خروج الحبّ الي أماكن مُعلَنة يكون ملعوناً. يُهملونك ما دمتَ داخل فقاعة الحب المخفية، ويلعنونك إن أظهرته - Huna Libya
الحب لا يكون إلا متمرّدا article comment count is: 3

هل الحب المُعلَن، قلّة أدب؟

بينما تزداد فرضيّات الحروب والنّزاعات على هذه الأرض، تقلّ معها فرضيّات الحُبّ والعاطفة، ولو كانت اعتياديّة، كل يوم.

هُنا يختبئ المحبّون خلف كتيّب الاستخدام لمُنتَج (الحب) الخطير، فلا بُدّ للمستخدمين أن يتبعوا طريقة الاستعمال بشكل حذر ودقيق، حيث لا مجال للخطأ أو المجازفة أو الاستعمال العشوائي.

كاريكاتير أحمد الشكري – هنا ليبيا

عفوا.. المقهى للعائلات فقط!  

في مشهد عابر لمُحبّين في مكان عام، يُحاول صاحب هذا المكان الاعتذار منهما؛ لعدم سماحه لهما بالجلوس فيه، كونهما ليسوا “زوجين شرعيّا” مُبرّرا أنّ هذا الفعل قد يشكل عقبة أمنية وأخلاقية لباب رزقه.

وبينما تحاول العديد من دول العالم، الجهر بمظاهر الحب في محافل ومهرجانات رسميّة وتظاهرات حقوقيّة وترفيهيّة، والعملَ جديّا على نشر ثقافته؛ تذهب ليبيا في الاتجاه المعاكس تماما لذلك؛ بالتضييق على الحبّ، وتشديد الأمن على مظاهره ونشاطاته وعلاماته؛ خيفة أن تشوّه أو تهدم “قيم المجتمع المحافظة“.

بعد بضع ثوانٍ، جاء ردٌّ غير متوقع من الشاب وحبيبته على ردّ صاحب المقهى؛ مُحاججاً إياه: أنّ الجلوس في مكان عام، ليس جريمة أو خطيئة؛ كونهما جزء من هذا المجتمع، ويحقّ لهم كبشر أن يتواصلوا بطريقة طبيعية. وشدّني مطالبته بصوت صدوح:

لا تغلقوا علينا كلّ الطرق، فهذا سيجعلنا نبتكر طرقا للتواصل لا نحبّذها، ولا أنتم بالتأكيد ستحبّذونها

قد لا يتكرّر هكذا مشهد ديمقراطيّ بكواليس سلطوية، مُجددا – فطبيعة الحُبّ لدى غالب الليبيّين تأخذ طابع الجمود مع سطوة تقاليد وسلطة عادات موروثة من الأجيال السابقة – فغالبا ما تكون لقاءات المحبّين محفوفةً بالمخاطر والتوجّس وعدم الارتياح، ففي أيّ لحظةٍ قد يواجه الطرفان مُضايقاتٍ قد تتطوّر إلى اعتداءات.

امرأة تعانق رجلا، واضعة يديها خلف رقبته وفي يدها قلب

المخيف في الأمر أنّ هذه الاعتداءات والمضايقات لا تقتصر فقط على مليشيا متشدّدة، أو قِوى أمن تعطي لنفسها سلطات خارج القانون، ولكنّ المخيف أنّ هذه المضايقات مفتوحة أمام الجميع؛ قد تأتي من شخص مارّ استفزّته مظاهر الحبّ أو عائلة جالسة بقربهما ترى ما يفعلانه خطيئة، أو صاحب المكان بطردهم أو منع تقديم الخدمات لهم، وغيرهم.

بينما هؤلاء، وربّما على بعد خطوات منهم، لا تستفزّهم مظاهر الكراهية المتزايدة في العلن، المفترض أنّه متفقٌ على رفضها، قانونيّا على الأقلّ، من عنف لفظي، وتحرّش وقتل واختطاف، إضافة إلى مظاهر تشوّه مدنيّ بسبب خدمات عامّة تزداد سوء، لا تحرّك فيهم ساكنا!

كلّ هذه التضييقات التي يُمارسها المجتمع، ورسمه أطرا مسبقة وخطوطا عريضة واضحة، لما نسميه بـ(الحب)؛ أدّى إلى تشويهه وضياع مفهومه واختزاله بين شريحة واسعة من الناس؛ خصوصا الشباب اليوم. فمراحل الإعجاب والاستلطاف والمُغازلة سيتم اختصارها في لقاءات عائلية مباشرة كزواج الصالونات أو عابرة كالنظرة الشرعية الخاطفة.

صورة قفلين على هيأة قلب، مفقولين على بعضهما

الحبّ مسجونا

الحب في طابعه متمرّدٌ وجريء، أمّا أصحابه فقد يتشكّلون بعناصر التحفّظ، انفتاحا وانغلاقا؛ وفقا لأعراف المجتمع الأصلية والبديلة ومعايير الحكومات المقيّدة للعلاقات البشرية، من نصوص قانونيّة ودستوريّة، والتي عادة ما تكون غير واضحة، وعامّة، ولن تكون فارقة أو حاسمة.

في ليبيا، وانعكاسا لثقافة المجتمع، تداول كلمة (حب) بين الناس، يأخذ طبيعة حذرة، وسياقات محدودة. فكلماتٌ مثل “أحبّك”، “أحبّها”، “يحبني” و”يحبّ بعضنا البعض” قد يكون تأثيرها سماعيّاً، على الآباء والأمهات صادماً ومُخجِلا في مواقف معينة.

يحدث هذا، رغم أنّ الحبّ بين الفرد وأسرته أمر عاديّ وطبيعيّ؛ فما بالك لو كان إعلان الحبّ لصديق/ة أو حبيب/ة؛ فغالبا ما ستفسّر هذه الكلمات على أنّها (كلام فاضي، قِلّة حياء، قِلّة أدب، قِلّة تربية، حرام، عيب، سخافة، فسق، انحلال إلخ).

لماذا يُلعَن الحبّ المُعلَن؟

خروج الحبّ الي أماكن مُعلَنة قد يكون ملعوناً. سيُحاول الجميع إهمالك ما دمتَ داخل فقاعة الحب المخفية، وما دمت تتّبع تعليمات الاستخدام الحذِرة والواجبات التي عليك فعلها؛ للمحافظة على سرية هذا الفعل “الفاضح”.

إبراز هُويّة (مستخدم الحب) عند بوّابة أمنيّة أو مطعمٍ على شاطئ أو حتى في حديقة هادئة؛ سيكون بمثابة إبراز هويّة إرهابي أو شخص مطلوب للعدالة.

ففي كثير من المواقف، يضطرّ حتى المتزوّجون إبراز ملامحَ وجهٍ عابسة وجديّة؛ لإثبات علاقتهم الزوجية و”الشرعيّة” في أماكن عامّة، أو داخل سيّارتهم، وهذا ما يجعلُ إطارَ الحبّ مقيّدا جدا، رغم “شرعيّته” الدينية والعرفية في هذه الحالة.

النّزاع الداخليّ للمرء، والذي يبُرّر فيه إظهارَ كلّ ما هو بائس وخشن وغير طبيعي، قد تدفعه إلى حالة من فقد العواطف، ونقص الانسجام النفسيّ. 

فالتعوّد على وضعيّة الغضب والكره والبغض هو عاملٌ مُساعدٌ لقيام النّزاعات الجماعيّة، وحالات الاقتتال الدائمة. ولو تمّ رفع غطاء اللوم والتأنيب والتوبيخ عن الحبّ والمحبّين داخل المجتمع، فقد يكون دلك، محاولة جيّدةً لإكساب حقّ الإنسان في الاختيار والإقرار والتعبير.

صورة يدين، لرجل وامرأة، يتشابكان بالخنصر

ومثالا واضحا على ذلك، هناك كثيرون يمتهنون أعمالا غير قانونية، ولا يخجلون منها كونها أخذت قبولا اجتماعيا واضحا، رغم سوئها وضررها على الآخرين، بينما يخجل أصحابُ هذه الأعمال، أنفسهم أو ذووهم أو غيرهم الكثير، من إعلان الحبّ كحالةٍ اجتماعيّة تضيف للحياة رونقاً خاصا وراحة نفسيّة مُستدامة.

في ليبيا، يمكننا القول إنّ هناك توظيفا للكره بشكل جيّد من قبل الأفراد داخل مُجتمعاتهم الصغرى، وهذا ما يجعل المسافة المعرفيّة والفروقات السلبيّة سهلة الخلق والتجدّد. بينما قليلون فقط من يوظّفون الحبّ بشكل فعّال داخل الفضاء العام أو مساحات التجمّع، الحقيقيّة أو الرقميّة.

هذا الفصام، حالة تراكمية لعلّ له علاقة بفوز الكره على الحبّ في كثير من المناسبات التاريخيّة، القديمة والحديثة. فمع ازدياد حالة الاستحياء من المُغازلة والمدح وإبداء التحايا والتقدير للآخرين، في أجواء محبّة ومودّة، ولكن في الوقت ذاته، عدم الخجل كليا من المجاهرة بالكراهية؛ سبابا وشتائم واعتداءات، في مشاهد بطوليّة مُعلنة.

حالة الانفصام المزمنة، هذه، قد تتفاقم الي ما هو أبعد من الحروب الأهلية والأزمات الإنسانية الحاليّة.

اليوم، لا وجود لنظم حقيقيّة أو سياسات متينة، داخل المجتمعات؛ تنظّم حالة الحبّ التي يمرّ بها الإنسان، كحالة متفردة وديناميكية تنبعث منها الكثير من الطاقات الحرّة والسمات الإيجابية؛ إضافةً إلى أنّ الوضع الاستثنائيّ الذي تمرّ به ليبيا اليوم؛ في أمسّ الاحتياج لحالة الحب والود والتقارب.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (3)

  1. الحب ارقى المشاعر الإنسانية وهو قمة المثل فحتى عبادة التوحيد الصحيحة في ديننا الحنيف القائم على العقل والحقيقة قائمة على الحب والعاطفة بكفة تغلب على الخوف لذلك يكون الاطمئنان سيد الموقف

  2. اجمل أنواع الحب هو الذي يكسر حدود الفروق الايديلوجية او السياسية كحب عمر الكاسح الؤيد للنظام السابق مع منى التي كانت مع الثوار في مسلسل دراجنوف فهو يذكرني بمذكرات تروتسكي تشيكي وهو يراسل حبيبته الستالينية التي كانت من شاكلة فؤاد النمري ومطلب العلمي الذين اكلوا راسنا مديحا بسئ الذكر ستالين فكان يقول لها التفاؤل افيون الشعوب يا حبيبتي الخدمات الطبية تفسد بالغباء والترهل الإداري والبيروقراطية السلبية غير النافعة وليعش تروتسكي ياحبيبتي رغم انف أصحاب الجمود العقائدي