مقالات

حقي في الاختيار … من يمنحه لي

تبدأ حرية التعبير من اختياراتنا اليومية في الطفولة، ومن البيت أولا ثم يأتي دور المدرسة والأصدقاء، تباعا إلى أن نصل لمرحلة المراهقة، ومن ثم العمل والاستقلال عن الأسرة والبيت.

وتتميز مسيرة كل واحد منا بظروفها الخاصة، والتي تجعلنا نملك مساحات مختلفة من الحرية في الاختيار، تقول عتوقة “لم يكن لدى أسرتي الوعي الكافي بحقي في التعبير، واجهت أول صد لتعبيري منذ طفولتي عندما كانت أمي تختار لي الملابس على ذوقها، وتختار اللون المناسب حسب رأيها، ولم يكن لدي حق الاعتراض”.

وعندما بدأت عتوقة رحلتها مع التعبير من خلال الفن واجهت تقييداً من نوع آخر فلم يكن على شكل ولون اللباس فقط، بل فرضت عليها عائلتها الرسم بمعايير محددة بناء على معتقداتهم، اختارت عتوقة الاستمرارية في التعبير، على الرغم من رفض أسرتها لهذا التعبير، تقول: “عندما ارسم لوحة وأتركها على السطح لتجف، كنت أعود لأجدها ممزقة”.

من لوحات عتوقة

استمرّ هذا الأسلوب في ردعها وفي المقابل استمرّت في الرسم وحماية لوحاتها، حتّى جاء اليوم الذّي يعتبر حلم من أحلام عتوقة وهو المشاركة في معرض تشكيلي، واجهت اعتراض غير مبرر ومنعتها أسرتها من التجربة، فاختارت مواقع التواصل الاجتماعي لتعبّر عن استيائها.

صنعت عتوقة لغة تعبيرية بينها وبين جمهورها المستهدف فأصبحت لوحاتها تجسد رمزيات وعناصر مثل رمزية الدجاجة والتي صارت تميز لوحاتها.

ترى عتوقة أن المجتمع يعطي حق حرية التعبير في مواضيع دون غيرها، بحسب المعايير الاجتماعية للمجتمع، وأيضا يمثل المجتمع أداة ضغط على الأسرة، خاصة إذا كان التعبير من أنثى حيث ينعكس تعبيرها على قيمة الذكور في العائلة، وبالتالي يمارسوا ضغطهم عليها حتّى لا تشوه صورتهم في المجتمع كما يعتقدون.

البحث عن الطريق
تقول عتوقة “أجلت تحقيق أهدافي ومخططاتي الفنية حتّى أجد الطريق من جديد، طموحي الحالي أنا تكون لي حريتي في مكاني وأكلي ولباسي وقراراتي وتربية طفلي واختياري لما أشاهد وأسمع وأقرأ”.

يعطّل ويبطىء هذا التقييد رحلة عتوقة، لكنها كانت تختار الاستمرارية وخلق طريق جديد عند كل مكان تتوقف فيه، ولكن عندما يكون التقييد مصاحب بتهديدات تهز أمنها وسلامتها هنا تختار الاستسلام كطريق آخر، والاستسلام للوقت، للوضع الراهن، حتّى يحين لها العيش بحرية، وتعتبرها رحلة قد تطول لكنّها في طريقها لهذا الاحتمال.

من لوحات عتوقة

تختم عتوقة حديثها ” كل شيء مرهق، بدعم العائلة أو رفضها، تعبيرك كأنثى مرهق، وصلت لمرحلة أتساءل فيها لماذا حدث لي هذا منذ البداية؟ ليس لديك طريقة إلّا أن تكوني أذكى منهم في تعبيرك، فتخلقي طريقة أخرى للتعبير”.

مرّت ليبيا بكثير من التغيرات والتحديات التّي كان لها دور كبير في تجسيد وظهور قيم جديدة على حسب كل فترة والأحداث التّي دارت بها، ونجد هذه التغيرات تنعكس بشكل مفاهيمي في تعبير الفنان الليبي بطريقته ومن منظوره، ولكن كيف تلقى المجتمع انعكاس هذه المفاهيم في الفنون وكيف تفاعل معاها ومانوع القيود التّي فرضت على الفن.

إسراء كركرة رسامة تشكيلية من مدينة بنغازي تقول “فني وليد الحرب وأرى ليبيا من خلاله مسرحا سياسيا وإجتماعيا يستحق الدراسة، الفن برأيي وسيلة من المجتمع للمجتمع، لنقد القيم الحالية و إيجاد نظير أنسب لها”.

وتعتقد إسراء أن القيود التي تواجه الفنان في ليبيا متعددة لكن أصعبها القيود المجتمعية، والتي تأطر الفنان تحت قيود المجتمع.”

خارج

بعد أن واجهت إسراء تقييد نشر أعمالها التي تجسد المرأة رمزية لها، أختارت الوصول إلى المجتمع الليبي من خلال معرض أقيم خارج ليبيا، في فرنسا بمدينة إيفيان في ديسمبر 2022، والذي حمل اسم “خارج” أو خارج البلاد وخصصته للوحات تمحورت مواضيعها حول صعوبات النضج كإمرأة في بلد مزقته الحرب، فكان جسد المرأة رمزية تميزت بها بعض اللوحات.

إسراء كركة ترسم إحدى لوحاتها

أنحياز إنساني
واجه الرسام الليبي عبد الله هدية تأثير حرية التعبير عن رأيه وقيمه والقضايا التي يؤمن بها على الفرص المتاحة في حياته العملية، حيث أعماله تعبّر عن القضايا الإنسانية التّي يؤمن بها، ومن أكثر القضايا بروزا في أعمال عبد الله القضية الفلسطينية.

مهيب
من ضمن محتوى عبد الله عن القضية قصة مصورة للكبار، وبطلها شاب اسمه “مهيب” وهو محارب عربي قومي يدافع عن فلسطين وفي فترة ما كانت صورة هذه الشخصية الصورة الرسمية لحسابات عبد الله على مواقع التواصل الاجتماعي يقول: ” كان لدي عمل عن طريق صديق لي مع شركة اكس بوكس قالي لي صديقي اعتذروا عن العمل معي بعد دخولهم على حسابي”.

تصميم ل عبدالله هدية

تخلى عبدالله عن كثير من فرص التعاون مع منصات عالمية مختلفة وذلك لسبب موقفهم الذّي لا يتماشى مع إيمان هدية يقول عبد الله “حاليًا تمّ إقصاء ومقاطعة مصادر دخل تمثل 75%من دخلي الذّي كان قبل الأحداث”.

رفض عبدالله فرصة لتوقيع عقد عمل مع منصات عالمية وأن يكون اسمه من كبار الفنانين في مجاله، بعد أن وجد أن من بين المنصات التي ستؤول إليها ملكية عمله “ديزني”، و “نتفلكس” وغيرها من الشركات التي تدعم الكيان الصهيوني، لأنه لا يتماشى مع إيمانه ودعمه للقضية يقول عبد الله ” أنا لست مهتم بموضوع الشهرة ولا أسعى من أجله”
يؤكد هدية “الفرص التي تخليت عنها تعتبر من الأحلام الكبيرة لكل فنان ولكن القضية التي أؤمن بها أكبر من كل الطموحات”.

ومن كل ما سمعناه ممن شاركو معنا سنجد أن أسبابا متعددة قيدت حرية التعبير لديهم، وتنوعت هذه القيود بين أسرية، ومجتمعية، وشخصية، وجميعها كانت سببا في منعهم من فعل كل مايردون، ولكنهم رغم ذلك فعلو ما بإمكانهم فعله، ليشاركو فنهم وتجاربهم مع المجتمع ولتمهيد الطريق ربما للقادمين من بعدهم.