولعب به وله.

كان خلف كل خبر رغبة وحشية للثأر، لا تنطفئ نارها حتى وإن خفتت تكتيكياً، مما جعله إعلام إبل لا تنسى حقدها، وحين يغفل خصيمها تبرك فوقه وتسحقه سحقاً.

صورة ثورة ليبيا في إعلامها هي أغنية عن الحرب ومشهد للدمار، لم نجد حواراً حقيقياً مع عالم أو أديب أو استراتيجي أو حتى مسن خبير عارك الحياة وحاز الحكمة، وحتى الحوارات التي ظهرت كانت موجهة في اتجاه تثبيت قناعة من ينفق على القناة أو من يديرها حسب الهوى الشخصي، فماتت عقول قبل الاستفادة منها وغيبت أصوات كان لتصديرها إن وجد تعميم النضوج واحترام التعلم وتقدير التجربة.

لكن مازال هناك عزم وأمل، يفتقر طبعاً إلى التمويل، لكنه حي ومنافح عن القيم الإنسانية والحق في العيش الكريم وفي احترام المتلقين وتغذية عقولهم ووجدانهم بدلاً عن تحريضهم وتحفيز البدائي فيهم.. إعلام يستلهم إنجازات الحداثة ويقف عند الناس ويصدر عن ضمائرهم ويساهم في تخفيف العبء عنهم.

إعلام ينطلق من تاريخ حافل وشواهد حضارية قائمة وعقول وقلوب ذات أخلاق لا تكتب بالدم بل بالحبر، وتدون على الفضاءات التلفزية والإلكترونية ما يجمع ويمهد للتشييد والابتكار، لن يختفي حتى وإن خنقته أيدي القتلة وعباد السلطة أو تضرج من السكاكين والرصاص.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية