أكرم الورفلي
article comment count is: 0

خليل الحاسي يكتب: كهف “هوا فطيح” موئل البشرية ومهدها

نخطئ دائما في تقدير حجم الحدث التاريخي داخل زمنه، وربما لا يستطيع التاريخ أن يكون آسرا إلا ببعض الاختلاق. لكن تاريخ قصة هذا الكهف يبدو أبلغ من سحر الاختلاق، وأشد إثارة من لعبة التشويق في الروايات. إنها جاذبية التاريخ الإنساني التي بك تسقط في مهاوي أعماقها من النظرة الأولى.

يقع هذا الكهف المليء بحكايات ما قبل التاريخ في أقصى الساحل الليبي من جهة الشرق، وتحديدا شرق مدينة “سوسة” بمسافة 9 كم وغرب قرية “رأس الهلال” الشهيرة بمينائها البحري الطبيعي بمسافة 15 كم. يصنف “هوا فطيح” على أنه أكبر الكهوف في حوض البحر الأبيض المتوسط، ومن أهم كهوف ما قبل التاريخ. يبدو ذلك الكهف عبارة عن تجويف طبيعي لحفرة انهيارية، أقصى اتساع عرضي لها من جهة الأرض يصل إلى 80 متر، وأقصى ارتفاع لسقفها يبلغ 23 متر عن سطح الأرض.

وإذا أردت قراءة كتاب تاريخي يوثق للاستيطان الإنساني غير المنقطع، ستجد ضالتك في تاريخ هذه الظاهرة الطبيعية التي تمثل سجلا تاريخيا يتجاوز عمره أكثر من 120 الف عام! في صيف عام 1948 أثار ذلك الكهف اهتمام الباحث الأركيولوجي “تشارلز ماك برني”. الذي بدأ الحفر والبحث والتنقيب عام 1951، واستمر في بحثه الطموح حتى عام 1955.

لم يخب حدس “ماك برني”، فقد رفع “هوا فطيح” الحجب عن أسراره لذلك الإنجليزي الشغوف بسر الإنسان. وكشفت أعمال تلك الأعوام عن ” تواتر طبقي يبدأ من العصر الحجري، وحتى الاستيطان الإغريقي في المنطقة”. استطاع ماك برني أيضا اكتشاف الآلاف من الأدوات الحجرية التي استخدمها إنسان ما قبل التاريخ. يقول الأستاذ “أحمد مفتاح الغزواني” الذي كان يساعد بعثة “ماك برني” في الترجمة حينذاك ( هذا وقد أكد الأستاذ ماك برني أن “وادى الناقة” غرب مدينة درنة وعين مارة وجود أدوات حجرية مثل التي وجدها علماء الآثار في فلسطين وهى تتعلق بالعصر الحجري الحديث الذي فيه استأنس الحيوان.

ثم جاءت لحظة الحقيقة، عندما استطاع ماك برني العثور على أجزاء من فكيين سفليين لإنسان ما قبل التاريخ أو ما يعرف “بالإنسان الحديث” الذي تنحدر منه سلالتنا البشرية. حيث قدر بعض العلماء الإنجليز عمر تلك البقايا بحوالي 40 ألف عام. عندما توقفت أعمال ماك برني، تشكل في عام 1955 فريق عمل مكون من عشرين باحث إنجليزي وخمسة عشر باحث ليبي. وبعد مرور نصف قرن من ذلك التاريخ، جاء عالم آثار إنجليزي آخر يدعي “جرايم باركر” عام2007  من جامعة كامبريدج، ليكمل ما توقف عنده “ماك برني”.

في ذلك العام انطلق العمل في برنامج جديد لإجراء استكشافات أثرية وجيومورفولوجية ضمن مشروع أطلق عليه مشروع “إقليم كيرينايكي” في ما قبل التاريخ، الذي كان تحت إشراف البروفسور “جرايم باركر”. استهدف ذلك البرنامج تطوير فهم تتابع الاستيطان البشري في الكهف، إضافة إلى العمل الميداني فيما حول الكهف لدراسة تاريخ المظاهر الطبيعية واستجابات الإنسان الأول لها. اشتمل المشروع أيضا إعادة الاستكشافات الأثرية داخل الكهف وكذلك إجراء مسوح أثرية وجيومورفولوجية موسعة خارجه. وقد شارك في هذا العمل عدد من الباحثين من جامعة “ليستر” البريطانية الذين أسهموا في تحليل وظيفي للأدوات الحجرية التي عثر عليها في طبقات الكهف.

وفي عام 2009 أجري مسح آخر “جيو أركولوجي” كان الهدف الرئيس منه، هو تحديد خصائص الآثار والجيومورفولوجيا في ثلاث مواقع أساسية في “الجبل الأخضر” والمنطقة شبه الصحراوية والصحراء، لوضع قاعدة بيانات جديدة قبل إجراء استكشافات أثريه علي نطاق واسع خارج حدود “إقليم كيرينايكي” وذلك يهدف بطبيعة الحال إلي ربط الآثار السطحية للعصر الحجري القديم من تلك الأقاليم مع التسلسل الزمني للطبقات العميقة في كهف “هوا فطيح”. اهتمت جامعة كامبريدج بشكل استثنائي بهذا المشروع وواصلت عمليات البحث حتى عام 2013 بمساعدة فريق من الباحثين الليبيين، إضافة لباحثين من إيرلندا وأستراليا وإسبانيا وإيطاليا. ولكن تداعيات الوضع الأمني المعقد في ليبيا، دفعت بفريق البعثة للخروج من ليبيا، وتسليم المشروع بالكامل لفريق بحث ليبي، تم تكليفه _ أو الرهان عليه أذا أردنا تحري التوصيف الدقيق _ من جامعة كامبريدج. وهي تعتبر سابقة في تاريخ أعمال الحفريات الليبية، إذ لم يسبق وأن قامت أية بعثه أجنبيه بتسليم حفرياتها وأعمالها إلى باحثين ليبيين.

استطاع ذلك الفريق إنجاز ذلك العمل على أكمل وجه في عام 2015 بعد أن وصل لعمق 15 مترا انتهت إلى أرض صخرية صلبة. أقيم مؤتمر علمي في جامعة كامبريدج فبراير 2015 دعي فيه كل من عمل في ذلك الملجأ الصخري حول العالم، بحضور البروفسور الايطالية “بربرة باريش”. كان محور نقاش المؤتمر عن “إنسان فطيح” وعن تاريخ البيئة والمناخ الذي كان سائدا في تلك الفترة، وكيف أثرت هذه التغيرات البيئية علي سلوك الإنسان في “هوا فطيح” وإنسان الجبل الأخضر ومنطقة ما قبل الصحراء وبداية الصحراء حتي سهل مدينة “بنغازي”. أثار بعض العلماء نظرية انطلاق الإنسان الأول من “كهف فطيح” باتجاه أوروبا والعالم في ذلك المؤتمر. مما أثار بدوره جدلا واسعا في أوساط علماء الآثار والأنثروبولوجيا. ولا زالت العينات التي أخرجها الفريق الليبي مؤخرا تحت الدراسة في معامل جامعة كامبريدج. وﻻ زالت الدراسات المعملية هي الأخرى قائمة حتي هذه اللحظة، ولا زال الجميع أيضا في انتظار أن ينشر آخر ما توصلت إليه البعثة في ذلك الكهف. فهل ستكشف لنا تلك الأبحاث عن المزيد من المفاجآت التي ستغير فكرتنا عن حقيقة موئل البشرية؟ ذلك ما سيجيب عنه العلم، وما ستوضحه نتائج العينات في معامل جامعة كامبريدج.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية