مقالات

هل تهدد الطبيعة بانقراض البشر؟

على الرغم من امكانياته البسيطة استطاع وليد الهلالي (ناشط بيئي 40 عام) من خلال جهوده المدنية والتطوعية أن ينشر ثقافة الاهتمام بالبيئة والحيوانات البرية والكائنات البحرية، بواسطة الأنشطة التي ينفذها او يشارك بها، ومن خلال التواصل المباشر مع الناس والأطفال في المدراس والجامعات والمؤسسات المختلفة للتوعية بخطر السلوك البشري على البيئة وأهمية الحفاظ عليها.

حيث يقوم وليد بعد الانتهاء من عمله الرسمي في الصباح، بملء الزجاجات البلاستيكية التي جمعها من الطرقات ومن شواطئ البحار بالماء الصالح للاستهلاك ويعبئها في سيارته القديمة) يتوجه بها في نهاية اليوم للغابات والمناطق الخضراء والمساحات ذات الغطاء النباتي المنخفض، لسقايتها وزرع غرسات جديدة قريبة من تلك الشجيرات والنباتات، للمساهمة في الحد من أخطار التغير المناخي على البيئة والذي يؤثر سلبا على كافة جوانب الحياة على الارض.

ويقصد بالتغير المناخي بحسب الأمم المتحدة التحولات طويلة الأجل في درجات الحرارة وأنماط الطقس، والتي قد تكون طبيعية، بسبب التغيرات في نشاط الشمس أو الانفجارات البركانية الكبيرة، او بشرية ويرجع ذلك أساسًا إلى حرق الوقود الأحفوري مثل الفحم والنفط والغاز.

مؤكدة بحسب علمائها أن البشر مسؤولون فعليًا عن كل الاحترار العالمي على مدار الـ 200 عام الماضية، فقد تتسبب الأنشطة البشرية في حدوث غازات الدفيئة التي تعمل على إرتفاع درجة حرارة العالم بشكل أسرع من أي وقت في آخر ألفي عام على الأقل.

وفي ليبيا وعلى غرار باقي دول العالم يمارس سكانها أفعالا وأنشطة تضر بالبيئة، وتزيد من حدة مخاطر التغير المناخي، كحرق الغابات وقطعها، أو تجريف التربة لغرض البناء والتشيد أو المساهمة في زيادة تلوث البيئة من خلال استهلاك كميات كبيرة من البلاستيك، بالإضافة للبناء العشوائي في مسار الأودية والأنهار وسدها بالاسمنت والأحجار، في هذا يقول وليد الهلالي ” البشر أكبر وأخطر تهديد على البيئة”.

وقد حذر برنامج الأمم المتحدة الانمائي من شدة التغيرات المناخية على ليبيا، معتبرا أن الزيادات المتوقعة في درجات الحرارة وزيادة وتيرة وشدة الظروف المناخية القاسية، وانخفاض هطول الأمطار، وإرتفاع مستويات سطح البحر تهدد استدامة إمدادات المياه وتشكل خطراً وجودياً على المراكز السكانية الساحلية حيث يقيم حوالي 70 ٪ من سكان البلاد. كما يؤدي تغير المناخ إلى تفاقم ندرة المياه، مما يقلل من توافر المياه للاستهلاك الزراعي والمنزلي.

وعلى وقع هذه التهديدات وبعد توقيع ليبيا على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في عام 2015 وتصديقها على اتفاق باريس للمناخ في عام 2021، بدأت المؤسسات المدنية بالبلاد بتوعية الناس بمخاطر هذه الأفعال التي قد تكون مقصودة أو دون قصد، وأثرها على التغير المناخي وحدته خاصة عقب فشل الحكومات المتعاقبة في وضع خطط أو تقديم سياسات للحد من مخاطر التغير المناخي الذي راحت تشهده ليبيا منذ سنوات، وآخرها إعصار دانيال الذي ضرب الشرق الليبي وأدى لجرف وغرق أحياء وشوارع بمدينة درنة وبعض مناطق الجبل الاخضر في سبتمبر 2023م إلى عمق البحر الابيض المتوسط، وراح ضحيته عشرات الألآف من الأطفال والنساء والشيوخ.

الباحث البيئي عبد السلام قويدر شدد على دور السلوك البشري وأثره السلبي على البيئة ويقول إن ” السلوك البشري يساهم في تفاقم التغير المناخي وحدته في العالم ككل وليس ليبيا فقط، خاصة تلك السلوكيات المتعلقة بحرق الوقود الأحفوري لإنتاج الطاقة وما ينجم عنه من غازات دفيئة، وكذلك السلوكيات المتعلقة بإزالة الغابات وقطع الأشجار التي تمتص كميات كبيرة كبيرة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ما يؤدي إلى التقليل من قدرة الأرض على امتصاص هذه الانبعاثات.

وتحدث أيضا قويدر عن الأنشطة الصناعية كواحدة من السلوكيات البشرية الضارة بالبيئة والعاملة على زيادة حدة التغير المناخي بالإضافة إلى حركة النقل الجوية والبحرية والبرية، والتي تعتمد على الوقود الاحفوري ونمط استهلاك الفرد للمنتجات وإنتاجه للمخلفات والنفايات وأبرزها النفايات العضوية التي تتحلل وتطلق غازات ضارة، كما يعتبر الإستخدام المفرط للأسمدة في الزراعة عامل بشري رئيسي في تفاقم التغير المناخي.

ومؤخرا كثفت بعض المؤسسات المدنية العاملة في المجال البيئي والاخرى المهتمة بالبيئة والتغير المناخي جهودها في تعزيز الوعي بمخاطر التغير المناخي وتنظيم ورش عمل وندوات ومؤتمرات تعنى بهذا الموضوع، بينما اتجهت بعض المنظمات الاخرى إلى العمل الميداني من خلال غرس الاشجار وتشجير الساحات والشوارع، وتوعية طلاب المدراس والأطفال بأهمية الأشجار في حياتنا ودورها في الحفاظ على التوازن البيئي والحد من أخطار التغير المناخي.

وهذا مايقوم به الناشط البيئي فايز ساطي 45 عام، الذي يتخذ من غرس الأشجار والاهتمام بها ورعايتها هواية يمارسها يوميا، حيث عمل من خلال منظمة من الأرض إلى البحر التي يترأسها على غرس عدد من شوارع مدينة بنغازي وضواحيها بأشجار التيكوما دائمة الخضرة، للحد من مخاطر التغير المناخي والتخفيف من معدلات ارتفاع درجات الحرارة.

يقول ساطي”غرسنا مئات الاشجار داخل مدينة بنغازي وفي شوارعها ونعمل على رعايتها والاهتمام بها، لضمان النتيجة المرجوة من هذا الغرس”، ويضيف “العمل المدني هام جدا في المجال البيئي سواء كان من خلال التوعية والتي تتضمن التوعية بمخاطر التصحر والرعي الجائر والصيد غير القانوني وقطع الاشجار، أو العمل الميداني والمتمثل في غرس الأشجار وحماية البيئة وإصحاحها”.

ورغم هذه الجهود تظل وتيرة التشجير والاهتمام بالبيئة ضعيفة ولا تتماشى مع القطع الجائر المتواصل للغابات والاشجار في كامل ليبيا، مايتطلب تكاثف الجهود المحلية بشكل أكبر ووضع قوانين صارمة في مواجهة المخالفين.

وفي هذا السياق أكد عبد السلام قويدر الباحث البيئي أن الحراك الميداني والمدني يساهم في رفع مستوى الوعي بالمخاطر البيئية المترتبة على السلوك غير المرشد للانسان ضد البيئة، مضيفا أن الأنشطة المدنية والتطوعية المختلفة تعمل كورقة ضغط على الحكومات والقادة والسياسيين لتبني اجراءات وخطوات أكثر صرامة تجاه البيئة والحفاظ عليها.

ويقول” العمل المدني جزء اساسي من الجهود العالمية للتصدي للتحديات البيئية الكبرى، وزيادة الوعي من مخاطرالتغير المناخي في ليبيا والعالم، كونه ملف دولي يتطلب بذل جهود كبيرة دولية ومحلية “.

وكانت قد أشارت بعثة الاتحاد الأوربي في تقرير لها نشرته في 2022، إلى أن ليبيا تعد من أكثر دول العالم تضررا من آثار التغير المناخي والاحترار العالمي، وحذرت في هذا التقرير من موجات جفاف وحرائق وندرة في المياه وارتفاع منسوب مياه البحر، وفيضانات وعواصف وتراجع في التنوع البيولوجي.

فهل تهدد الطبيعة البشر بالانقراض إذا لم يحسنو سلوكهم وطريقة عيشهم؟