article comment count is: 0

نجوى بن شتوان تكتب: الثورة الرقمية المستمرة في ليبيا

الحساب في ليبيا لا قيمة له إلا في سوق الخضروات أو في سوق الذهب والعملة أو حين يتقاسم اللصوص المال الذي سرقوه، يعودون فوراً  لموضوعتيهم ومصداقيتهم في تقسيم المبلغ بينهم بالتساوي طبقا للطريقة الشرعية في القسمة العادلة!

الحساب في ليبيا بلا سيرة حسنة ولا سلوك طيب، يرتع مثل كلب ضال يقتات القمامة ويواصل طريقه بلا وجهة إلى أن تستوقفه أخرى.

الحساب في ليبيا لا داعي أن تتعلمه في المدرسة، وتتعلم كيف تفكر به وتوظفه وتحوله إلى لغة دقيقة، فخمسون ألف شهيد عدد لابد أن يجعل الحساب يموت شهيداً هو الآخر لعظمة العدل في ليبيا. ومليون حافظ للقرآن عدد كفيل بأن يجعل ليبيا بلداً مسلمة دون حاجة لدسترة الشريعة!

ومليونا مهجّر ما بين تونس ومصر، عدد لابد وأن يجعل شعب تونس غريباً في أرضه، واسم مصر الفعلي هو، جمهورية ليبيا المصرية!

وعدد آلاف المغتصبات في الثورة الليبية، عدد كفيل بجعل أصل سكان ليبيا أخيراً معروفا ومتفقا عليه، من أين جاؤوا وكيف جاؤوا، سيخرجنا من الحيرة التاريخية (من أنتم).

وعدد ثلاثة عشر خروف وطني ذبحها فلان الإعلامي الشهير، لضيافة  شخصية قطرية رفيعة المستوى زارت ليبيا خلال الثورة، عدد لابد وأن يجعل الخرفان الذبيحة تطل من شباك المربوعة، قائلة “بع بع” للضيف الذي يأكل لحمها هو وستة من الأشداء معه!

وعدد الثوار الذين يغلب عددهم الشهداء، كفيل بجعل الجنة ليبية وليست فلسطينية.

وعدد ستة مليون يسكنون ليبيا، مليون ينطح مليون، لابد أن يهبط بليبيا تاريخياً من مستوى آلهة إغريقية، إلى مجرد امرأة ولود ودود.

وعدد مليار سرقها فلان الذي في البرلمان، ومليون حولت لحساب قناص سطوح سوق الحوت، الذي تخصصه قنص رجال الشرطة والجيش، سيكون سبباً طبيعياً لعدم تكون جيش أو شرطة، إذ سيتجه الجميع إما للعمل في البرلمان أو فوق السطوح.

وعدد سبعة وعشرين حورية ينتظرن رجلاً غير وسيم عافته نساء الدنيا، لابد وأن يجعل الحوريات في مأزق مع الذكر الذاهب إليهن بأزياء الثوار، مميزاً عن ثوار الثورات الأخرى، بشبشب الإصبع والبدلة العربية المشدودة بواقي الرصاص، وشيء من “الطمز” نتيجة الرسوخ في الجبهة، ممتلئاً فقط بفكرته عن نفسه وأحقيته بالحوريات، والكثير مما قالته له أمه في لحظة غشم  عاطفي: “مليون وحدة تتمناك يابني”، فما ذنب سبعة وعشرين حورية؟

وعدد سبعة وثلاثين درجة، إذا ذهبت للمسجد البعيد من منزلكم، القريب من أماكن القصف هو أيضاً، بحاجة إلى مراجعة منطقية دقيقة، فرأسك يجب أن يذهب للصلاة بفكرة التعبد لله، وليس بفكرة التعامل معه وفقاً لمبدأ المقايضة والمكافأة، المعمول به في حساباتنا.

وقس علي ذلك من الخيال الرقمي المستبد!

تلك الثورة الرقمية المستمرة لا تضاهي إحصائية تتردد منذ الاحتلال الإيطالي لليبيا، بأن النساء في ليبيا أكثر عدداً من الرجال، ثم بعد دخول التعليم، أصبحت كل ثمان نساء يقابلهن رجل واحد، ثم بعد الحرب أصبحت كل مجموعة من الأرامل يقابلهن مشروع شهيد،  وهي حسبة ذكورية المغزى، في الاتجاه الذي يسخرون له العد، لم ينجُ منها سوى العداد وراكلي الأعداد في الاتجاه الذي يسخرون له  العدد.

نعم للحوار مع الحساب:

في البيت يتعلم الطفل التضليل، يبدأ الأمر صغيراً ويكبر معه، لكن ما يرى من الاثنين، هو الطفل فقط.

خلال العملية التربوية، يتسرب العدد والحساب دون انتباه، فيكذب الطفل لأنه طفل، بأن عشرة رجال هم من واجههم والده وحده أمام البنك الذي يحرسه، أطاح بواحد منهم وهرب البقية، رغم أن مليوناً ونصف فقط، هي التي سرقت من البنك، ثم يكذب بأن نقود العيد التي حصل عليها من الجيران، هي خمسة دنانير وليست خمسون، وهو بحاجة لأن تزيده أمه العطوف ليتمكن من شراء اللعبة الإلكترونية الجديدة.

ويتطاول بنيانه في الكذب دون أن تواجهه حتى نصف ( تفنيصة) بأنه حصل على الدرجة النهائية في الامتحان، وأنه لم يضع واحداً على يسار الصفر، قبل حمل الصحيفة لولده لتوقيعها.

وينجح في الثانوي بالتدافع، وتخبر والدته والده، نقلاً عنه بمنتهى البهجة، بأنه من العشر الأوائل  المبشرين بكلية الطب، بل أنه أولهم!

يتم تفريخ العدد وتفقيصه كما بيض القمل في الرأس الذي تسيطر عليه الحشرات، والنتيجة إحصائيات رهيبة وأناس تؤمن بما تسمع، وأناس تغلف ما سمعته بالعدد، وأناس تنقله محمياً بحلف الطلاق بالثلاث، لأناس تعوم وراءه  وتعممه،  وتجد لها متكئاً بارداً وشراباً كلما زينته بالمضاعفة.

وعلى سبيل القص، إذا سألت أحدهم ماذا يحدث هناك؟ وكنت تعني لماذا يرفع الرجل عند الإشارة الضوئية صوته، والآخر يرفع يديه سيقول لك أحد العدادين ممن سمعوا السؤال: “قال له مرتين لعن الله أمك، وقال له الثاني ثلاث مرات، يا رجل بدل هذه الساعة بساعة أخرى”، ولما لم ينجح التبديل تضاربا، وأصبح عدد الجرحى في أقل من دقيقة، عشرة! أحدهم خاطوا له في المستشفى عشرة “بونتو” وآخر سقطت من فمه ثلاثة أسنان، بينما احترقت سيارتان لجيران “السيمافرو”!

في حديث قصير عادي كهذا، تجد كل العمليات الحسابية البسيطة من الجمع والضرب والقسمة، وهو أمر غير مستغرب من الراوي الليبي للأحداث الرسمية والعادية.

حتى يمكنك فهم أي موضوع تطالعه، حاول أن تنقذ الرقم، وإن لم تستطع إنقاذ الفتاة التي تقرأ بأنه تم اختطافها من قبل  خمسة شبان ثم  اغتصبها عشرة منهم،  لمدة خمس وعشرين ساعة في اليوم  وعلى مدى الشهر، قبل أن يرمونها  في بطانية عند طريق المطار.

حاول إنقاذ الرقم حتى وإن لم تستطع إنقاذ العشرات من ضحايا الخمرة المسمومة في طرابلس. حاول إنقاذ الرقم وإن لم تستطع إنقاذ خروف من الثروة الحيوانية التي أفنوها في اجتماع الفيدراليين لفدرلة ليبيا. حاول إنقاذ الرقم وهو يستغيث عندما يروي لك أحد عشر مواطناً، ممن يشهد لهم بأنهم لا يتعاطون كذبة أبريل، نفس الحادثة التي شهدتها بعينيك، بأربعة عشر رواية من روايات “فنحاص عمن فنحصه”.

حاول إنقاذ الرقم وإن لم تستطع تصديق عدد الجثث التي  وجدت متفحمة في سيارة داخل المقبرة، وكان الناس ينظرون إليها ويقفلون أنوفهم من الرائحة،  ومع ذلك يتوصلون إلى أنهم ثلاثة رجال بلغاريين وامرأة ليبية!

حاول أن  تنهي القصة باكراً، بتصديقها، كيلا يطول زمن بقائك في المقبرة ممسكاً بأنفك.

حاول إنقاذ  العدد ممن يستعملون الحلف بالطلاق، لكي يصدقهم الناس، وصدقهم فوراً ليفوزوا سريعاً بدور البطولة.

حاول أن تنقذ الرقم من أحاديث الليبيين هذه الأيام، فالله لا يضيع أجر المحسنين إلى عقولهم!

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية