article comment count is: 0

ليبيا.. يوميات ليلى الهولندية في طرابلس

ليلى، هولندية شابة في الثامنة والعشرين. كان ارتباطها بالعالم العربي قدراً أملاه عليها اسمها العربي، الذي اختارته له أمها من كل الأسماء لشغفها بأغنية “ليلى” للفنان Eric Clapton. “اسمي يجعل العرب في البلاد العربية التي أصل إليها، يعتقدون أن أصولي عربية، أو أنني على الأقل مسلمة”، تقول ليلى.

في الصيف الماضي، وصلت ليلى فجأة إلى طرابلس.  كانت الحرب قضت على مخططات سفرها إلى سوريا والاستقرار هناك ودراسة اللغة العربية. وفي إجارة سياحية في المغرب، التقت صديقاً يستعد للسفر إلى ليبيا للعمل هناك. عرض عليها أن ترافقه، وأن تعمل معه مدرسة للغة الإنجليزية. لم تتردد ليلى لحظة: “كان المقابل المادي مغرياً، وبالتالي أغرتني تجربة العيش في بلاد عربية أخرى مثل ليبيا. ستكون تجربة لا تنسى أبداً. وإذا أصبت بخيبة أمل ما، أستطيع الرحيل متى أشاء. لن أخسر شيئاً”. هكذا أقنعت ليلى نفسها بالرحيل إلى طرابلس.

 مدينة الأشباح

يشهد الجميع لليلى بالشجاعة، ولكن الرعب تسرب إليها بعد حادثة غرغور الدموية. “مجزرة غرغور حدثت على بعد خطوات من إقامتي. رأيت كل شيء. في حي غرغور ذاك اليوم الذي عُرف بالجمعة الأسود،. ذلك أرعبني وأقلقني. الأيام التي تلت المجزرة، حولت طرابلس إلى مدينة أشباح”. وقتلت ميليشيات حوالي 43 من المتظاهرين المسالمين، الذين كانوا يطالبون بإنشاء أجهزة جيش وشرطة شرعية، فيما عرف بيوم الجمعة الأسود. ويصعب على هولندية عاشت في بلاد آمنة، أن تجد نفسها لحظة في بلاد يستحيل عليها أن تتوجه فيها إلى الشرطة لتحميها، “لا يتمكن مني الخوف بسرعة. هذه هي شخصيتي دائماً، لكن الوضع الأمني في ليبيا يقلقني. وهذا القلق يعرقلني كثيراً. لو حدث لي سوء، لا يمكنني أن أتصل بالشرطة. أين الشرطة؟”.

تقول ليلى إنها أصبحت تستوعب أكثر واقع أن “كل ليبي تقريباً يمتلك سلاحاً”، وأن “مفهوم الحرية هنا أن تفعل ما تشاء متى تشاء. الخطف والقتل يحدث أمام صمت الجميع. الخوف متمكن جداً من البشر”.

أحيانا يُقتل ناس من الغرب. مثل ما حدث لزميل ليلى الأمريكي في بنغازي، فيتملكها الرعب، وتنكب على متابعة أخبار لا تفقه منها شيئاً: “الأخبار في ليبيا غير موثوقة وغير دقيقة. وعجزي عن متابعة  الأخبار بالعربية يزيد عدم يقيني. طرابلس آمنة إلى حد ما تجاه الأجانب لحد الآن. هذا فقط ما يشجعني على البقاء هنا”.

ارتباط

الطقس في طرابلس جميل. والطقس نقطة ضعف لدى الأوروبي الغربي، لكن الناس في طرابلس أيضاً طيبون، كما اختبرتهم ليلى. ولكن الأهم هو الإثارة في أن تعيش في بلاد عاشت الثورة، وتحاول أن تبدأ من جديد. هذا بالخصوص ما زاد من تقوية ارتباط ليلى بليبيا عموماً.  تقول متنهدة: “هناك أسباب كافية للرحيل عن هنا. ويصعب علي أن أوضح لماذا اخترت البقاء. إنه أمل في أن أرى شيئاً جميلاً، أن أرى الناس الذين أعرفهم، يعيشون في حرية. والأمر الآخر الذي شجعني على البقاء هو الأجر الذي أتقاضاه بصراحة. إنه أعلى ما يمكن أن أحصل عليه في المنطقة. لديهم المال ويغرون المدرسين الأجانب للبقاء رغم ظروف البلاد. الغربيون هنا حالياً، يتكونون من أعضاء في منظمات غير حكومية وأخرى أممية، وشركات للنفط ومدرسي اللغة الانجليزية”.

 الكساد الليبي

“يصعب علي أن أصف الليبيين. ما قاسوه، طيلة أربعة عقود، عزلهم عن العالم الخارجي وألحق بهم أضراراً”، تقول ليلى. وتوضح أن نظام القذافي فرض حالة أبعدتهم عن الابتكار والعمل وطبعتهم بظاهرة “الكساد” المتفشية. “إذا رأيت أشخاصاً يعملون بجهد، فتأكد أنهم من الأجانب ومن الصحراء الأفريقية. في طرابلس على الأقل، المنظفون، الحلاقون، العاملون في الترحيل من مكان لآخر، العاملون في المطاعم، العاملون في المستشفيات، ليسوا ليبيين في الغالب. هنا افتقد ما أبهرني في مصر وسوريا (قبل الحرب): الصناعات اليدوية. أن تصنع بنفسك الجبنة وزيت الزيتون والبهارات، بل وتصنع أشياء من الخشب أيضاً. هنا في طرابلس، كل شيء مستورد تقريباً خصوصا في السوبرماركت. تنعدم هنا الأعمال الفنية أو أي شكل من الإبداع. الناس لا يبنون ولا يعملون شيئاً. الطرقات مليئة بالقمامة والبنية التحتية مدمرة. وفي الوقت نفسه ، يملك الليبيون ما يكفي من المال لشراء هاتف ذكي جديد، وأزياء جميلة وسيارة آخر طراز”.

ثم تضيف ضاحكة: “تعلمين؟ أصدقائي يعرفون الكثير عن الغرب بعكس طلبتي. الأمر مضحك ومربك أيضاً، إذ يصعب أحياناً العثور على إطار مرجعي مشترك”.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية