مقالات

العمل المدني … ليس طريقا ممهدا بالورود

على الرغم من الدور المهم الذي تلعبه مؤسسات المجتمع المدني في تعزيز القيم والمبادئ التي ترسخ الحقوق والحريات وتشجع تقديم المساعدة، إلا أنها تواجه تحديات عدة أمنية وقانونية ومجتمعية، ما يؤثر سلبا على عملها وقدرتها على العطاء والاستمرار.

بسمة الورفلي رئيسة منظمة “مراس للتنمية” وهي واحدة من بين مئات العاملين في النشاط المدني ممن لم توقفهم العراقيل والمصاعب عن ممارسة نشاطها المدني، بل دفعتها على العمل والتركيز على الفئات الأكثر ضعفا وتضررا من الأحداث والنزاعات التي تشهدها ليبيا كالنساء والفتيات.

حيث استهدفت منظمة مراس للتنمية أكثر من 6000 أمرأه وفتاة من داخل مدينة بنغازي وخارجها في مشروعاتها وتدريباتها وندواتها المختلفة، والتي تهدف لتعزيز وجود المرأة ومكانتها في الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

تقول بسمة “تواجه مراس مثل باقي منظمات المجتمع المدني تحديات وعراقيل تحد من عملها، منها التحديات القانونية والتي تتمحور في عدم التوافق على تشريع ينظم عمل المجتمع المدني ومؤسساته.

فراغ قانوني

وعلى الرغم من وضع لوائح تنفيذية داخلية لتنظيم عمل هذه المؤسسات، إلا أن الفراغ القانوني أثر على عمل المجتمع المدني في قدرته على تنفيذ برامجه ومشروعاته المختلفة، كما حرم هذه المؤسسات من حقوق كفلها لها الدستور.

ففي 13 مارس 2023، أصدر مدير إدارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي بديوان رئاسة الوزراء لحكومة الوحدة الوطنية في ليبيا تعميما بسحب تراخيص جميع المنظمات غير الحكومية التي أنشئت منذ عام 2011. مما يجعل جميع منظمات المجتمع المدني غير قانونية، ويعني في النهاية إغلاق مجال العمل المدني بالكامل في ليبيا.

تأسست مفوضية المجتمع المدني في ليبيا في عام 2012، وهي هيئة غير حكومية مسؤولة عن تمثيل ودعم الجمعيات والمؤسسات غير الربحية والمنظمات ذات الصلة بالمجتمع المدني، بهدف تعزيز دور المجتمع المدني في الحوار الوطني والعملية الديمقراطية، وتوفير الدعم الفني والتقني والمالي لتنمية وتعزيز قدرات هذه المؤسسات.

من جهة أخرى تسببت الصراعات المختلفة والانقسام السياسي الحاصل في فقدان الثقة بين المجتمع المدني ومؤسسات الدولة الشرطية والأمنية وإداراتها المختلفة.

تحديات أمنية

كما تؤثر التحديات الأمنية على ممارسة المجتمع المدني لعمله بحرية، فغالبا ما يتعرض النشطاء والمدافعون عن حقوق الإنسان للتهديد والاعتداء، ويؤثر ذلك بشكل كبير على قدرتهم على إنجاز أعمالهم.

وعلى الرغم من الصورة الذهنية المشوشة عن المجتمع المدني لدى الكثير من المواطنين والعنف الذي تتعرض له باستمرار والترويج لكون المنظمات المدنية عملاء لأجندات خارجية، إلا أنها استطاعت أن تساهم في مساعدة المجتمع.

يخبرنا أدهم وعمره 21 عاما أنه تطوع في عدد من المنظمات المدنية منها المهتمة بالبيئة ومنظمات أخرى ثقافية، وعن تجربته يقول “تعلمت من مشاركتي في الأنشطة التطوعية أن جهدي مهما كان بسيطا فإنه يساهم في مساهدة الآخرين، كما أني صرت أنضج وأكثر جرأة وقدرة على تكوين الصداقات”.

فيما يجد يوسف وعمره 27 عاما أنه لا يشترك كثيرا في العمل المدني لحاجته للعمل بمقابل بدل التطوع لتوفير دخل يعيله ويضمن له مستقبله، كما أن عائلته لا تشجعه على هذا كونه عمل مجاني.

قيم مجتمعية

أظهرت نتائج المسح الشامل العالمي للقيم لآراء الليبيين والذي تم نشره عام 2015، أن القيم المتعلقة بالعمل المدني للأسف سلبية مشيرة لعزوف أغلبية ساحقة من الليبيين عن الانضمام لأي منظمات تطوعية أو مدنية أو إغاثية، أو رياضية أو ترفيهي وتصل نسبة من لا يرغبون في المشاركة إلى 81 %.

وفي تفصيل أكثر ذكر المسح أن 86.3 % منهم لم تكن لديهم الرغبة في المشاركة في منظمات مدتية فنية أو تعليمية و85.5% منهم لم تكن لديهم الرغبة أن يكونو أعضاء في نقابات عمالية، و 89% منهم أبدو عدم رعبيتهم العمل في منظمات مهتمة بالبيئةو85% منهم لم تكن لديهم الرغبة في الانضمام لأي تجمعات حرفية، 79% منهم لم يرغبو في الاتخراط في منظمات إنسانية أو خيرية.

ولكن لا يجب أن تمنعنا هذه النتائج المتدنية من رغبة المجتمع في العمل ضمن أنشطة المجتمع المدني، من مواصلة الجهود من أجل دسترة الحق في تكوين المجتمعات ووضع قوانين تضمن حرية العمل في المجتمع المدني.