مقالات

هل تدرك منظمات المجتمع المدني مفهوم الحقوق والحريات؟

يعزز غياب الإدراك لمفهوم الحقوق والحريات توغل القمع والاستبداد في المجتمع، وتبقى منظمات المجتمع المدني هي الرافد والكفيل لأساليب الدفاع، فهي التي يمكنها أن تكون جماعات ضغط يضع السلطات أمام مسؤولياتها، ولكي نعي الدور المهم للمجتمع المدني علينا أن نستوعب هامش الحقوق والحريات ونتعرف على الدور المرجو من منظمات ومؤسسات هذا المجتمع.

في ليبيا ثمة خلط بين العمل المؤسسي الذي يرتكز عليه صنع القرار، وكفالة الحقوق والحريات وبين العمل الأهلي والخيري المتمثل في تقديم العون والمساعدة لمحتاجيها، وهذا اللبس يلحق حتى القائمين على منظمات المجتمع المدني ذاتهم، ويجر إلى هوة وضع الثقة في غير أهلها، لذلك لابد من رفع هذا اللبس وتأطير مجال ومهام منظمات المجتمع المدني تمشياً مع رؤيتها ورسالتها وأهدافها، والحقوق والحريات هي الهدف السامي لها، ومن الضرورة الملحة المحاربة من أجلها والدفاع عنها.

الحق في الحياة

الحقوق متأصلة في جميع البشر باختلاف أنواعهم وجنسياتهم، وبغض النظر عن لونهم ولغتهم ودينهم حسب الأمم المتحدة، وجاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ثلاثون مادة تبدأ بحق الحرية والمساواة مروراً بالحق في الحياة المتمثل في الغذاء والصحة والتعليم والعمل والحرية وهي الحقوق التي تجعل الحياة جديرة بأن تُعاش، مروراً بالتحرر من الاستعباد والتحرر من التعذيب والحق في التحرر من الاحتجاز التعسفي والوصول إلى العدالة، وحق التعبير، كل هذا وأكثر من حقوق وحريات تنتهك و تهمل على مرأى ومسمع من الجميع بما فيهم المنظمات الحقوقية المُشهرة والتي تزاول عملها بشيء من الجاهلة الناجمة عن عدم دراية.

 غياب التأهيل

رغم سهولة الإجراء وسلاسة الحصول على الإشهار وأذونات مزاولة العمل المدني في ليبيا لم تحظ منظمات المجتمع المدني باهتمام يُذكر من ناحية التأهيل والتثقيف والتدريب والصقل خاصة الحقوقية منها، حتى مع الطفرة التي شهدتا البلاد بعد ثورة 17 من فبراير وتكالب المنظمات الدولية على المتجمع الليبي وضخ الكثير من المشاريع التأهيلية والتدريبية التي تستهدف الأفراد والمنظمات المحلية والتدريب داخل البلاد وخارجها، الا أنها لم تؤتِ أكلها في جانب الحقوق والحريات، جل التركيز يذهب في اتجاه مواضيع غير ذات جدوى، تهتم بشكليات في التنمية البشرية لا تخدم القضية ولا تعنيها الحقوق والحريات، وبات التصحر الثقافي في ملف الحريات سائداً وانعكاسه على المجتمع بالسلب، وتتعمق إجراءات القمع والتقييد في المجتمع، ومؤسسات المجتمع المدني تسير في خط موازٍ لا يلتقي مع تعارض القوانين القمعية ولا تستطيع حتى التفكير بصوت مسموع لحماية المسار الديمقراطي وتكريس مفهوم الحقوق والحريات.

  

إشكالية التأسيس

الكثير من المشتغلين في منظمات المجتمع المدني غير مؤهلين ولا يملكون الدراية الكافية بالإجراءات التي تؤسس لهذا العمل، يعملون بارتجالية يشوبها عدم الفهم، وغير مطلعون على لوائح وقوانين تنظيم عمل منظمات المجتمع المدني في ليبيا، و يصب جل تركيزهم على العمل التطوعي والخيري في إغاثة وتوزيع مؤن ومساعدات غذائية على محتاجيها، وفي هذا الصدد يرى مدير مكتب مفوضية المجتمع المدني في طبرق الطيب بوعجيلة أن إشكالية التأسيس في ضبابية الرؤية و غموض الرسالة التي تحاول المنظمات المحلية إيصالها، مؤكداً على غياب الدور الذي يكفل الحقوق والحريات لأبناء المجتمع، وأضاف بوعجيلة أن العلاقة بين منظمات المجتمع المدني وأبناء المجتمع علاقة عكسية لا توجد لها نقطة تلاقي، كون المنظمات تعمل في وعاء مكاني ضيق، وتعتمد القاعات المغلقة في تقديم برامجها، وهذا لا يخدم قضية الحقوق والحريات، فالمواطن تبعده فجوة كبيرة عن منظمات المجتمع المدني.

مشدداً على ضرورة خلق برامج تنهج مفهوم المجتمع المدني و دوره، مطالباً الحكومة بدعم هذه الضرورة و الدفع بهذه البرامج التي ترتقي بالمجتمع وتجعل أبنائه مدركين لحقوقهم. ويؤكد مدير مكتب مفوضية المجتمع المدني في طبرق أن شهادة الإشهار التي تمنحها المفوضية قوية بقوة القانون، ولا يمكن لأي جهة سحبها أو شطبها إلا بحكم قضائي، وقوة القانون هذه تحتاج إلى إدراك لمفهوم الحريات والحقوق؛ لكي يتم ترسيخها والعمل على تفعيل القوانين المنظمة لها.

مفهوم خاطئ

كان من اللافت للانتباه أن ثمة فهم خاطئ للتأسيس وإجراءات إشهار المنظمات المحلية، فالكثير من المتقدمين بطلبات التأسيس – من ناشطين – يعتقدون أن ثلاثة أشخاص فقط يمكنهم تأسيس منظمة مجتمع مدني والحصول على إشهار وإذن مزاولة، وهذا المفهوم الخاطئ استقوه من سماح القانون بعدد أعضاء مجلس الإدارة كحد أدنى “ثلاثة أشخاص”، وهذا الحد الأدنى لا يقصد به عدد أعضاء المنظمة، والا كيف لثلاثة أشخاص فقط التأثير في المجتمع وتمثيل العمل الجماعي، وكيف لهم تطبيق برامج تضمن الدفاع عن الحريات وتكفل الحقوق، والوقوف وراء هذا المفهوم يقتصر على تأسيس ضيق يشتغل على تقديم العون والمساعدة وتوزيع الاحتياجات من مأكل ومشرب ومتابعة الأسر محدودة الدخل فقط، دون أي اعتبار لمؤسسات حقوقية ترصد و تنادي وتطالب وتندد وتفعل ما من شأنه التغيير في المجتمع، وهذا الاقتصار اختزله مفهوم منظمات المجتمع المدني التي يغيب عنها ثقافة العمل المدني التي تبدأ بترسيخها فكرياً لدى الناس عامة، ومن ثمة مطالبة السلطات التشريعية سن القوانين التي تخدم الحقوق والحريات، وتشكيل جماعات ضغط على السلطات التنفيذية لتنفيذها واحترامها.

رسالة اجتماعية

ومن جانبه قال مراجع علي نوح المتخصص في العلوم السياسية ومنظمات المجتمع المدني وعضو الهيئة التأسيسية لمشروع الدستور الليبي يمكن النظر إلى المجتمع المدني في مفهومه المعاصر  بأنه يعبر عن رسالة  اجتماعية تحيى القيم والأفكار والممارسات التطوعية والخيرية وحب البشرية والتعاضد والتبادل الموجه نحو بناء الأسس الحقيقية للمسيرة الديمقراطية، وشرح “نوح” المبادئ التي يقوم عليها المجتمع المدني بقوله يقوم المجتمع المدني على مبادئ التطوعية والاستقلال الذاتي، والمواطنة الفعالة، والتسامح والتراضي، مشيراً إلى أن  تأصيله يأتي من خلال المنظمات التطوعية  التي تملأ  المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها ولا تُبنى على علاقات الدم.

جاء تحصينها والتأكيد على حيادها – حسب عضو الهيئة التأسيسية – من خلال ما تضمنه مشروع الدستور الليبي الذي رسخ حرية تكوين منظمات المجتمع المدني والانتساب إليها وفق المعايير اللازمة للتوازن بين متطلبات استقلالها ولازم الشفافية، ولا يجوز وقفها عن عملها إلا بأمر قضائي ولا حلها إلا بحكم قضائي.

وفي النهاية لا يمكن الحديث عن الحقوق والحريات التي تقع حمايتها على عاتق منظمات المجتمع المدني المحلية وهي لم تدرك بعد مفهومها، والحيز الذي يُمكنها من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع، وعدم الإدراك لهذا المفهوم يجعل منظمات المجتمع المدني تحت طائلة القيود والقوانين القمعية والتضيق على حرية التعبير والدفاع عن حقوق الإنسان.