article comment count is: 0

صالح قادربوه يكتب: مشاهد من طرابلس في رمضان

يبرز مشهد حرمان سكان تريبولي من الكهرباء لساعات تلتهم أحيانا نصف اليوم.. صوت مولدات الكهرباء الغالب على شقشقة العصافير وعراك القطط وحتى على عواء سيارات الإسعاف وأذان الصلاة وأصوات الثقيل من الأسلحة. العاصمة الليبية تقطع عليها الكهرباء يوميا بمعدل 6 إلى 12 ساعة ويزيد، يوما منذ مطلع الصباح ويوما منذ الظهيرة أو وقت الإفطار، وأياما طوال هذه الأوقات جميعها وما بعدها.

يقال إن هناك شحنات مولدات جديدة لا بد من تهيئة سوق لها بهذا القطع، ويقال إنها أعطال بالشبكة أو المحطات، ويقال إنها أحمال مدن أخرى تتحملها طرابلس أم السرايا والشط والهاني.. إلخ، لكن الظريف أن يقال من قبل مسؤولي الكهرباء بالعاصمة إنهم يحرمون الناس من الكهرباء ليوفروها لهم؛ أي نقطعها أغلب اليوم لكيلا نقطعها طول اليوم!

الشارع طبيعي في ظاهره: محلات وأسواق وجامعات وجوامع وبيع وشراء وزحمة خانقة، حتى كأن المتداول مؤكدا وغير مؤكد عن عمليات خطف وقتل وسحل وسرقة وتنازع مسلح هو من نسج الخيال، لكن هناك وقائع موثقة، وصور وفيديوهات وحتى مشاهد قد تصادفك تجعلك مشككا في خيالية تلك الحقائق، مع التشكك في صحة كل ما يقال عن العبث اللامتناهي في أكبر مدن البلاد وحاضنة رأس الدولة.

لون الإشارة الضوئية عند توفر الضي، لا علاقة له بالقانون الدولي، فالأحمر لون عبور السيارات وكذلك الأخضر والبرتقالي وكل ما يتوفر من ألوان، هجومك في ما يشبه طابور الخبز والمصرف وفي مفترقات الطرق هو الحل الأمثل والطبيعي والمتعارف عليه لنيل حصتك في عروس البحر المتوسط .

هناك مقر لمجلس الوزراء بطريق السكة بوسط العاصمة، ليس فيه رئيس وزراء، فهو ومجلسه وضيوفه المحليون والدوليون استحلى الإقامة في قاعدة بحرية يقوم داخلها بمباشرة إصدار بياناته التي يصدر أغلبها بعد منتصف الليل، ولا أحد يفهم لم لا يباشر من ذلك المقر الرسمي، مما يرجح التخمين الذي يقول إنه لا يسيطر فعليا على العاصمة والدولة، وربما لا يسيطر حتى على مجموعته الرئاسية والوزارية.. لعلها واحدة من أغرب وأعجب الحكومات عبر تاريخ البشرية الحافل بالطرائف والفنتازيا، قبل وحتى بعد نيل الثقة إن حصل، فالمكتوب في هذه الحالة الفريدة حد الصدمة (مبيّن) من عنوانه دون أدنى شك.

السيولة هي الداء الأكبر في جسد مجتمع العاصمة، فحتى أصحاب الملايين في البنوك لا يتمكنون من سحب ما يرغبون من قيم نقدية إلا بطرق الرشوة والتحايل وغيرها، أما أصحاب المرتبات العادية والضمانية فلا يحق لهم سوى سحب 300 دينار أو أزيد بقليل وأحيانا لا يحق لهم سحب شيء، مع وصول الدولار سقف الأربعة دينارات واشتعال أسعار السلع، مما يثير الفضول في كيف قضى كثير من الليبيين وأبناء العاصمة بالذات رمضان هذا العام، لعله أشبه بكابوس سمع به الليبيون عن أمم أخرى لكنهم يعيشونه الآن قطرة قطرة.

أما مافيات الخطف مقابل المال فهي أكثر ما يميز ضواحي العاصمة ويحقق الدراما الرمضانية، ولا يميز الخاطفون بين كبير وصغير وغني وفقير ولا سيارة قديمة أو حديثة، المهم كل ما يمكن أن يجلب المال قليلا أو كثيرا فهو هدف مطلوب، ووصل الأمر بهم لتعذيب الأطفال وقتلهم حتى لتأخر أهاليهم في دفع مبلغ الفدية، مع ما يتعرض له أبناء الجاليات من صور السطو والخطف والإتاوات والترهيب بكافة أشكالها.

لكن طرابلس أيضا في رمضان بها ناس طيبون، وأشخاص لطفاء، وفاعلو خير، وقمر وسفنز وزلابية.. وصيام مقبول وإفطار شهي.. وبها ضمائر منيرة رغم عتمة الليالي والجراد المنتشر، إنها صورة ليبيا الحقيقية فمن أراد أن يعرف واقع الحال فعليه أن يستلهم مشهد العاصمة، وطبعا يدعو لها بالفرج القريب، لعلها تكون دعوة صائم.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية