مقالات

لماذا تدعم الديمقراطيات حق التظاهر السلمي?!

لطالما كانت المظاهرات وسيلة ناجعة للتغيير في مختلف أنحاء العالم، وعلى الرغم من ذلك تنقسم الآراء دائما حول المظاهرات خاصة في منطقتنا العربية وتستند الاختلافات في الآراء إلى خلفيات دينية وثقافية وسياسية، بالإضافة إلى التجارب السابقة للشعوب والحكومات.

الدول الديمقراطية تكفل لمواطنيها حق التظاهر السلمي بالقانون، ولديها آليات وقوانين لمواجهة التظاهرات المسلحة أو أعمال الشغب والكراهية، التي قد تهدد أمن الدولة أو أمن المواطنين والمؤسسات أو الفئات المختلفة من الشعب مثلا، أو من المهاجرين أو الأقليات.

في هذا المقال سأتحدث عن بعض النقاط الخاصة بمسألة التظاهر السلمي والخلافات الدائرة حولها، وسنستعرض جانبين: الجانب النظري المثالي أو شبه المثالي، والجانب الواقعي الذي نعيشه في العالم العربي وفي ليبيا بشكل خاص، ولأن مجال الحديث عن مسألة التظاهر كبير وواسع لا يمكن اختزاله أو استعراضه في مقابل واحد، كان من الممكن أن يكون هناك نقص في هذا المثال أو ربما لا أستطيع أن أتحدث عن جميع زوايا الفكرة بشكل جيد.

ضمان حق التظاهر

كما تحدثنا سابقا ترفع الديمقراطيات شعارات تكفل حرية التظاهر وبطبيعة الحال لا يمكن أن يكون ذلك مثاليا للغاية، فقد شاهدنا مثلا كيف تمت مواجهة المظاهرات الداعمة للفلسطينيين، والمناهضة للحرب التي تشنها إسرائيل على غزة، وكيف جرى تبرير حملات الاعتقال ومنع المظاهرات بحجة معاداة السامية.

التفصيل في هذه النقاط قد يقودنا إلى إطالة المقال بشكل ممل، ولذلك سنسرد فقط الجوانب التاريخية والنظرية التي تدفع الدول الديمقراطية إلى دعم حرية التظاهر، دون الدخول في الجدالات المتعلقة بالكيل بمكيالين، إلخ.

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يحتوي بعض الأحكام بخصوص (الدعاية إلى الحرب) والدعوة إلى (الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية). والعهد سمح بتقييد حرية التجمع إذا لزم الأمر حيث نصت المادتان 20 و 21 على: «يتم تقييد حرية التجمع في مجتمع ديمقراطي بما يتناسب مع مصلحة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق وحريات الآخرين».

وقد أصدرت الدول الديمقراطية ما ينظم هذه الحقوق الخاصة بالتظاهر مع ضمان حق مواطنيها في التجمع والتعبير عن الرأي.

خلفية تاريخية

إن المظاهرات السلمية ساهمت في تطور المجتمعات وتحرير الشعوب وتحسين أوضاع الدول ضمن حركة تفاعل مستمرة بين الشعب والسلطة.

ولعلنا في هذا المجال نذكر مسيرة الملح في الهند ضد الحكام الاستعماري والتي جرت في 1930 والتي بدأت احتجاجا على احتكار الحكام البريطاني للملح، بالإضافة إلى حركات التظاهر التي قادها الأمريكيون من أصول أفريقية وحركات الاحتجاج ضد حرب فيتنام التي اجتاحت العالم أواخر ستينيات القرن الماضي.

أدركت الجهات والمؤسسات الحاكمة في الدول الديمقراطية أن إفساح المجال للتعبير عن الرأي ومشاركة الناس في صنع القرار والتغيير، تساهم في تطور المجتمع والدولة معا، وهي بالتالي تساهم في تقليل الفساد وزيادة المصلحة العامة التي تتحقق للمواطن وللناس الموجودين في السلطة.

هذه الفكرة ربما لم تترسخ بشكل جيد في الدول العربية ودول الشرق الأوسط، التي لم تتطور فيها الحكومات وتتفاعل مع الناس بنفس الطريقة، لذلك تعتقد السلطة أن استمرار الحكم الشمولي واستمرار وجود القبضة الأمنية هما الضامن لاستمرار الاستقرار واستمرار المؤسسات.

المجتمع والقطيع

من الخصائص التي تميز الجماعات البشرية عن القطعان الحيوانية أن المجتمعات البشرية تعمل من أجل المصلحة الجماعية وأن الناس يشعرون ببعضهم ويدركون أهمية حفاظ المجتمع على حقوق أفراده.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وهذا الحديث – في اعتقادي – يوضح بشكل جيد الفكر الإسلامي في بناء المجتمع وضرورة حرص الناس على حقوق بعضهم.

قطيع الماشية مثلا ينظر إلى الراعي وهو يأخذ الخرافة للذبح والسلخ، ولكنه ليس متطورا بشكل كاف حتى يحتاج أو يعارض السلطة وهي الراعي هنا أو مالك المزرعة.

أما المجتمعات البشرية فقد تصارعت مع السلطان والحكام واعترضت على هضم حقوق أفرادها حتى تحصلت على حقوقها وتنازلت لها السلطات. لعلنا هنا نذكر الـ (ماغنا كارتا) Magna Carta وهي ما جرى للاعتراف عليه بـ (الميثاق العظيم) باللغة اللاتينية، وهي وثيقة أقرت في عام 1215 من قبل ملك بريطانيا “John” “جون”

مرت 809 سنوات على كتابة هذه الوثيقة التي أسست للديمقراطية في بريطانيا وجاءت على إثر تدهور شعبية الملك البريطاني وهزيمته في معركة ضد فرنسا، وبضغط من بعض البارونات المتمردين.

وكتبت هذه الوثيقة التي كانت تنص على منح حقوق لبعض الكيانات في بريطانيا وتقليل الضرائب وتحد من سلطة الملك في معاقبة الناس بدون سبب حقيقي. وقد نقلت الـ BBC أن هذه الوثيقة هي مصدر الجملتين المشهورتين كل الناس سواسية أمام القانون، ولا أحد فوق القانون.

النموذج الليبي

في ليبيا الوضع مختلف جدا … فالدولة خرجت من عباءة الحكم الشمولي بعد 2011 ولكن لا يمكن أن نحتسبها من ضمن الدول الديمقراطية بعد.

مسألة التظاهر السلمي في ليبيا لم تتطور بشكل جيد وهنالك مشكلة في فهمها، والتعامل معها بالإضافة إلى مشاكل السلطات مع المظاهرات.

عندما نعود بالذاكرة إلى السنوات الماضية سنجد أن تجربة ليبيا في التظاهر السلمي ليست كبيرة على الرغم من سلسلة المظاهرات والاعتصامات والبيانات المختلفة التي اجتاحت الخارطة الليبية وساهمت بشكل كبير في أزمتها.

عندما نراجع الأحداث نجد أن معظم حركات الاحتجاج كانت من خلال مظاهرات غير سلمية أو من خلال اعتصامات لإغلاق منشآت مثلا أو إعلان إضراب عن العمل في قطاع ما، هذه الحركات كانت لأغراض سياسية أحيانا، وفي أحيان أخرى كانت تهدف إلى رفع الأجور مثلا أو تحقيق بعض المطالب الخاصة ببعض شرائح المجتمع.

هنالك مجموعة من المشاكل التي تواجه التظاهر السلمي في ليبيا تبدأ أساسا بنظرة الناس وتجاربهم المسبقة، حيث أن شريحة كبيرة من الناس ترى أن المظاهرات غير مفيدة ولا جدوى منها، كما أن التظاهر مرتبط لديهم بالفوضى وانعدام الأمن وسنوات عدم الاستقرار التي بدأت بعد 2011 وهي مستمرة بشكل ما حتى الآن.

المشكلة الأخرى هي الاستقطاب السياسي الذي أدى إلى وجود سلطات مختلفة في البلاد، وتوجهات مختلفة لدى الناس بحسب اختلاف موقعهم الجغرافي والجهوي والقبلي، كل هذا أدى إلى ضعف الترابط المجتمعي الذي غالبا ما يولد حركات التظاهر المؤثرة.

هنالك اعتراضات واختلافات في وجهات النظر حول القوانين المتعلقة بالتظاهر، ولكن ذلك ليس مهما بشكل كبير كما هي أهمية باقي العوامل التي ذكرناها سابقا.

استخدمت المظاهرات خلال السنوات الماضية كوسيلة سياسية وإعلامية للتعبير عن وجود الدعم لجهة ما، أو وجود معارضة شعبية لجهة معينة، أو حكومة مثلا، ولكن المظاهرات لم تنجح في تحقيق مطالب شعبية أو مكاسب حقيقية تتعلق بالمواطنة.

ولذلك نجد أن معظم المظاهرات تبدأ بعد صلاة العصر وتنتهي مع صلاة المغرب، حيث يكون الغرض الأساسي منها هو التصوير، ونشر الأخبار، وصور المتظاهرين، وأعدادهم.

أعتقد أن التجربة المريرة التي مرت بها ليبيا وما لها من آثار عميقة جعلت الناس لديهم مشكلة مع المظاهرات، وأنا لا ألومهم هنا ولا أدعو إلى التظاهر، ولكنني فقط أحاول تشريح فكرة ما حتى أفهمها أكثر ويفهمها القارئ.

بالتأكيد كل المواطنين في ليبيا يتمنون أن يروا بلدهم متقدما سواء بالمقارنة بالدول في المنطقة أو على مستوى العالم، وأعتقد شخصيا أن مسائل الحقوق والقوانين والحق في حرية التعبير ستساهم في تسريع تحول ليبيا إلى دولة مؤسسات قادرة على بدء البناء وتجاوز أخطاء الماضي والاستفادة من تجاربنا وتجارب الدول السابقة.

ولعل حالة الاستقرار الأمني وبدء عجلة البناء والإعمار والتركيز على المشاريع والاقتصاد سواء في الشرق أو الغرب، تكون عاملا مساعدا في هذا الأمر وبطبيعة الحال يجب ألا ننسى أهمية توعية الناس بشأن الحقوق والقوانين بالإضافة إلى أهمية التظاهر السلمي وخطورة التظاهر غير السلمي الذي قد يؤدي إلى الإضرار بأمن البلاد ومصالح المواطنين.