مواقع التواصل الاجتماعي تصدر العنف والسلام
article comment count is: 0

ريما إبراهيم تكتب: مواقع التواصل الاجتماعي، نشر العنف والسلام

حين يأتي الأمر للحديث عن أثر السوشال ميديا على الواقع فإننا غالباً ما نتحدث بسوداوية عن كون حضورنا الإلكتروني لا معنى له، أنه محض “ضرب كيبورد” أو أنه يسبب لنا الإدمان ويشغلنا عن “العالم الحقيقي”، رغم ذلك فإننا نمضي الكثير من أوقاتنا داخل هذه العوالم التي نسميها افتراضية والتي تؤثر بشكل ما على تواصلنا مع الآخرين، و توسيع معارفنا وطريقة تفكيرنا؛ بالتالي بإمكان استخدام السوشال ميديا أن يكون تجربة “حقيقية” تملك انعكاساً على أرض الواقع.

تبدو مواقع التواصل الاجتماعي أدوات فاعلة في التغيير أحياناً حين تتكاثف أصوات مستخدميها، وهذا ما يحدث حين يأتي الأمر لحملات الإغاثة وتجميع التبرعات المالية للمحتاجين أو حملات التوعية، وتجد عدد من هذه الحملات نجاحاً نسبياً. وقد تتكاثف أصوات أخرى في المساهمة بنشر العنف أو الاستهزاء بشخصيات عامة أو التمييز وفقاً للنوع الاجتماعي والعرق واللون والمعتقد، وتشويه السمعة والتحرش وكل أنواع المحتوى التي بالإمكان تسميتها “خطاب كراهية”. وللأسف فإن هذه الأصوات أيضاً تجد نجاحاً قد ينعكس على الواقع ويصل للإعلام غير المهني والسلطات الأمنية، مما يؤذي بعض الأشخاص معنوياً وجسدياً، وذلك دون بذل مجهود كبير، فقد يكفي استخدام كلمات معينة أحياناً لترك أذى نفسي عميق على البعض، أو تلقي بالبعض الآخر رهن الاعتقال التعسفي، أو تضعهم في موقع تهديد من السلطة الاجتماعية (الأهل، الأقارب، القبيلة).

تكون هناك أصوات منادية بالخير والإنسانية تارةً، وأصوات مناصرة للعنف وقامعة للحريات تارةً أخرى، مما يشكّل تناقضاً في توجهات ما يسميه البعض “الرأي العام الليبي” الذي عادة ما تتوضح ملامح حركته من خلال مواقع التواصل الاجتماعي أو تصدر من داخلها، وحين نقارن بين حملات جمع التبرعات والإغاثة وحملات التحريض على العنف وبأخذ مثال لحملة الدعوة للإغاثة الطبية للنساء الحوامل بمستشفى غات، وحملة التحريض على العنف تجاه منظمي وضيوف حدث كوميك كون بطرابلس لعام 2017 نلاحظ عدة ملامح متباينة. في حملة “انقذوا أمهات غات” تم استخدام هاشتاق موحد واحد بالعربية وآخر بالانجليزية للفت نظر الجهات الدولية للإغاثة، وكان أصحاب الحملة من النشطاء المدنيين والشباب أصحاب التأثير على تويتر وفيسبوك. اللغة المستخدمة عربية فصحى وإنجليزية، انتشرت الحملة بشكل واسع على تويتر وبشكل محدود نوعاً ما على الفيسبوك بين صفحات الشخصيات الداعمة. أما في حملة الهجوم على حدث كوميك كون بطرابلس فقد انتشرت بشكل واسع على الفيسبوك باستخدام لهجة محلية وشتائم بذيئة واتهامات بالانتماء إلى الماسونية وبمعاداة المنظمين لعادات وأخلاق المجتمع.

وبالنظر إلى تأثير الحملات بإمكاننا أن نرى مدى سرعة استجابة الجهات المسلحة باعتقال الشباب المنظمين لحدث كوميك كون لحركة الرأي العام المنطلقة عادة من الفيسبوك خلال أقل من أربعة وعشرين ساعة، وأن محركي هذه الهجمة على الأغلب صفحات عامة بإدارات مجهولة الهوية يخدمها أسلوب نشر الشائعات والأخبار المثيرة للحصول على جمهور واسع. بينما في المقابل نرى أن حملة الإغاثة تضمنت إنتاج محتوى متنوع بمبادرات من عدة شباب ومنظمات شبابية، مثل تصاميم وأعمال فنية باسم الحملة، تغريدات مناصرة وتدوين صوتي، وبالتأكيد وصل صدى الحملة في أيام قليلة إلى أصحاب القرار في ليبيا، وتم التشكيك في صحة الأخبار حول غات. وصلت الحملة أخيراً إلى هدفها الأساسي بحصول مستشفى غات على إغاثة طبية من قبل بعثة الأمم المتحدة بعد مرور أكثر من شهر على بدء الحملة.

تؤكد هذه الأحداث أن مواقع التواصل الاجتماعي بإمكانها أن تكون وسيلة لجلب المعونة للآخرين كما بإمكانها أن تكون وسيلة لجلب الأذى والخطر، وكل كلمة تقال داخلها قد تجد أحياناً طريقها إلى الإعلام ومن ثم السلطات وأصحاب الشأن، الأمر الذي يجعل السوشل ميديا سلاح ذو حدين. بالإمكان لأحدنا من خلالها أن يدافع عن القضايا والمبادئ الأخلاقية أو أن يستخدمها كوسيلة لنشر العنف بالمجتمع. ما يفصلنا عن الاختيار هو زر واحد يبدأ حرفاً في كلمة كراهية أو تضامن، وما يلحقها هو شخص يعذب في المعتقلات غير الإنسانية، أو شخص يتلقى معونة إنسانية، كل ما هنالك هو أن نختار بين نشر السلام ونشر العنف.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية