"إيّاك أن تتساهلي مع تعنيف زوجك لك، مهما كان نوع التعنيف، ومهما كانت المبرّرات المُختلقة - Huna Libya
أنا اليوم ناجية ولست ضحيّة article comment count is: 1

من الاكتئاب إلى تحقيق الذات، ناجية من العنف الأسري تحكي قصّتها

العنف الأسري في ليبيا، قضيّة شائكة، تعتريه العديد من الحساسيّات الدينيّة والحسابات الاجتماعيّة.

كما أنّ للعنف آثارا عميقة في الفرد المعنَّف، تصل إلى أعماقه وتؤثر على شخصيّته ونفسيّته، بدرجة وآليّة قد تجهلها الضحيّة نفسها، وتعجز عن تجاوزها؛ ولكنّ المجتمع لا يزال يغضّ الطرف عن القضيّة، متجنّبا الخوض فيها أو متحدّثا عنها باستحياء. حتى الضحايا و الناجون، تراهم يبتعدون عن الأضواء، إمّا يُعانون في صمت أو يشتكون في سريّة تامّة.

ورغم كلّ ذلك، هناك نساء قويّات مُلهمات، لم يستطعن فقط كسر حاجز الصمت والحديث عن تجربتهنّ بكل شجاعة؛ بل أيضا استطعنَ تجاوز المحنة، والقطيعة معها، والتحلّي بالشجاعة الكافية لطلب المساعدة سواء من المقرّبين أو المختصّين. وإليكم إحدى هذه القويّات تروي قصّتها.

صورة امرأة على وجها آثار ضرب، وهناك يد فوق فمها -

“لا زواج قبل النضوج الكامل، الجسدي والفكري”

نجاة (اسم مستعار) 27 عاما، مهندسة مدنيّة، عندما بلغتْ 22 عاما، ولأوّل طارق وطالب؛ زوّجها أهلها. تقول (نجاة) عن ذلك:

من الخطأ تزويج البنات في سنّ صغير، حتى دون 25 عاما. الزواج ليس بالأمر السهل، هو قرار مهمّ يجب أن يُتّخذَ بعناية ودراسة. أعترف أنّ خياري كان خاطئا، وكنتُ في سنّ غير ناضجة، كما أنّ تصوّراتي عن الزواج كانت تصوّرات ورديّة غير واقعية إطلاقا“.

تسكت (نجاة) قليلا، ثمّ تسترسل، وهي في غاية الهدوء، حديثها:

“قد يكون رأيي غير مقبول للكثيرين، ولكنّي أنصح الراغبات في الزواج أن يتعرّفن على من يخطبهنّ جيّدا. هناك تساهل من الفتيات والأهل في اختيار الزوج، خصوصا والضغوطات التي يضعها المجتمع على غير المتزوّجة. وأيضا، للأسف، نظرة الفتاة العزباء للزواج على أنّه هدف مصيري خلقت لأجله، ويجعلها تقدّم التنازلات، وتستعجل الزواج ظنا بأنّه الحلّ”.

في ذهن (نجاة) أفكارٌ كثيرة، بدأت في التعبير عنها باستفاضة. ولكنّي شعرتُ وكآنّها تحاول الهروب من الموضوع الرئيس الذي التقيناها من أجله، فعاجلتُها بسؤال مباشر عن قصّتها مع زوجها، وهو الآن طليقها. فقالت بعد سكوت:

“لا أحبّ الحديث عن قصّتي كثيرا. وأحاول أن أطوي تلك الصفحات السوداء من حياتي. وليتني أستطيع حذف الذكريات المؤلمة التي عشتها، من ذاكرتي تماما، والتي لا زلتُ أتذكّر أدقّ تفاصيلها للأسف. لكنّي أحاول أن أتحدّث أملا في أن يستفيد غيري من أخطائي“.

“لم تدم فترة خطوبتنا كثيرا، إذ سُرعان ما تزّوجنا. منذ الأيّام الأولى لزواجنا، اكتشفتُ أنّ طباعنا وأفكارنا واهتماماتنا مختلفة. لكن الشيء الأبرز الذي كان يضايقني ويُبكيني دائما، هي عصبيّته ومزاجيّته. وعدم وجود حوار بيننا أو نقاش، كان يقول لي باستمرار (اعتبري كلامي قرآن واللي نقولك عليه ديريه بالحرف) تخيّل!. لقد كان التفاهم غائبا تماما بيننا، وكنتُ كأيّ قطعة أثاث في المنزل لا قيمة لها ولا أهميّة لرأيها ولا مراعاة لمشاعرها

“كان ينتقدني دائما، ويقلّل من قدري، بسبب أو دون سبب. فأنا لا أطبخ مثل طبخ أمه، ولا ألبس مثل لباس أهله، وأحيانا لأسباب غريبة مثل أنّ طريقة تنسيقي للمنزل (وضمّي للحوش) ليست كما تعوّد عليها!”.

فتاة (نجاة) جالسة على الشاطئ تنظر إلى البحر

التساهل مع العنف أول مرة، يعني كل مرة

توقّفتْ (نجاة) عن الاسترسال في سرد قصّتها، ولم أشأ أن أقاطع صمتها، وبينما كنتُ أفكّر في طريقة للتخفيف عنها وربّما حتى إيقاف الحوار أو تأجيله؛ بادرتني قائلة:

منذ الأسبوع الثالث لزواجنا، وأنا لا زلتُ عروسا، تعرّضتُ للضرب، لأنّ طبخي لم يعجبه. كان ضربه مبرّحا ومفاجئا، وكأنّه يضرب في وسادة أمامه. بقيتُ أشهرا مصدومة وخائفة منه. كنتُ أرتعش كلّ لحظة أسمع فيها صوته، وأعيش في حالة خوف دائم منذ لحظة دخوله المنزل وحتى خروجه. كان النقاش معه، في أبسط شيء يعني تعنيفي إما بالسبّ والشتم أو بالضرب”

خطأي الكبير، وهو نصيحة أرجو أن تتعلّمه منّي كلّ فتاة متزوجة أو مقبلة علي الزوج؛ ألا تتساهلي مع تعنيف زوجك لك، مهما كان نوع التعنيف، ومهما كانت المبرّرات المُختلقة، وعليك إخبار أحد أفراد أهلك ممّن تثقين في حكمه بالأمر. لا تسكتي، فالذي يعنِّف مرّة يعنّف ألف مرّة، لآنّه وحش لا رادع له؛ وإلا لما فعل من الأساس”.

تقول (نجاة) إنّ خطأها الأكبر، أنّها لم تخبر أهلها بظلم زوجها لها منذ البداية. لقد كانت “تتحشم” أن تخبرهم بذلك، خصوصا وهي لا تزال عروسا. كما أنّها كانت تحاول إقناع نفسها، أنّ هذه الخِلافات طبيعيّة ولا بدّ منها في بداية أيّ زواج. أو هكذا قيل لها. أمّا عن طبيعة حياتها في سنوات عيشها مع زوجها السابق، فتقول:

“لقد كنتُ أشعر بالقهر طيلة فترة زواجي. لقد كانت زيارتي لأهلي من المحرّمات. ضربني مرّة لأنّي ألححتُ عليه في زيارة أهلي. لم يكن يُعاملني كإنسانة لها كيان مستقلّ، لقد كان يُغلق عليّ المنزل بالمفتاح، ولا يترك لي نسخة منه؛ بحيث لا أحد يستطيع زيارتي في غيابه فأفتح له الباب؛ كعائلتي. كان الهاتف ممنوعا عليّ وبالطبع الإنترنت، لقد كنتُ سجينة معزولة عن العالم الخارجيّ”

“كان أملي الأخير في إيقاف مسلسل التعنيف المستمر، هي أمّه. وقرّرتُ أن أخبرها بكلّ شيء، ومن المؤكّد أنّها ستتفهّمني، أو على الأقل تنصح ولدها وتردعه عن أفعاله، ولكنّي صُدمتُ بردّة فعل أمّه عندما شكوته لها. قالت لي: (ادعيله إن شاء الله ربي يهديه، والمراه المقوّمة اللي تبي حوشها تسكت وتتحمّل، وهوّا طبعه صعب وما عندك ما ديري)”

نجاة تجلس على الأحجار، بشاطئ البحر - عنف الزوج

بعدما طفح الكيل

كلّما استرسلت (نجاة) في سرد قصّتها؛ كلما خَفَتَ صوتها، وتقطّع كلامها. وكأنّها تستحضر بعض المشاهد المؤلمة. لذلك لم أرغب في الاستفسار أكثر عن طبيعة حياتها مع زوجها السابق، بالقدر الذي شدّني الفضول لأعرف كيف انتهت كل هذه المعاناة، والتنازلات والمرارة. ضحكت (نجاة) ضحكة خفيفة، وقالت:

“المضحك المُبكي، أنّه هو من عجّل بإنهاء كلّ شيء. هذا هو الشّيء الوحيد الجيّد الذي فعله بعد خطأي من زواجي منه. رغم أنّ الطريقة لم تكن مؤدبة ولا مثاليّة”

“عندما صدمني كلام أمّه، وعدم مبالاتها، ولم أعد أتحمّل إساءاته لي، قرّرتُ أخيرا أن أخبر أهلي بكلّ شيء. لقد كنتُ وقتها على فراشي مدّة يومين بعدما ضربني ضربا شديدا لأنّي شكوت إلى أمّه قسوته وغلظته. لم يكن لي هاتف نقال حتى أكلّم أهلي، لقد كنتُ كما قلتُ لك، معزولة عن العالم الخارجي. أخذتُ نقّاله هو خِلسة، واتّصلتُ بأهلي وأخبرتهم بالتفاصيل. جاء أهلي بسرعة إلى البيت، وحاولوا التفاهم معه، إلا أنّه وبكل بساطة قام بطرهم وطردي معهم دون حياء

“لقد كان ذلك نهاية علاقتي به، كزوجة، ولكن قصّة حصولي على أوراق الطلاق بعد أكثر من عام، وابتزازه لي بالتنازل عن حقوقي القانونية والشرعية من أجل ورقة الطلاق، فتلك قصة أخرى”

فتاة (نجاة) على الشاطئ وهي تضع رجلا على الأخرى

أنا لستُ ضحيّة بعد الآن، أنا ناجية

(نجاة) على إطلاع كامل باستعمالات مصطلحيْ ضحيّة Victim وناجية Survivor. ترفض تسمية ضحيّة، وتقول أنّها الآن بعد دعم المقرّبين منها ورؤية المختصّين، ناجية لا ضحيّة. ولكنّها لا تزال تتذكر آثار عنف زوجها عليها والتي تركت ندبات جسدية ونفسية لا تزال موجودة حتى اليوم. تقول:

“أنا بلا شكّ ضحيّة عنف الزوج ولا تزال آثار بعض كدمات ضربه باقية حتي اليوم على جسدي، رغم مرور قرابة 4 سنوات على فراقي له وطلاقي. إضافة إلى كدمات غير مرئيّة جعلتني ضحيّة اكتئاب حادّ عانيتُ منه سنوات. لقد كان أسرتي وأصدقائي وعملي هم مثلث نجاتي من معاناتي”

“في البداية لم يتفّهم أهلي حاجتي إلى العمل خصوصا وهم عائلة محافظة، ولأني لا أحتاج إلى المال. ولكنّي قمتُ بالمستحيل لأقنعهم بأنّ العمل ليس فقط من أجل المردود المادي، العمل شيء مهمّ لتحقيق الذات والشعور بأنك تقوم بشيء إيجابي في هذا العالم، والشعور بالاستقلال وهذا مهمّ خصوصا لمن عاش مثلي في سجن، بعيدا عن كل شيء قرابة عامين”.

ثمّ تختم (نجاة) حديثها معنا، بهذه النصيحة الثمينة:

“ليس عيبا ولا خطأ رؤية طبيب أو معالج نفسي؛ بل بالعكس، هذا أمر مطلوب وضروري لتجاوز المحنة. إياكم والاستهانة بأثر العنف على نفوسكم وحياتكم خصوصا العنف الأسري. فكلنا يحتاج علاجا نفسيا مختصا”

 

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)

  1. الغلطة الخطوبة القصيرة وعذم السوال علي العريس مرة واثنين وثلاثة لانه زواج مش شراء بيت أو سيارة والغلطة الثانية المفروض من اول ضربة تكلم اهلها مش تسكت عروس أو مش عروس وهي مش حيوانية أو مجرمة باش يحبسها في الحوش ويسكر عليها باالمفتاح ويمنع عليها التليفون وهي مشكلتها خطفها انها عروس وخوفها من كلام الناس تقول عروس خرجت أو انصرفت ومجتمعنا الليبي يحط اللوم علي العروس مش العريس حتي لو هو الغالب انا ضذ زواج البنت المبكر ومع أن البنت وتخرج وتشتغل ومش اي عريس يجي نرمو بنتنا ليه كأنها هم وارتحنا منه لا اولانسال عليه كويس ونطول من فترة الخطوبة وكذلك نخليه يعرف لو وجعها حتي بكلمة في أهل يأخذوا حقها الحمذ لله انها ماحملت منه وحابت طفل هل المتخلف