article comment count is: 0

نجوى بن شتوان تكتب: ليبيا.. ضحايا الخبز والمسدس

المكان: متحف الملكة صوفيا الوطني للفنون بمدريد، أمام لوحة غيرنيكا لبابلو بيكاسو، وسط أناس صامتين كأنهم في سينما. 

يحتم الموقف النفسي للحظة أن يجمع موضوع اللوحة ( الحرب الأهلية الأسبانية) الوقوف ويشغل تفكيرهم، عدا من كانت بلاده تخوض حرباً أهلية فعلية هذه الأثناء، سوف يكون مختلفاً عنهم، اختلاف الجريح الذي يتألم مما يتأمل، لماذا جئت ترى حرباً خلدها الفن ولديكم حربكم الحية التي قد لا تجد فناً يخلدها لأنها ستقضي عليكم جميعاً كحمقى زائدون عن العالم.

قلبت نظري في جمع الناس من حولي وافترضت أنهم يفكرون اللحظة في بيكاسو المبدع كيف رسمها، وفي تقنياته وتفسير رموزه، وفيما كان يفكر عندما أنجزها، إنهم خارج غيرنيكا بجمالية الفن، أما أنا فداخلها بواقعية الحرب، لأني من بلاد تعارك نفسها وتقتل بعضها إلى الآن وتقتلني بالتقسيط.

لمست شفتي المرتجفة حينذاك، آه لم أعد أضحك منذ فترة طويلة، فقدت ضحكتي واستغرقني التفكير في دياري وأصبح حزني أكيداً، دمعة صلبة نزلت من عيني اليسرى فقط، عيني اليمنى مستغرقة في توقع لوحتنا الخاصة، مأخوذة بتفاصيلها، كيف سنروي أنفسنا فيما بعد، كيف سنرسم وقائعنا وماهي الأدوات، لماذا أرى الأشياء بعدسة مكبرة، تشدني ملابس التماثيل التي تقابلني، حتى النعال التي انتعلها المقاتلون تذكرني بنا وبالعناء الذي سيواجهه من يأتون بعدنا لتجسيدنا، شبشب إصبع هنا شبشب زيكو هناك، تكك سراويل تتدلى مثل رقاص الساعات القديمة. فرامل و بدل عربية، واقي رصاص، سوالف المهلهل سيد ربيعة ورائحته النتنة كذلك.

بقع طبيخ البازين ومرق الكسكسو على القمصان وصداريات الواقي من الرصاص، أضافر الأيدي والأقدام الوسخة، شعر الرجل البدائي يوزع هيأته على الفرق المتنازعة، وبقايا لحى لا تنمو بشكل جيد، ملابس عسكرية لاتناسب مرتديها، كأنها كانت لأبائهم وكأنهم لا زالوا أطفالاً عادوا وارتدوها من بعدهم كما أرتدتهم الحرب، قبعات جيش تناسب جيشاً يخوض حرباً في ألاسكا أو سيبيريا وليس في ليبيا القيض المستمر، اشتراها الجيش ضمن عتاده ودفع ثمنها من ميزانية التسليح!

أحذية رياضيه متربة وقمصان داخلية وبناطيل توتا وعرق وزفر والكثير من التكبير والتكفير والتفجير والكلام الزقاقي مما يملأ المجالين السمعي والبصري، وصف الأعداء بأنهم بنات، لا فرق بين مثقف وجاهل في ذلك ( كان سب الرجال لبعضهم بالبنات حتى  القرن الواحد والعشرين في ليبيا سلوك بطولي وفاعله يعتبر قائداً ميدانياً أو فنان كاركاتير، قاطعاً كالساطور).

إذاعة تناقش موضوع العنصرية، الناس على أعينهم عصابة، يفهمون أن العنصرية هي إنسان أبيض وأسود فقط،العنصرية الذكورية ضد النساء لاتعد عنصرية واحتقار الأجنبي ومن هم من غير قبيلتك أو شلتك أو مدينتك، لا تعد عنصرية حتى نهاية اللوحة.

الإذاعة تستمر والناس يستمرون أيضاً كخطين مستقيمين في اتجاه واحد.

على يمين اللوحة رتباً في الجيش يحلفون بالشرف الزوجي ( الطلاق) وليس بالشرف العسكري، لنفي واقعة أو تأكيد هدف أو توكيد عزيمة، يعطون ملامح جد عائلية للمعركة بجر النساء ناقصات العقل والدين إليها!

على يسار اللوحة صبراته المتدينة جداً ومعقل الدواعش الضامرين تبيع البشر في قوارب الهجرة لأوروبا، متحدثٌ عنها يكذب صارخاً بأنه تنوع المدينة الفكري و الثقافي!

ذلك ما يتطلبه التنوع حقاً أن تتمسك المدينة بدينها وتبيع المهاجرين تمسكاً بدنياها!

في منتصف اللوحة، رجل أمه ناقصة عقل ودين ( هو لا) يمنع بيع النفط فيكبد الدولة مليارات، في يسار اللوحة رجال من زوارة ومنافذ ليبيا مع تونس، أمهاتهم ناقصات عقل ودين( هم لا) يهربون النفط والمحروقات، دون أن يعتبر سطوهم خسارة!

الميزان الذي يعمل هنا لا يعمل هناك والنظارة التي ترى هنا لا ترى هناك، ومع ذلك ثمة رتم وانسجام للخراب مع نفسه في اللوحة بشكل غريب.

الحمصة كبديل عن الطب النفسي، وظيفتها تمهيد الطريق للمشاعر الإيجابية وشفط المشاعر السلبية، تستعين بجمجمة أثناء أداء عملها وبأغاني كلها سحل وضرب وتعذيب في غرف مظلمة أعلى السطوح!

التناقض حين يصبح سلوكاً غالباً، الله غالب.

رجل يهرب بطفلته المريضة في قارب إلى إيطاليا، أناس تبكيهم العاطفة والتضحية، أناس يشكون في هدف الهرب، أناس يغرقون في بلاد تسبح في الدماء وثلاث حكومات لا تبحر ولا تذر إبحاراً، رجل اشترى كتاباً باع الملايين لإحدى الناجيات من أحداث11 سبتمبر، أبكته تجربتها، قبل أن يكتشفوا بعد سنوات أنها لم تكن في أمريكا أساساً خلال الأحداث، يتمنى الرجل أن يكون الهرب عاطفياً وخالياً من النيات الأخرى، فقد مل خيبات الأمل.

مسؤولون يسافرون لسوق سلاح كبير، مسؤولون يتصدون لهم بالسفر للسوق نفسه، لإقناعه بالعدول عن بيعهم ما يحتاجونه للدفاع عن أنفسهم، الأمم المتحدة تمنع تسليح الجيش منذ وقت (لكي يحدث ذلك) رغم أن البلاد مترعة بالأسلحة الحديثة والحرب والقتلى، مثل ليبي يطل برأسه:  إذا سكرتم عدوا القناني!

نساء تحت الصفيح يصارعن تقلب المواسم، يخضن حربهن الخاصة التي لا يعلم بها إلا الله خالقهن وخالق المواسم، التناقض يصنع حياة تستمر ألف عام من الصفيح بعلم الله.

طفلة في مخيم نزوح تموت من شدة البرد، رجل مسن  في مخيم نزوح يموت من شدة الحر، ما يظل منهما في اللوحة، هو مواسم الموت.

روائي كوني يعيش في أوروبا يروج في حديث تلفزي لكل ماهو صحراوي، مرتدياً قبعات الصقيع، تنقصه كلاب وزلاجات ليكتشف القطب الشمالي، كما أن حديثه عن الصحراء يؤخره قليلاً، أحدهم يخفض صوت التلفزيون ويحتفظ فقط بالضوء المنبعث منه لرتق خرم في منطقة البكيني من سروال ثمين.

الجيش يطرد العصابات من مناطق سكنية، يعود إليها أهلها ويتهمون كل الناس بسرقتها بمن فيهم أفراداً من الجيش، رجل في المنتصف لا يعرف من  يكذب ومن يصدق، الناس الذين قد يرغبون بالتعويضات أم الجيش الذي يرغب بقهر خصمه أم اللصوص الذين يحرصون على الموت لتوهب لهم الحياة.

سيدة مصرية ممتلئة في عباية لف وشبشب زنوبة نمرة 45، تمنع ابنها من احتلال ليبيا، ليست سوى أم السيسي، لولا تدخلها بالنمرة 45 في الزمن المناسب لتغيرت ملامح الحرب الأهلية في ليبيا، سيما إذا كان للشبشب دور تربوي في تهذيب النشء كما الحال عندنا في ليبيا، من المنطقي جداً أن تكون الخاتمة جنة تحت أقدام الأمهات!

في يمين اللوحة قريباً من المركز، بيجاما تقترح حلاً لمشكلة الاقتتال الداخلي بشتى أنواع الملابس السابق ذكرها، قد تنجح البيجاما لأنها الوحيدة حين يرتديها الإنسان لا يرتكب حماقات خارج نطاق النوم، تتوقف جميع أنشطته التي تخلق التناقض سابق ذكره، البيجاما مسالمة وذكية وقد تنجح لو أضافت الغيبوبة للنوم كي تبدوان حالة واحدة متصلة.

عيون قطة سوادء في الركن تنظر إلى من ينظر إليها، نقود ورقية وحبوب تنتشر على امتداد اللوحة، فتىً يذهب بورقه للمدينة لمعرفة كيف ُتخرج زكاة الفطر، حبوب أم نقود؟ صراع وجدل وفتاوى ثم أمك ثم أمك ثم أمك( يابن كذا وكذا وكذا)، بالرجوع لقوت البلد يتوجب عليه اخراجها نفطاً أو مسدسات. يشتري مسدساً وينظم لرجال يقفلون النفط.

“سيدتي إنني آسف لمقاطعة تأملك، لكن عليَّ إخبارك أن المتحف سيغلق أبوابه الساعة”.

قال موظف المتحف بلطف ولباقة.

لم يعد ثمة أحد سوى أناي الممزقة أمامي.

خرجت من لوحتي واعتذرت لبيكاسو الذي جئت لأرى كيف صور حربه، فجرجرت حربي معي واكتفيت، كأني مازلت في صدمتها الأولى، يصحبني سؤالي نفسه، ترى كيف سنصور أنفسنا فناً وأدباً بعد حين، ومن سوف ينتبه إلى عينيَّ في القطة السوداء؟

كحقيقة لا يمكن تجنبها، لقد تعرضنا لضمور في النمو طيلة عقود، وحين بدا إصلاح ظروف حياتنا لما تبقى، كانت تلك هي الفرصة الوحيدة لممارسة  ظمورنا والعيش به، لم يكن بالإمكان تجنب نتائجه إلا بتقليل الضرر، فقد كنا ضحايا اللاحياة في الحياة، وبنفس القدر ضحايا الخبز والمسدس معاً.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية