التربية المشتركة بين الوالدين عملية متكاملة لا يمكن الاستغناء عن أحد الأطراف فيها - Huna Libya
التربية المشتركة article comment count is: 4

التربية مسؤولية الوالدين معا، والطفل لا تربيه أمه فقط

من المرجّح أنّ تفويض المهام وتوزيع المسؤوليات عند الإنسان القديم كانت تخضع لمعايير مادية وجسمانية، يتولّى على إثرها كلّ فرد من أفراد العائلة مهامه.

أما الآن، وعلى الرغم من تطوّر الحياة وتنوّع متطلّباتها ووجود التسهيلات لتحقيقها، فلا زالت بعض المجتمعات، متأثرة بنمط إنسان الغاب في معيشتها. فكلّ ما على الرجل فعله هو توفير المصاريف لتلبية احتياجات أبنائه دون المساهمة الفعلية في تنشئتهم وبناء شخصياتهم، لأنّ المرأة هي المُلزمة بذلك على حدّ زعمهم، ووفقا للعادات والتقاليد السائدة.

أم تجلس مع ابنتها التي ترسم - التربية

كما أنّ للمجتمع الاستهلاكيّ دورٌ في تنميط الأدوار على هذا الشكل، فلكي يوفّر الأب مستلزمات أطفاله يضطرّ مُكرهاً أو مخيّرا أن يتنازل عن الجانب العاطفيّ في تربيتهم، تاركا هذا الأمر للأم بذريعة الأمومة والفطرة الحميمة والعاطفة على الأبناء.

لكن ما يجهله معظم الآباء في هذه الطريقة، هو أثر غياب أحد الوالدين على الطفل أو نشوب المشاكل بينهما، في خلق فجوة يصعب تقليصها على المدى القريب والبعيد.

ابتداءً من قصور في التطوّر النفسي وخلل سلوكي وذهني يؤثر على التحصيل العلمي للأطفال، مروراً بعدم القدرة على تكوين هُويّة خاصّة به وصعوبة الاندماج في الحياة الاجتماعية بشكل طبيعي، وصعوبة في الانفتاح والتعبير عمّا يُراوده لانعدام إحساسه بالأمان، انتهاءً باضطرابات نفسيّة في سنّ متأخرة.

ابنة تتوجه نحو أبيها فاتحة ذراعيها لاحتضانه

هذه الاضطرابات النفسيّة، تفضي بدورها إلى مشاكل صحية جمّة، كما تشير بعض الدراسات إلى أنّ غياب دور أحد الوالدين يؤثّر على السلوك الجنسي للأطفال. ما يؤكّد اعتقاد يوهان هربارت الفيلسوف وعالم النفس الألماني بأﻥَّ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﺘﺮﺑﻴﺔ ﻫﻮ: “ﻋﻠﻢ ﻳﻬﺪﻑ ﺇﻟﻰ ﺗﻜﻮﻳﻦ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺫﺍﺗﻪ، ﻭﺑﺄﻥ ﺗﻮﻗﻆ ﻓﻴﻪ ﻣﻴﻮﻟﻪ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﺓ.

يقول المدرّب والمرشد النفسي مراد حبايبه في لقاء صحفي:

“الطفل يحتاج لكي ينمو ويتطوّر بشكل صحيّ، إلى الشراكة بين الوالدين في رعايته والعناية به، وبالرغم من أنّ دور الحمل والإرضاع منوط بالأم من ناحية طبيعية وبيولوجية، فإن بقية أدوار العناية والتنشئة تقع على عاتق الأب والأم معا، وهذه أدوار يجب أن يسهم فيها الأب من أجل تطوّر فكري وعاطفي واجتماعي وسلوكي شامل ومتّزن للطفل”

من الواضح أنّ ما يمنحه الأب لأبنائه مختلف عمّا تمنحه الأم، وهذا لا يجعل دور أيّ منهما أقلّ أهمية من الآخر، بل أن أدوارهما مكمّلة لبعضها البعض، ولا يجوز الاستغناء عن أي منها.

ابنة تجلس بين يدي أبيها وهو يقرأ لها

فوجود كلا الوالدين في حياة الطفل بشكل متساوٍ وكافٍ يمنحه خيارات متعدّدة، زاخرة ومتنوّعة؛ لصقل شخصيّته باكتساب بعض الصفات من كلٍّ منهما، مُكوّناً هُويّته المتفرّدة والجاهزة للخوض في تجارب الحياة ومشاهدها المتنوعة. لذا فالأمومة والعاطفة الفيّاضة ليست حجّة قوية ليتمّ بها إثقال كاهل الأم بجلّ المسؤوليات إلّم يكن كلّها.

كما أنّه من الضروري السعي إلى كسر إطار هذه الصورة النمطيّة في المجتمع التي تقضي بتكليف الأم أغلب المسؤوليّة وضرورة تضحيتها بحياتها العلمية، العملية والاجتماعية فضلاً عن زوجها.

لأن عدم تنشئة شخصية الأم على أساس صحيح، أي التعليم والكفاءة الإنتاجية والعلاقات الاجتماعية الصحية؛ ستؤثّر بدورها على تنشئتها لأبنائها؛ خصوصاً أنّ دورها يكون ذا أثر غائر أكثر من دور الأب في السنوات الأولى للطفل، وهي السنوات الحسّاسة والمهمّة لبناء قواعد سليمة لتربيته وتطويره.

لذا فتقدير المرأة ومكافأتها على جهودها الجبّارة، ليست طريقة فعّالة لمعالجة الأمور واستقامتها، بل وسيلة استنزاف قد ينتج عن إثرها موجاتٌ من الغضب والتوتر والانهيار، وأخيراً جيلٌ اتّكاليٌّ يفتقر إلى أبسط مركّبات الشخصية القويمة.

إن أهداف التربية تطوّرت على مدى العصور بتطوّر البشريّة، وتغيّر احتياجات الحياة اليومية، فلم يبقَ الهدف من التربية المحافظة على النسل فقط، كما كان عند مرحلة إنسان الغاب؛ بل تشعّبت الأهداف إلى بناء جيل متكامل فكريا، عاطفيا، قوميا وجسديا حتى. يقول ديفيد دوركايم الفيلسوف الفرنسي وعالم الاجتماع إنّ: “التربية هي ﺗﻜﻮﻳﻦ ﺍﻷﻓﺮﺍﺩ ﺗﻜﻮﻳﻨﺎً ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺎً.

إذا فالتربية المشتركة بين الأب والأم عملية متكاملة لا يمكن الاستغناء عن أحد الأطراف فيها ومَهمّة حتمية للارتقاء بالجنس البشري على جميع الأصعدة.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (4)

  1. اختي الفاضلة ايناس على الوالدين تنمية روح القراءة لدى ابنهم والبحث عن الحقيقة والعلم والوعي من كل الجوانب ومن كل بحور الحقيقة والحكمة كما فمن اوتي الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا