article comment count is: 0

علي الطيف يكتب: الغضب.. من ليبيا إلى ما تبقى منها

أنا إنسان غاضب جداً،  وأغلب الوقت أخاف من إظهار غضبي أمام الآخرين، لأنني أخاف من ردة فعلهم. أعتقد أنني تربيت هكذا، أن إظهار الغضب أمام الآخرين ضعف، وفي حالات الضعف الإنسان يُخطيء، وفي عرفنا وعاداتنا الشرقية البدائية، الرجل دائماً قوي ولا يخطئ.

لا أعلم إن أمكنك فهمي ولكن الأمر لا يهمني، تفهمني أو لا، لا يهم، لأنك غير مهم بالنسبة لي، مثلما أنا لست مهماً بالنسبة لك. لكنني مازلت غاضباً جداً برغم أنني لا أهتم بك ولا أنت تهتم بي.

أنا غاضب جداً لأنني أعيش في بلد سُرق منه مستقبل جميل حقاً، والأكثر من هذا قابل للتحقيق. ربما اسم بلدك ليس كاسم بلدي، بلدك ربما يكون قبيلتك، مدينتك، ميليشيتك، زعيمك، عائلتك، نفسك،  أما أنا فبلدي هو كل بلدانك الكولونيالية البدائية التي قهرت بلدي مجتمعة. بالرغم من كل ذلك أنا أؤمن أنه رغم اختلافاتنا كلها أنا أنتمي لك وأنت تنتمي لي. وأنا مستعد للدفاع عن حريتك إن أمكنك تقبل حريتي التي لن تضرك بأي وسيلة، إن أمكنك فقط أن تؤمن أن بلدك الصغير جزء من بلدي الجامع، وأنني رغم كوني لا أحمل دمك، اسمك، تاريخك، فإنني أعتبر نفسي جزءاً من بلدك وإن لم تتقبل ذلك.

أنا غاضب جداً لأنني أردت أن أكون جزءاً من العالم الجديد، وهأنا الآن أنتقل في ملف يُحمل في حقيبة رخيصة من بلد لبلد ، من هوتيل رخيص لآخر، ليقرر مصيري أشخاص آخرون مختلفون عني مثل اختلافهم عنك، أشخاص آخرون لا يفهمونني ولا يفهمونك، لكنك بالرغم من ذلك تسير إليهم، تنحني أمامهم وتطلب منهم أن يُعطوك السلاح، المال، كل شيء يلزم لتقتلني لأنني رفضت أن أنصاع لحريتك المستبدة التي تريد بها سجني في زنزانة مظلمة ضيقة لا يعبر نور السماء إليها أبداً.

أنا غاضب جداً لأنني ذات يوم كان لدي حلم، كان بسيطاً، يحمل بعض الموسيقى والفن والثقافة والمعرفة في ثناياه الفتية، لم أكن أريد الكثير، أردت أن أعيش حياة مثيرة للاهتمام وأنا متجه إلى تلك السنوات التي يسقط فيها الشعر من رأسي، لكن ذلك لم يحدث، فهأنا ذا في مقتبل عمري، أنا في المستقبل دون أن أكون في المستقبل، الحرب في كل مكان، أشغل حيزاً من فراغ لا أكثر،  بوابات أمنية على كل شارع، صاروخ يسقط، ينتهي الأمر بقطعة نحاس قبيحة، الشعر يتساقط، الشفتان احترقتا، اللون أصبح أزرق، لا يمكنني التوقف عن التدخين، لا يوجد متنفس آخر، أنا عجوز في جسد شاب مهتريء منفي في أحلام مريضة بداء الاستحالة. وأجل، أنا أحترق كل يوم، الجحيم أقفل أبوابه عليّ وعليك، الدولار بثلاثة دنانير، المصارف ستفلس قريباً، رجال البدالي السوداء يضحكون عليّ وعليك، كوباني أو بنغازي، حكومة أو حكومة، والسفر، أنا في يوم كنت أريد السفر حول العالم، لكن يبدو أن الأمر تأجل لحياة أخرى، مصر تحتاج لفيزا، تركيا أيضاً، وتونس، لماذا يكرهوننا لهذه الدرجة، أنا لا أكرههم، أنا لا أكره أحداً.

 أنا غاضب مرة ثانية وجداً، لأن فكرة الثورة سُرقت، ليست الثورة سُرقت فقط، بل الفكرة، الكل أتى بثورة، وكل ثورة كانت استبداد، لم تكن من أجل حرية، بل استبداداً باسم الحرية، الشهداء، الوطن، المقدس، ماذا تعني الثورة إن صنعت مقدسا أو جاءت بمقدس؟ أنا كنت أعتقد ومازلت أن الثورة هي حركة النقد اللانهائية، لا شيء فوق النقد، كل فكرة قديمة معرضة للمساءلة والتغيير إن فشلت في احتواء ضرورات المستقبل أو التماشي معه. لكن الفكرة سُرقت، كل من أتحدث معه لا يفهم الثورة أو يشتمها أو يُقدسها، لا أحد يفهم الثورة كما أفهمها أنا، حركة ثورية ضد حركة ثورية للأبد، إلى أن يصنع الإنسان السوبرمان( (Übermensch  اليوتوبيا التي لا يوجد ما قبلها أو بعدها. أنا غاضب جداً لأن الأفكار هنا تُسرق، أقصد أنها لا تُسرق، فالأفكار هنا لا تساوي ورقها، أعني أنها تزحف مباشرة إلى أقرب سلة قمامة، وهناك تنتحر صامتة.

أنا غاضب جداً لأنني أشعر أنني رخيص لأنني لا أستطيع فعل أي شيء لإيقاف أي شيء. بلدي التي تعيش على ترابها ولا تعترف بها إلا بعد مدينتك أو قبيلتك أو زعيمك أو عائلتك أو نفسك أصبحت مكبا كبيرا للمآسي في شمال إفريقيا. البحر مليء بجثث بشر أبرياء وضعتهم أنت، أو أنا، أو شخص مثلنا – وأجل نحن نتحمل المسؤولية-  على قارب قديم وأرسلناهم للموت ب1000 دولار وأكثر. ثم بينما كنا نضعهم في القوارب القديمة للموت، كنا نقتل بعضنا البعض بسبب اختلاف اسم، حرقنا منازل بعضنا البعض، سرقنا من بعضنا البعض، هجّرنا بعضنا البعض بسبب اختلاف رأي سخيف أو هوية سخيفة أو عمل إجرامي لا يمثل فاعله إلا نفسه، ورق وكراسي وبعض العظام والكثير من القتل. وبينما كنا ندفن بعضنا البعض بدمائنا ونضحك مثل الساديين، سرقنا مستقبلنا إلى قرن قادم وربما أكثر، وبينما كنا نسرق، لا أعرف ماذا فعلنا خلال ذلك، لكن الأمر كان سيئاً لأنه مستمر في الحدوث إلى اليوم، وأجل خلال كل ذلك تحولت إلى عجوز مرتاب، شفتان زرقاوان، كائن هلامي مجوف، نسخة مشوهة من آرثر رامبو عندما ترك كتابة الشعر ورحل من أجل الذهب. الحرب تفعل بك أكثر من ذلك، تجعلك مهاجراً خيالياً، غاضباً، ومجنوناً انتحارياً، لكن ضياع مستقبلك يُهينك ويُنهكك ويُنهيك، يجعل الأيام كلها مثل بعض، “الضجر هو الجحيم” يقول شارل بودلير، وأنا هنا مجرد شخص غاضب ما يكتب من أجل بعض الخبز، بكلمات عنيفة عن بلدي من بلدي، بلد أغلب سكانه منفيون فيه دون أن يعلموا ذلك

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية