كيف من الممكن مواجهة الاتهامات بالتقصير في التربية الموجّه للأم فقط في أغلب الأوقات؟ - Huna Libya
شراكة متكافئة ومتكاملة article comment count is: 12

مفهوم التربية المشتركة بين البيئة الثقافية والقانون الليبي

قد يغيب لدى البعض الوعي الكافي بأهميّة المشاركة في العديد من الجوانب، داخل المؤسّسات الاجتماعية، المُنتمين إليها طوعا أو وجدوا أنفسهم ضمنها دون رغبة أو إدراك. لكن لا يجب أن تغيب أهميّة المشاركة عن بال أيّ إنسان قرّر الزواج وتكوين أسرة إذ أنّ الركيزة الأساسيّة للزواج؛ مبدأ المشاركة في كل شيء.

لكن عادة ما يشوب هذا الوعي بأهمية المشاركة خللٌ في مفهومها وممارستها؛ ما يترتّب عليه تقسيم المهام والمسؤوليات بين الزوجين – وفقاً لمعايير جندرية اجتماعيّة عادة – من دون وجود مهمّة واحدة تجمعهما ويتشاركان في القيام بها.

حتى تلك المهمّات الشاقّة والصعبة، المتعلّقة بأولادهم من تربية واهتمام بهم وبدراستهم، تلك التي تحتاج وقتا ومجهودا ليس في مقدور إنسان واحد توفيره، خاصّة في حال تعدّد الأولاد وتقاربت أعمارهم.

ورغم اختلاف التجارب ووجهات النظر حول مفهوم “التربية المشتركة” بين الشريكين، سنحاول من خلال هذا التقرير طرح ومناقشة هذا المفهوم داخل مجتمعنا ومتابعة بعض التجارب والآراء حولها.

رجل وامرأة واقفان، بينما تمسك المرأة بوكيه ورد - التربية المشتركة

“منك المال ومنها العيال”

يلخّص هذا المثل الشعبيّ الذي يُقال عند التهنئة بالزواج مفهوم الشراكة فيه حسب نظرة المجتمع وعاداته. فالزوج مُطالب بالعمل من أجل توفير الاحتياجات الماديّة للأسرة، ما يعفيه من تحمّل أي مسؤولية أخرى داخل البيت.

وقد يصل الأمر لدى بعض الأزواج الذكور، بالتذمّر من ضجيج أطفالهم وحركتهم المُفرطة متعلّلا بالصعوبات والمجهودات التي يقوم بها في عمله، وكأنّ الزوجة لا تواجه أيّا منها، عندما تقضي كامل يومها في المنزل كربّةٍ له.

قد تعتقد أيها القارئ، أنّ هذا المفهوم لا يتعدّى كونه مفهوما شعبيّا كوّنته عادات مجتمع, بينما هو في الواقع مفهوم يُعزّزه القانون الليبيّ أيضا. فالقانون رقم (10) لسنة 1984 بشأن الأحكام الخاصّة بالزواج والطلاق وآثارهم، ومن خلال المادة الثامنة عشرة ينصّ على أنّه من حقوق الزوج على زوجته:

  • (الإشراف على بيت الزوجية وتنظيم شئونه..
  • حضانة أولادها منه والمحافظة عليهم…)

ما يدفعنا إلى التساؤل: هل الزواج علاقة شراكة أم عقد عمل دون شروط تستلم بموجبه المرأة كلّ المسؤوليات العائلية في إطار “مملكة المرأة بيتها”؟!

امرأة تمسك طفلا، بينما تقدم طعاما إلى رجل

كلّ زوجة هي امرأة عاملة

ترى اسمهان (38 سنة) ربّة منزل متزوّجة منذ 16 عاماً وأمّ لأربعة أطفال، أنّ المرأة التي قرّرت أو طلب منها البقاء في بيتها والتفرّغ لأعماله؛ هي امرأة عاملة توفّر من خلال وظيفتها اليومية احتياجات لازمة ولا تقل أهميّة عن تلك الماديّة منها التي يوفّرها الرجل.

وهي في واقع الأمر لا تمانع من ذلك؛ كونها – حسب تصوّرها – ترى أنّ هذه هي الوظيفة البيولوجية للمرأة. لكنّها لا تمانع في الوقت نفسه بل وتطالب بالمساعدة في تربية الأطفال من مبدأ التربية المشتركة. فبحسب قولها:

“أنا عملي في البيت مستمرّ من صباح (الله خير) إلى آخر الليل، لكن عمل الرجل في الغالب دوام نصف نهار، فبدلا من الخروج مع أصدقائه أو متابعة مباراة كرة قدم بعد عودته من عمله؛ أرى أنّ عليه متابعة دراسة أبنائه والمساعدة في تجهيزهم من أجل الخلود للنوم أو البقاء معهم في حال خروجي لمناسبة اجتماعية، لأنّهم في النهاية ليسوا أبنائي وحدي”

وعن تجربتها لا تنكر اسمهان أنّ زوجها مُتعاون معها في هذه الأشغال من دون أن تزعجه آراء المجتمع، بما فيهم أفراد من العائلة والأصدقاء، لكن لا تخفي خيبتها قائلة:

” لأنّ البيئة التي نعيش فيها ترى أن تلك الأشغال التي ذكرتها وأضيف عليها تغيير ملابس الطفل الرضيع والسهر معه وإطعامه ليست لائقة بالرجل، أجد زوجي في بعض الأحيان، يعتبر قيامه بها مساعدة إضافية وتكرّما منه فهو لا يتعامل معها كأنها واجب وحق من حقوق طفله عليه”

الزوج يلعب بألعاب الفيديو، بينما الزوجة تدرّس ابنتهما

صوت وحيد مع غياب المؤسسات التربوية

يعتقد ط.ش (45سنة) – متزوج منذ 13 عاما، وأب لأربعة أطفال – أنّ أهم فاعل في ظروف تنشئة الطفل يرتبط بالبيئة الثقافية المحيطة بمجتمع الطفل والتي تؤثّر بشكل سلبيّ أو إيجابي بممارسات الأب والأم تجاه الطفل.

يقول موضحاً: “إن التربية في بعض المجتمعات المتواضعة ثقافيا والمفتقرة لوجود المؤسّسات التربوية، تتأسّس على فعل التوجيه والتعلم عبر ما اكتسبه أو ورثه الوالدان من جيل لآخر، بصرف النظر عن صحته من عدمه”

فيتضح لدينا أنّه من خلال تأسّسها بهذا الشكل سترتبط معايير التوجيه بالعادات والتقاليد والأعراف السائدة في تلك المجتمعات، من هنا تتوزّع أحيانا الأدوار التربوية، كما يرى:

“فالأب في المجتمع الذكوري يضطلع بمسؤولياته الكبرى كما يصوّرها له المجتمع، والأم تنفرد بأدوارها داخل المنزل، الأمر الذي لا يؤكّد على وجود عمل مشترك بقدر ما يعني وجود أدوار تكاملية، الفارق هنا يتمثل في أن التكامل يعني وجود صوت وحيد قد يكون نتاج ثقافة المجتمع”

الزوج والزوجة يتجادلان، وبينهما ابنتهما حاملة كراسة وقلما

“ضريبة حرية المرأة راحتها”

لا تتقلّص الواجبات المطلوبة من المرأة اتجاه بيتها وأسرتها في حال خروجها إلى العمل، سواء لتحقيق ذاتها ومتابعة طموحها أو للمشاركة في رفع الدخل المادّي للعائلة، ولا يُمكن للمرأة التقصير فيها ما يعني أنّ عليها القيام بها في وقت ضيّق قد لا تمتلكه في أغلب الأيام.

هذا ما وضحته رحاب شنيب (46 سنة) كاتبة متزوّجة منذ 17 عاماً وأم لثلاثة أولاد، خلال محاورتنا لها، وتعقّب عليه:

“الغالبيّة يعتبرون أنّ خروج المرأة للعمل رفاهية ويشبّهونه كخروجها في نزهة، فإذا اشتكت من هذا الكمّ من المسؤوليات تتم مطالبتها بترك العمل.”

كما تعتبر رحاب أنّ هذه الفكرة السائدة تمّ توطيدها ليس من جانب الرجل فقط، بل المرأة أيضا. ففي حين نجد بعض المحاولات ولو كانت بسيطة التي تحاول تغيير هذه الفكرة؛ نجد أن المرأة نفسها وبممارسات بعض النساء ترسخ هذه الفكرة من خلال تربية أولادها أو حتى اندماجها في الاقتناع بأن أفضل النساء هي المرأة النشطة والقادرة على تلبية طلبات كل عائلتها دون كلل.

وعندما سألناها عن تجربتها، وإذا ما كانت تعتقد أنّه من الممكن تربية أولادها على أسس المشاركة منذ الصغر لتطبيق المثل الشعبي (راجلك على ما تعوّديه وولدك على ما تربّيه) تُجيب:

“هذا ما أحاول فعله فأنا لا أمارس التمييز بين ابنتي وأخيها فلكلّ منهما أعمال يساعداني فيها داخل المنزل، ولا أفرّق بينهما فيها إلا عمرياً”

وكما كان متوقّعا، فإن الأمر ليس بهذه السهولة، فحتى من جانب التعليم تقول رحاب لا زالت المناهج التعليمية تلعب في ترسيخ الأدوار النمطية وبعيدة عن مفهوم التربية المشتركة:

“أتذكر أن ابني أخبرني حين ناقش معلمته في وظائف المرأة والرجل والتي طلبت منهم أن يكتبوا أنّ الرجل طبيب وتاجر وغيرها بينما المرأة تطبخ وتنظف، قائلا: أنا ندافع عن حق المرأة والمعلمة لم تفهمني”. هذا ما يجعل “رحاب” تعتقد أنّ حتى المحاولات الفردية تواجه صعوبة بسبب غياب الوعي.

الزوجة تعمل، وتدرّس ابنتها، وترعى طفلها الثاني - التربية المشتركة

خاتمة

مع سيادة البيئة الثقافية ومخرجاتها على القانون، في ظل انعدام موجة توعوية تهدم المفاهيم المغلوطة، وغياب مؤسّسات تربوية تبني وتؤسّس للمفاهيم الصائبة في التربية المشتركة قاعدة ترتكز عليها، نجد أنه من غير الممكن مواجهة الاتهامات بالتقصير في التربية واللوم الناتج عنها الموجّه للأم فقط في أغلب الأوقات. ومن غير اللائق أيضا، الطلب من الأب تحمل جزء منها في هذا الجانب، إذا كان وبكل أسف المفهوم السائد لا يحمله إلا مسؤولية مادية.

ولكن تظلّ المحاولات الفردية رغم ضعفها أمام كل ما سبق خيارا منطقيا وواجبا على كلّ من يستطيع تطبيقها.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (12)

  1. أحيانا العزوبية نعمة كبيرة في بعض الظروف ونعمة يكون الانسان مغبون بها حينما يكون اعزبا ويدعو الله ان يديم عليه تلك النعمة ويحفظها من الزوال فلكل ظرف ووضع خصوصية

    1. الزواج سنة ربانية تترجم علاقة رسمية الرجل بالمراءة ، هي مشاركة في المشاعر والعمل داخل البيت او الحجرة التي تجمعهم ربما المجتمع والظروف لهم بصمة ع تنظيم سير العلاقة ولكن يجب التفاهم لايجاد حلول تناسب كلا الطرفين .. وفق الله الجميع لما فيه خير لهم

  2. الزواج في ظروف غير طبيعية كمن يبدل اوثان لاتضر ولاتنفع بنظرة توحيدية مشوهة وذهانية عصابية بدلا من توحيد نقي طبيعي يبعث على الاطمئنان والأمان وإزالة المصائب في الدنيا قبل الاخرة

  3. العزوبية اختي الفاضلة نعمة هي كاوثان طيبة لاتضر ولاتنفع فقد يكون التعبير المجازي للشهيد ناهض حتر في غربته في لبنان فترة التسعينات ويوم السابع من شباط 1999 توفي جلالة الملك حسين رحمه الله فذكر في كتابه الملك حسين بقلم يساري اردني ذكر في كتابه حينما كان في غربته في لبنان انه كان حزينا في ذلك اليوم فقال بتعبير مجازي وليس حقيقي يا ايتها الالهة الطيبة تايكي ويا معبودة زيوس ومعبودة فيلادلفيا ويا حارسة عمان احرسي الأردن من الشر فيرد الصدى من سماء البحر المتوسط على شاطئ غربته في لبنان بقوة البقاء للاردن قد يكون اختي الفاضلة هذا التعبير المجازي رغم انه معروف لدى الكاتب لن يرد بلاء ولن يأتي بعقاب أيضا ولكنه تعبير جميل ورومانسي اكثر من توحيد مشوه لمعتوه في فيلم يهودي اسمه الضيوف يصلح لمستشفى قرقارش يقول حينما هجرته زوجته سارة بطريقة معتوهة ذهانية ماذا فعلت لاستحق غضبك يارب وتلك هو الزواج اختي الفاضلة في بعض الظروف غير المريحة ارجو ان تكون وصلت رسالتي اختي الفاضلة والغالية نعمة وميت وردي الك وربي يحفظك

  4. أرى أن المسؤلية تكاملية وتكافلية بين الزوج والزوجة في تربية الاطفال وتعليمهم
    مع ملاحظة منع الزوجة من العمل ويتكفل المجتمع في المتمثل في شخص الدولة أن يضمن مرتبا معقولا لكل زوجة تعين به زوجها على الحياة والعيش بكرامة ويوفر للزوجة متطلباتها الخاصة

  5. الأب ليس مجرد صندوق مالي يحصل من خلاله الأبناء على الأموال اللازمة لشراء احتياجاتهم ومتطلباتهم المعيشية فالرجل لايقتصر دوره على توفير النفقات فقط ، وإنما يظل هو القدوة والنموذج الذي يحتذى في البيت والحياة عموماً، لذلك فهو له دور كبير في تنشئة وتوجيه الأبناء وإرشادهم، خاصة في مراحل حياتهم الأولى، ومثلما هي عاطفة الأمومة مهمة وأساسية في حياة الصغار، كذلك عاطفة الأبوة ضرورية أيضاً وإن اختلفت طبيعة العاطفة بين الطرفين الأب والأم بحكم التكوين الجسدي والنفسي للرجل الذي غالباً مايكون عقلانياً في التعامل مع أبنائه أكثر من المرأة التي تسيطر عليها العاطفة….صحيح كتجربة شخصيه انا اترك مهمة تدريس الابناء من وهم صغار حتى ان البعض منهم فى المرحلة الجامعية الان ليس هذا الشئ من عدم الاهتمام بابنائى ابداا انا ارى ان امهم هى الاقدر بهذه المهمة رغم انها تعمل فى وظيفة دوامها الى الساعة الواجدة ظهراا وبالاضافة الى عملها المنزلى الا انى ارى ان النساء فى هذا المجال لديهن قدرة تحمل انا اجلس معهم بعد ماينتهون من دراستهم كجانب ترفيهى ولا اشعرهم انى موجود فى البيت واهتم بهم انا ااكد ان المسئولية لابد ان تكون مشتركه الا اننا تعودنا فى مجتمعنا ان توكل هذه المهمة للزوجات

    ومايشاع من أن تربية الأبناء تقع على عاتق الأم فقط، اعتقاد خاطئ، فالمسؤولية مشتركة بين الزوجين، وتربية الأبناء ليست مهمة الأمهات، فحضور الآباء مهم جداً في حياة أبنائهم من النواحي كافة، خاصة فيما يتعلق بتنشئتهم الاجتماعية.

  6. أرى أن التربيه المشتركه ثقافه لابد أن تُغرس في مجتمعنا لنرتقي بنواة المجتمع والمؤسسه التربويه الأولى ،فمن الظلم ان تكون الأدوار تكامليه ؛وذلك وفقا لأحتياجات المرأه وقدرة الرجل وبنظوماتهِما البيولوجيه ومطالب تنشئة الأطفال البديهيه ،فعند تطبيق المثل “منك المال ومنها العيال” وتولي المرأه تنشئة الأطفال أخلاقيا ونفسيا واجتماعيا وما إلى ذلك وتولي الرجل توفير المال لتغذيتهم وكسوتهم فقط ! هنا يكمن ظلم المرأه واحتياجات الطفل فالطفل هنا يتم تنشئتهُ بثقافة الأدوار التكاملية والتي هيا ثقافه خاطئه تدل على مفاهيم غير صحيحه لدى الوالدين وحتما إذا توفرت هذه المفاهيم لدى الوالدين يعني ذلك توفر عدد اكبر من المفاهيم الخاطئة التي يتم بها تنشئة خلايا المجتمع .

  7. فعلا أعجبني رد.السيدة رحاب حيث انه اذا كانت الاسرة تقوم علي اسس وقعواد انه لاتميز بين ذكر وانثي فأن المعتقدات والأفكار والثقافة السائدة في مجتمعنا الليبي لاتقوم علي ذلك فيهيا تقوم علي اساس مرسوخ في اغلبية الشعب انه للمرأة حقوق عيب او عار ان يقوم به الرجل ومن هنا جاء عيب كذلك النص القانوني رقم 10 لسنة 1984 بشأن الزواج والصلاق وأثارهما في الفقرة 18 ، هنا هو صحيح ان الأب هوا من عليه توفير الإحتاجات اامادية ولاكن عليه ان يشعر ابنائه بحبه اوحتكاكه بهم ولا يجعل مسافات بينهم او لايطقل علي كاهل الزوجة كل الالتزامات المنزلية او يحترم وضيفتها