ماتزال مهنة الصحافة في ليبيا ترزح تحت قيود وتابوهات تكبح من جماح الصحفي وترهبه، الصحافة الحرة أو المستقلة غير الممولة من الحكومة تعمل في بيئة مشبعة بالعنف والكراهية والتحريض على طمس الحقائق وقذف من يعملون بالصحافة المستقلة ونعتهم بالتبعية والانقياد.
وتجربة الصحافة المستقلة رغم قصر عمرها إلا أنها برهنت على نجاعة وفاعلية، في المقابل لا دور واضح لنقابة الصحفيين في توفير الحماية للصحفيين أو تبصيرهم بحقوقهم وواجباتهم، والحاجة ماسة جدا لتشريعات قانونية تكفل للصحفي حرية تداول المعلومات والنشر بلا مقاضاة أو ملاحقة جنائية ولا يعني بالضرورة أن يستغل الصحفي هذه الحرية لتمرير معلومات مضللة أو مزيفة أو تصبح المنصة التي يعمل لها جزءا من الصراع السياسي.
العاشرة عربيا
من الجيد ان نعرف كصحافيين أين يكون موقعنا على الساحة الدولية والعربية في الحريات، وهذا مؤشر يفيد كل صحفي في تطوير أدواته والثقة في نفسه والعمل على تجويد محتواه، من جهة اخرى هذا المؤشر يشيد بدور المؤسسات الحكومية في احترام حرية التعبير فكلما ارتقينا درجة في سلم حرية الصحافة كلما تقلصت مساحة التقييد والتعتيم وحجب المعلومات عن الرأي العام.
وهذا ما أوضحه تقرير مراسلون بلا حدود للعام الحالي 2024 إذا يقول هنا: “حلت ليبيا في الترتيب الـ 143 عالميا والـ 10 عربيا، وفق التصنيف العالمي لحرية الصحافة للعام الحالي وجاء في تصنيف منظمة مراسلون بلا حدود بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يوافق الثالث من مايو كل عام؛ أن حرية الصحافة في ليبيا تقدمت 6 مراكز عن العام الماضي، الذي كانت فيه في المركز الـ 149 وأضافت مراسلون بلا حدود؛ أن ليبيا لم تسجل أي اعتقالات للصحفيين أو عمليات خطف أو قتل خلال العام الجاري”.
حجر في البئر الراكد
قبل أيام على كتابة هذا التقرير وطبعا بعد تقرير مراسلون بلا حدود اختفى في طرابلس الصحفي أحمد السنوسي مدير قناة تبادل المستقلة ومنشط برنامج ” فلوسنا” والأسباب تتعلق بنشره مستندات لاحدى الوزارت الحكومية، أحمد استدعته احدى الجهات الأمنية المعروفة للتحقيق في قضايا تشهير وتهديد ونشر مستندات رسمية وبثت جهة التحقيق فيديو للصحفي يتحدث عن حيثيات اقتياده إلى التحقيق وأقر بأنه تداول مستندات رسمية ونشرها إلى جانب قوله أنه كان يتعالج قبل سنوات من الاكتئاب
ونشرت جهة التحقيق على صفحتها الرسمية بالفيسبوك تقول “إنه تجاهل أن ما قام به ووفقًا لقانون العقوبات الليبي يشكل مجموعة من الجرائم بموجب أحكام المادة (430/ التهديد) والمادة (438 و439/ السب والشتم- التشهير) والمادة (245) إهانة موظف عمومي ” وأضافت “ليتم تطبيق أحكام القانون عليه ويكون رادعًا لغيره من (الصحفيين والإعلاميين والموظفين بمؤسسات الدولة) لعدم الانخراط في مثل هذه السلوكيات، وتصحيح المسار الإعلامي الليبي عامةً وتوجيهه بما يخدم المصلحة الـوطــنــيــة”.
قضية أحمد السنوسي ألقت حجرا في البئر الراكدة وجعلت من صحفي الداخل والخارج يتساءلون عمن أذنب هنا، وهل ما فعله أحمد بنشر المستندات ليس بجديد على مهنة الصحافة فمهنة الصحافة النشر وتقديم الأدلة والبراهين
وأن من يتحملون المسؤولية هم من قدموا هذه الوثائق وأخلوا بأمانة العمل، كما أن القانون لا يعاقب الصحفي إلا إذا كانت هذه الوثائق سرية ومحضور تداولها إعلاميا بنص قانوني أو قضائي
وأفرج النائب العام عن أحمد السنوسي في هذه القضية وأكد أن أحمد غير مدان أو لا سند قانوني يدينه، ولو كان يوجد ما يدينه لعرض على النيابة العامة لتتم محاكمته.
تشريعات تقوض حرية الصحافة
سياق الأحداث يصل بنا إلى سؤال هل القانون الليبي ينص على احترام حرية الصحافة ومن يحمي الصحفيين؟ القانون الوحيد يرجع بنا إلى عام 1972 قانون المطبوعات (رقم 76) وهو من وجهة نظر بعض الصحفيين لا يحمي الصحفيين إنما يشكل رادعا لهم.
ويرى رئيس المنظمة الليبية للإعلام المستقل رضا فخيل اليوم أن التشريعات الحالية هي السبب وراء تقويض حرية الصحافة لأن هذه التشريعات لايمكن تغييرها أو تعديلها وأعطت ضوء أخضرا للأجهزة الأمنية أن تقمع الصحفي.
وأوضح البوم انه لاتوجد جهة تمنح أذونات مزاولة العمل الصحفي في ليبيا باستثناء صندوق دعم الإعلاميين داعيا إلى التنسيق ما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ونقابة الصحفيين إلى تنظيم العمل الصحفي في ليبيا.
ومن جهته قال رضا فحيل البوم أن المنظمة الليبية للإعلام المستقل انتهت من إعداد مقترح تنظيم الإعلام في ليبيا وهذا المقترح تم تسليمه إلى مجلس النواب الليبي عام 2022 للنظر فيه، دون أن تتلقى ردا بشأنه حتى الآن.
نقابة غير موحدة
كغيرها من الأجسام التنفيذية أو التشريعية تشهد نقابة الصحفيين في ليبيا انقساما حيث تشكلت نقابة في شرق البلاد وأخرى في غربها، مما أثار لدى عدد من الصحفيين الليبيين حالة من النفور والاستشكال عضو نقابة الصحفيين في طرابلس والمنطقة الغربية.
سوزان بن نصر إحدى الساعيات إلى توحيد جهود الصحفيين وجمعهم في نقابة عامة تخدم مصالحهم وتدافع عن حقوقهم ترى سوزان أن حرية الصحافة قضية مهمة لها دور في تطور أي عملية تنموية وديمقراطية لأي مجتمع.
وتنظيم العمل الصحفي أو الإعلامي لا يتأتي إلا عن طريق وجود بيئة تشريعية توفر اطارا قانونيا وتشريعيا يضمن حقوق الصحفيين والإعلاميين ويوفر ضمانات شاملة تحمي وتساهم في حركة النشر وحرية المعلومة وتدفقها وفي حرية التعبير عنها من دون ضغوطات أو ترهيب أو عنف يمارس على ناشر المعلومة سواء الصحفي أو الوسيلة.
سوزان بن ناصر ترى أن التشريع يمنع تدخل الحكومات أو أي طرف سياسي أو طرف خارجي مع التزام الصحفيين والإعلاميين بواجبهم تحقيقا لمصلحة الجميع وضمانا للمصلحة العامة، الأمر الأخير لمن يستفسر من الصحفيين عن الانتساب إلى النقابة وهل يعتبر إلزامي الإجابة تقول ان الانتساب اختياري وليس إلزاميا.
ثورة حررت الصحافة
لا أحد ينكر انه وبعد ثورة 17 فبراير انتعشت الصحافة وتعددت وتنوعت ومبدأ حرية الصحافة والوصول إلى المعلومات ضمنت بمسودة الدستور إلا إن المسودة لم ترى النور إلى يومنا هذا لأسباب أمنية وتشريعية.
وما هو موجود على الساحة الصحفية او الإعلامية يعد أحد مطالب ثورة 17 فبراير فهي ألهمت الناس حرية التعبير وكسرت التابوهات خاصة وان وسائل التواصل الاجتماعي شجعت الكثيرين على التجرؤ
إن ما يبحث عنه أهل الصحافة والإعلام قانون يتيح لهم هامش كبير من ممارسة عملهم بعيدا عن دائرة الاتهام والإقصاء او قانون يحث على احترام عمل الصحفيين والحرص على سلامتهم والسماح لهم بالوصول إلى المعلومات بلا تجريم او ترهيب، وهذا مالم يتحقق في ظل الانقسام السياسي.