الكتب المسموعة
article comment count is: 1

محمد سحيم يكتب: توريط الأُذن في التنمية

بعض الكُتب مهمة، لكنها ليست بأهمية الوقت والجهد اللذان يُبذلان لأجل قراءتها، هذه الكُتب (المهمة وغير المهمة) في آن، تختلف من شخص لآخر ومن قارئ لقارئٍ آخر -وأعذر نفسي هنا في التأكيد على العد والتمثيل والإطالة فيهما آخذاً بمذهب العقاد والحكيم وطه حسين في الإسهاب والإطالة في السرد والعد-، هذه الأهمية واللا أهمية تختلف من تخصص وحرفة إلى أخرى، ومن عقلٍ وحقلٍ واهتمام إلى غيرها، فالمهم (اللا مهم) عند الطيار يختلف عنه عند التاجر، وعند الطبيب يختلف عنه عند المهندس، وهكذا يجري الاختلاف تبعاً لحقل الاحتراف وميول القراءة عند الإنسان.

الإلتزام بالقراءة في حدود ما نحب أو ما نحتاج، غالباً ما لا يذهب بصاحبه أبعد من حدود أنه جيد، لأن التميز والإبداع يشترط أكثر من هذا الكيف والأسلوب في القراءة، يقول البرفسور ستيف بنكر* “القراءة في علم النفس وفيزياء الكم والعلوم الاجتماعية والنظرية السياسية والفلسفة وأكثر من ذلك إن أمكن، تعطي النفس نظرية عميقة وجميلة وأنيقة عن كيف يعمل العالم”. هذا تحديداً ما كنت أعنيه بالمهم اللا مهم، أن تعمق نظرتك وفهمك للحياة بشكل عام وفي مجال تخصصك عبر سند معارفك وأفكارك بأخرى من خارج الحقل والمعتاد والمستساغ، والأخرى هي ما يُعوَل عليها في صنع الفارق وإطلاق الإبداع في رأسك، فحدود الحقل غالباً ما لا تحمل غير القديم المكرر والمعروف.

كثيرٌ من الإجراءت والجراحات الطبية المبتكرة انبثقت في رؤوس جراحين خرجوا بعيداً عن حدود العيادة ووجدوا إجراءً معيناً في الميكانيكا أو في هندسة الإنشاءات أو الهندسة الصناعية وغيرها يشبه حاجةً عندهم في الطب، فنقلوه إلى غرف العمليات فأضحى صرعة طبية وفتحاً علمياً ساهم ويساهم في علاج ملايين المرضى حول العالم، وليس أمثل على هذا من فكرة القسطرة ومن أفكار جراحة المناظير وجراحات نقل واستبدال الأعضاء وصناعة المفاصل والوصلات والدعامات المعدنية للهيكل العظمي، كلها أفكار طبية نشأت بفضل عقول أطباء وجراحين كانت مساحة قراءتهم واهتمامهم تتعدى حدود التخصص إلى تخصصات أخرى فأحضروا ما ينقص الطب من وراء حدود الحقل.

هذا ما يجري في عالم (الفوق المتقدم) عند مختلف الحقول والتخصصات، فأشكال الهواية وضروب الاهتمامات الثانوية ومجرد القراءة عن أغرب أنواع الحيوانات ونحو ذلك، صارت اليوم عاملاً مهما يضيف إلى تميز سيرة المتقدم للتوظيف في أفضل الشركات والمناصب والوظائف حول العالم.

ما سبق كان تقديماً للحديث عن أفضل الوسائل لقراءة الكُتب (المهمة وغير المهمة)، أو لنقل (المهمة وثقيلة الدم أو المملة) والتي اعتبرها خانة (x) تختلف شحنتها وقيمتها من شخصٍ لآخر. بالنسبة لي، هذا النوع من الكُتب هو جُل كتب التراث والأدب العربي إضافة لكل ما كتبه أدباء مصر والشام في القرن الماضي، مهم لكنه ممل ولايستحق الوقت الذي أبذله في سبيله، بعد حين من المعاناة لحل هذه الأحجية توصلت إلى فكرة الكتاب المسموع، فقيادة السيارة أو القيام ببعض الأعمال اليدوية مثل التصليح أو التوضيب تحوي بعضاً من الوقت الذي أستكثره على الاستماع إلى ما تقدمه إذاعات الإف إم، فحولته من وقتٍ ضائع إلى وقتٍ كله فائدة، عبر تحميل الكتب المسموعة من الإنترنت والاستماع إليها في تلك الأوقات.

تحويل تلك الكتب من سطورٍ وأوراق إلى أصوات يخفف من ثقل دمها ويعطيها بعض الحيوية التي لايمكن لها أن توجد في حدود الكتاب الورقي. الطراز الكلاسيكي العتيق في الكتابة والإخبار يُستعذب سماعه أكثر من قراءته، لذلك حوّلت طريقتي في قراءة (المهم اللامهم) بأذني، فضربت بهذه الطريقة الكثير من الأهداف في مرة واحدة.

أسعى الآن إلى إنشاء راديو إف إم يختص بإذاعة الكتب المسموعة وما زلت في مرحلة البحث عن التمويل.

—————————
*ستيفن آرثر بينكر: أستاذ علم النفس في جامعة هارفارد، وهو عالِم متخصص في اللغويات وعلم اللغة النفسي وعلوم الإدراك، ومؤلِّف معروف لكتب تبسيط العلوم، ويُعرف بدفاعه عن علم النفس التطوري ونظرية العقل الحسابية . ترجمة بينكر نقلاً عن: ويكيبيديا.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية