article comment count is: 0

مفتاح كيافي يكتب: ليبيا.. تفاصيل صغيرة

لطالما كنت مولعاً بالتفاصيل، تلك اللمحات الصغيرة التي تشكل حياتنا اليومية، وهي ما تجعلني ليبياً أينما ذهبت، فأنت لا تستطيع نسيان الصور الأولى، والأماكن التي خلقت فيها أحلامك، لذا يظل الإنسان متورطاً في وطن ما ومجموعة من الناس، ويرتبط بالروائح على طريقة الكلاب، تجد حتى من يعبر لك عن شوقه لرائحة المجاري والقمامة، ويسميه حباً وشوقاً للوطن. واقع الأمر أنه شوق للذات وتوق لمراحل السلام الأولى، التي تسبق اكتشاف الإنسان لوجه العالم الحقيقي.

وتبقى التفاصيل الصغيرة الأخرى، الناس.. صديقي الأسود وتقلص عضلات وجهه كلما ناداه أحدهم “يا اعبيد”، مُبدياً له أفضل مبادرات الود المتاحة، صديقي النصف أوروبي والذي لطالما تظاهر بالقسوة والعصبية، فقط كي لا يتجرأ مواطن محافظ على امتطائه عنوة في زردة ما. زميلتك الفقيرة، صديقتك البشعة في عيون الناس، والأخرى العانس، الأمهات المتعبات، الأخوات التائهات، الشعور بالقهر.

جاري الطفل الصغير، والذي اغتصبه جاري الطفل الكبير ومن ثم ألصق به صفة “شكشاكة” الحي، وأصبح الجميع يحاصرونه بنظراتهم، ويذكرونه عند كل مناسبة أنه لن يكون رجلاً أبداً، التقيته بعد أن غادر المدينة بسنوات، أصبح شاباً بشنب ووظيفة وسيارة، لكنه رجع طفلاً عندما رآني، رأيت ذلك في عينيه وعروقه الجافة، وأردت أن أعلمه أنني لم أنظر إليه يوماً بسوء، وأن أخبره أن ذلك الفحل قد مات في الحرب، وانظم لقافلة الشهداء، وهو الآن في صحبة الحور والأولياء الصالحين، وأردت أن أقول له إنّ الحياة أكثر عدلاً من الموت.

تفاصيل صغيرة، الناس.. عندما يوصف مواطن بالزنجي على شاشة تليفزيونية، ومرة أخرى على منصة شعبية، ويطلق عليه “الربع الدماغ” على شاشة أخرى. عندما تكون البروباغاندا الوحيدة الناجعة لتهييج الجموع هي الاغتصاب المنظم للنساء، على شرط أن يكون مرتكبه أسوداً، من العرق الرديء. وماذا يعني أن تولد طفلة “كحلة” تحت الزينقو في مخيمات النزوح والتهجير.

تفاصيل صغيرة، الناس.. زميلتي ابنة القرية، والتي تتعارك مع لسانها في كل جملة، تلويه وتعصره لتتحدث كبقية بنات المدينة من زميلاتها، قسوة الناس لا توصف، والفتاة لم تكن شلافطية ولا شلتوتة.

تفاصيل صغيرة، الناس.. جارك الذي يحبه الجميع، وتكرهه زوجته وحدها، ويحترمه الجميع، وتحتقره وحدها، وتصرخ تحت كفه من حين لآخر. فتاة أخرى تطرد من المنصة، وأخرى تقتل وتنزح دماؤها إلى الإسفلت، ويزدريها الناس لموتها من غير حجاب.

تفاصيل صغيرة، الناس.. طفل يبكي وتختلط دموعه ومخاطه، يجري مسرعاً إلى البيت، تأتي سيارة مسرعة وتقف فجأة في وسط الشارع، يُفتح الباب، “امشي رد ضربتك”.. قال والده، أطلقه مثل كلب مسعور ومذعور. بعد خمسة عشر عاماً مات الطفل في حرب أهلية جداً، ذهب للجبهة ليرد ضربته.

تفاصيل صغيرة، الناس.. خطيب الجمعة يلعن بقية سكان الأرض ويرسلهم إلى الجحيم، ويجعل من نسائهم سبايا ومن أموالهم غنائم، “آمين”. غداء الجمعة، اللحمة الكبيرة للذكر الأكبر، امرأة ما تغسل الصحون  وتنزف من فخذيها.

تفاصيل صغيرة، لا تنتهي.. تتراكم فوق بعضها كل يوم، لتخلق بيئة رديئة بشكل محكم، وتساهم في استمرار الخيبة والفشل. بإمكاننا أن ننتخب ممثلين للناس كل أسبوعين، ونجرب مدنا ليبيا واحدة تلو الأخرى لتحتضنهم، ولن يتغير شيء. كل سياسي أو مثقف أو ناشط أو ثائر أو أية صفة أخرى يطلقها أحدهم على نفسه، ما هو إلا نتيجة مباشرة لهذه التفاصيل الصغيرة، وجزء لا يتجزأ منها، لذا لا أجد نفسي مناصراً لفكرة التغيير من القاعدة، أقصد أن يكون الشعب أو الجموع هي صانعة التغيير، على طريقة الشعوب الثائرة أبداً، لابد من سلطة مؤسِّسة مستنيرة، وأنا لا أدري متى سيحين دور ليبيا لتحظى بهكذا فرصة، ولكنني أعول على تجربة الجوع، عندما ينضب البترول وتعود الخنازير إلى مطارحها.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية