article comment count is: 0

أقدم ساعاتي في ليبيا يتحدى الزمن: وقتي للآخرين!

مصراته: عبد العزيز عيسي – عيناه السوداوان الغائرتان إلى الداخل توحيان بأنهما أدامتا النظر في مكان واحد، رأسه الذي نتف الزمن من شعره، يبدو مليئاً بالحكمة. الشارب الأبيض يقص على زبائنه رحلة العمر، ذقنه المتأرجح كالتفاحة من على غصنها تذكرنا بقصة آدم وكفاحه من أجل الحياة. ساعته البيضاء في يده اليسرى تدلّ على احترامه للوقت، بسماته المتراتبة تشبه تراتب عقارب الساعة، أصابعه العطشى إلى بعضها تنتظر نقطة الالتقاء، والتي لا تعرف مكانا محددا لتقف عنده، قمصانه القماشية تنهدل من على جسده بشكل منتظم وأنيق، وزنه الذي لا يزيد عن الخمسين كيلو جراما، أحياناً ما يرتدي نظارة بعدستين بنيتين كبيرتين. إنه أقدم ساعاتي في مصراته الحاج “محمد عبدالسلام الصيد”.

رخصة 159

بنفسٍ طويل وصبر لا ينفد، يجلس أمام طاولة عليها مفكات وعدسات وملقاط وعدسة وبعض البراغي ودائرة مغناطيسية، ومصباح مقوّس، بعض الغبار المتسرب إلى أدوات الصيانة، وقطع غيار ساعات، منها ما اندثر قبل عشرات السنين.

بدأ الحاج مهنته – قبل ثلاثين عاما- كأول فني لتصليح الساعات في مدينة مصراتة. ولد الحاج   في تونس في العاشر من سبتمبر 1935 لأب وأم ليبييّن، حيث بقي مع والديه خمسة وعشرين عاماً، وتعلم في البداية مهنة الحلاقة ثم بدأ تعلمُهُ حرفة إصلاح الساعات بمدينة “أم العَرَائِس” بتونس عندما كان في العشرين من عمره. علمه رجل ليبي من منطقة غريان كان يقاسمه الغربة يُدعى مبروك عمر أبونوارة.

يزاول الحاج محمد مهنته في محل لا تتجاوز مساحته عشرين متراً بين طول وعرض، وبعض فترينات، وعلى الحائط المجاور لطاولته عبرت نقابة المهن الإلكترونية والتبريد في شهادة شكر وتقدير عن فخرها به وأملها في مواصلة جهوده خدمة للنقابة. يتذكر أن النقابة خيّرته للعمل على إحدى الصنعتين، فاختار مهنة تصليح الساعات عن مهنة الحلاقة.

عند عودته إلى موطنه، فتح محله الأول عند نهاية شارع طرابلس، في العام 1960، واستخرج رخصة رسمية تحمل الرقم “159” تُرخص له مزاولة عمله في صيانة الساعات في العام اللاحق، لكنه لم يبقَ فيه كثيراً، فانتقل بعدها إلى محل آخر، بجانب محله الحالي، حيث لا يزال في ذات المحل منذ عقدين من الزمن.

قابض على الجمر

ما جعل الحاج محمد يستمر في صنعته هذه حتى هذا الوقت، هو أنها مهنته الوحيدة التي يقتات منها لقمة عيشه، حيث كوّن منها أسرتهُ البالغ عدد أفرادها ثمانية. يُعلق عن حاضر حرفته بأنه معقول حيث مهما رخصت الساعات فالنصيب هو ذاته لم يتغير، لكن ذلك – رغم رخص أسعار الساعات – لا يمنع من أن المهنة لا تشهد حداثة في الأدوات المستعملة في الصيانة، فإنقاص سير الساعة الذي كان يتطلب منه بالأمس وقتاً وجهداً، لا يستغرقُ اليوم سوى بضع ثواني، إضافة إلى أدوات أخرى، بعد أن كانت تقتصر حرفته على مفك وملقاط وعدسة.

درّب أولاده على الحرفة ذاتها، لكنه كالقابض على الجمر، لأن أبناءه لم يفكروا في أن يختاروا ما اختاره والدهم، لأن الماضي ليس كالحاضر.

عقارب عكسية

لا يخلو حديثه من الفكاهة، حتى مع زبائنه الذين يعرفونه جيداً. يتذّكر أن أحد زبائنه طلب منه ساعات تسير عقاربها عكسياً، حيث وفر له طلبه بساعة معطلة في محله. وقدر الله أن زبونه أتى له بساعتين يطلب صيانتهما لأن عقاربهما يدوران عكسياً .. فحتى مع زبونه الذي أتاه قبل بضع ثوانٍ وسلم له دينارين نظير صيانة إحدى ساعاته وتشطيب صورة القذافي عن الأخرى لم يخل المشهد من طرافة. تأمله للحظات قبل أن يخاطبه: “أيوا.. لو كان حياً لاختلف الأمر طبعاً”.. ثم قهقه!

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية