article comment count is: 0

محمد سحيم يكتب: فن التحليق المرتفع جداً

تتشابه أحوال وعادات المبدعين على اختلاف مجالاتهم وحقول تخصصهم.

حين قرأت النظرية التي تشترط التدرب مدة 10 آلاف ساعة لإتقان أي شيء، كنت قد شاهدت قبلها لقاءً مع بروسلي أيقونة الفنون القتالية، قال فيه إنه كان يتدرب على الضربة الواحدة بمعدل 4 آلاف مرة في اليوم وسمعت قبلها من السباح الأسطوري مايكل فيلبس الذي قال إنه كان ينزل إلى الماء كل يوم على تمام الخامسة صباحاً منذ كان في سن السادسة، وحين قرأت نظرية العشرة آلاف ساعة، لم يُصبني الإحباطٌ من مقدار الوقت اللازم بل رحتُ أبحث عن جوابٍ –غير الصبر- يبرر بقاء المبدعين أوقاتاً طويلة في محاريب إبداعهم دون أن يزعجهم الوقت بإنبات الملل أو يستميلهم شيء من حياة الموجود في الخارج؟!

جاء الجواب تباعاً، من الخبرة الشخصية ومن قراءة سير وأحوال المبدعين، فكل من وضعت سيرهم تحت التمحيص والتدقيق من علماء وفنانين ومفكرين، كانوا يجمعون بين أمرين أعتقد أنهما وراء ترويض العقل كي يبدع ويفلت من تأثير الوقت، الأمران هما :

1- حُب التخصص إلى حد الهوس.

2- الهوايات.

شرح النقطة الأولى لن أجيده أكثر مما فعل العالم ألبرت آينشتاين في رسالته إلى ابنه، حين كان ينصحه بخصوص دروس العزف على البيانو، قال آينشتاين لابنه: “أنصحك بالتدرب على المقطوعات التي تعجبك، حتى إن لم يوكلها إليك أستاذك، الطريقة الأفضل للتعلم هي عندما نقوم بشيء نستمتع به لدرجة لا نشعر معها بالوقت، فأنا أنهمك في عملي بصورة تجعلني أنسى أن آكل”.

حب المجال والهوس به هو ما يستبقي صاحبه في محراب العمل والتدرب والبحث، ويجعله يستمتع بتلك الأوقات التي يراها من ينظر من خارج الحالة وقتاً طويلاً وشاقاً لا يقطعه إلا الصبر.

(الهواية) ساهم في كشف أهميتها لي عدة أسباب من بينها متلازمة وجود الهواية أو عدد من الهوايات عند كل مبدع وعالم ومفكر وأديب وفنان، بل إن الأمر يمتد إلى أبعد من ذلك، فكلما زاد بؤس المرء وتخلفه وكآبته وانحدار مستواه العقلي كلما كان هذا الشخص أبعد الناس عن امتلاك هواية.

لكن ماذا نجني من الهواية وكيف تفيدنا بهذا الشكل إلى الدرجة التي تصير فيها حداً فاصلاً بين المبدع والآخر بكل شرائحه؟

العقدة في فاعلية الهواية، أمران هما:

1- غذاء العقل:

الرسام الذي يبذل المال لشراء الألوان والأقمشة والفُرش ويجلس بالساعات يطرح الألوان ويدرجها ويرهف الخطوط ويغلظها، هذا الشخص ومن يشبهونه من نحاتين وحرفيين وعمال على المنمنمات والتطريزات والزخارف وغيرها، لا يقبعون في جلساتهم الطوال تلك لأجل دافع التكسب حتى وإن كانوا يتكسبون من تلك المنتجات، بل يشبعون حاجة العقل بالاستغراق في نسج تفاصيلٍ ما تتشكل بفعل دفقٍ عقلي ينتقل إلى الأصابع ليخلق إما عبر قلم أو فرشاة أو إزميل ونحوها.

حين نستغرق في ممارسة الهوايات يستدعي الدماغ عمليات وحالات خلق متكونة ومكتومة فيعيد شبكها ونسجها من صيغتها البرمجية إلى صيغة مادية لتكون لوحةً أو منحوتة وغيرها. ما استغراق الإنسان في تلك العملية إلا لأن الدماغ يجري عملياتٍ محببة تطرح على صاحبها إحساساً بالسلام والسكينة، العلم يدخل من هذه النقطة ويكشف يوماً بعد يوم عن أهمية وفاعلية هذه العملية الإشباعية والتحفيزية للدماغ، الفضاء الإلكتروني عامر بالكثير من الأخبار والمقالات والأبحاث الداعمة لهذا الطرح.

2- تحقق الذات:

حين يجلس الإنسان قبالة إبداعه فإنه يشعر بحالة (تحقق للذات) ربما تشبه على صعيد التشبيه المادي، إضافة جرامات على ميزان قطعة الذهب، تحقق الذات هو الإحساس بزيادة قيمة الذات في نظر صاحبها وهو نابع من عملية الخلق والإيجاد، لعل غياب هذا التحقق هو أحد أسباب رمي الشباب لأنفسهم في محارق الإرهاب، فالفشل المتكرر في تحقيق الذات ورفع قيمتها، تناغيه الغايات الانتحارية التي تحرضه على طمس هذا الألم بالعنف والترفع عن الغايات الدنيوية، الانتحاريون لم يصلوا إلى احترام ذواتهم أو الإعجاب بها  أبداً.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية