المهارة انموذج من نماذج المشاريع الصغرى والمشاريع المتناهية في الصغر التي هي العماد الصحيح لاقتصاد أي دولة - Huna Libya
المهاره ربح وشطاره article comment count is: 0

سندس الكاسح : الأشغال اليدوية من الشغف إلى المهارة

تصوير أماني حدّود

تحتفظ الذاكرة الجمعيّة في ليبيا بمثل: “يوفى مال الجدّين وما توفى صنعة اليدين“. وهو من الأمثال الإيجابيّة التي تحمل تقديرا كبيرا للكسب الشخصي ممثّلا في صنعة اليدين، فوق ما يرثه الشخص من أهله وذويه؛ فمهما كان الميراث كبيرا سينتهي، ولكن الاستثمار في الذات لا ينضب.

وفي محاولة لإعادة قراءة هذا المثل بعيون اليوم، نجد أنّ افضل توصيف معاصر لـ”صنعة اليدين” هو “المهارة” التي لها دور كبير في استقلال الفرد المادي واستقرار وضعه الاقتصادي، إذا ما تمّ استثمارها بالشكل المطلوب وتطويرها المستمر وصقلها المتواصل والانتقال بالمهارة من الهواية إلى الانتاج (خدمة – بيع/شراء – مستهلك). سندس الكاسح، شابّة طموحة، لها قصّة مميّزة في تحويل مهارة صقلتها، ونقلتها من شغف إلى عمل، أشغال اليدوية تحوّلت إلى مشروع (سوار) للديكوباج.

مطرقة، قماش، سلك، زينة، أشغال يدوية

من أين بدأت القصة؟

دائما ما كان سؤال البدايات مُهمّا، مع كلّ صاحب فكرة أو مشروع. كانت إجابة سندس الكاسح حول هذا السؤال: “منذ صغري، كنتُ أحبّ الأشغالَ اليدويّة وتحويل الورق والألوان والمقصّ والأقلام إلى لوحات فنية وخربشات. هذا الشغف منذ بداية تشكلي، يصعب عليّ إيجاد تفسير له، لماذا؟ وكيف؟. هي موهبة وُلِدْتُ بها وميول لديّ زاد تعلقي به كلما تقدمت في العمر”.

تبدو إجابات سندس أعمق من عمرها، وهي لا تسمح لي بالغوص أكثر في التفاصيل؛ فتبادرنا دون سؤال منا فتقول: “أهلي بالنّسبة لي كلّ شيء. لولاهم لما كانت سندس. وبالحديث الخاصّ عن شغفي – ومن ثم مهنتي – بالأشغال اليدويّة؛ كان أهلي همُ السّبب الأوّل والأبرز والأهم في دعم هوايتي وتشجيعي في تنمية مهارتي والدفع بي في السير في استثمارها، بل ربما أقول أبعد من ذلك: الاستثمار فيّ أنا كإنسان”.

سندس الكاسح، ترسم، تعمل، أشغال يدوية

نلمس من إجابة سندس الدور المهمّ لثنائية تطوير الموهبة وتحويلها إلى مهارة، ودعم المجتمع للذهاب بعيدا بهذه الموهبة. تقول سندس: “في صِغري، وبدعمٍ من أهلي، كنتُ أشارك في المعارض والمسابقات المدرسيّة, البسمة التي كنتُ أراها على والديّ كانت لوحدها سببا في استمرار مضييّ قُدُما في شغفي وعملي في الأشغال اليدويّة، شعورٌ لا يوصف عندما تجد سرور أهلك بك وبما تعمل”.

نقاط تحوّل لا بدّ منها

في مسيرة كلّ صاحب موهبة، هناك نقاط تحوّل. النقطة الأهمّ بنظري تكون عندما يقرّر أن يأخذ خطوة إلى الأمام تجاه موهبته؛ مثلا بصقلها أو نقلها إلى مهارة. في تجربة سندس كانت الدراسة – رغم أهميتها بالطبع – عائقا أمام صقل موهبتها. تقول حول ذلك: “مارستُ الأشغال اليدويّة بمختلف أنواعها وخصوصا فنّ الديكوباج؛ ولكنّي لم أطوّر من موهبتي حتى أكملتُ دراستي. بعد ذلك قرّرتُ صقل موهبتي ببعض الدورات التدريبيّة في فنّ الديكوباج (تحديدا: فنّ الرسم على الصحون وغيرها باستخدام الورق) ومن ثمّ حوّلت هذه المهارة إلى مشروع تجاري”.

قماش، خيط، زينة، ديكوباج، سندس الكاسح

التسويق والتشويق: تسويق الذات وتشويق المنتج

من أبرز عقبات تحوّل المهارة إلى خدمة/مُنتج “مشروع اقتصادي” هو تسويقها. فهمها كان المُنتج/الخدمة جيّدا فلن يؤثّر في بيعه كثيرا ما لم يعلم أكبر قدر ممكن من الناس به وبمواصفاته ومميّزاته وكيفية الحصول عليه. سألنا سندس عن التسويق، وما الذي فعلته بعد أن اتخذت قرارها/نقطة تحوّل بتحويل مهارتها إلى مشروع تجاري، فكان ردّها:

“في البداية، قمتُ بالتسويق داخل نطاق أصدقائي وعائلتي وهم بدورهم مع دائرة معارفهم، كنوع من التجريب ومراقبة وقع المنتج على المشتري وايضا محاولة الوصول إلى النضج ما أمكن قبل طرحه في السوق. المُنتج كان يتحدّث عن نفسه، لم أكن أسهب في شرح أعمالي، ولم يكن أصدقائي/عائلتي يقصدون بالدرجة الأولى التسويق لي. ولكن بكل بساطة، ما أن يرى شخص ما في دائرة معارفهم المُنتجات التي أعملها، حتى يقول ببساطة: من أين اشتريتها؟ وكيف يمكنني الحصول عليها؟”.

أشغال يدوية، ديكوباج، سندس الكاسح

ولكن هل كان ذلك كافيا في تسويقها لأعمالها؟ بالتأكيد لا. تقول سندس الكاسح: “الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي كانت منصّة مهمّة للتسويق. كثيرون يقلّلون من أهميّتها فتجد عملا جيّدا يهمل حضوره على مواقع التواصل، والتي أصبحت محورية في المجتمع الليبيّ. افتتحتُ صفحات عل مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة؛ لتكون واجهتي التسويقيّة بحيث أعرض اعمالي وأستقبل أيضا طلبات الزبائن ورغباتهم”

نقطة سندس مهمّة حول محورية مواقع التواصل الاجتماعي اليوم. ولكن هل هي واجهة تسويقية فقط. تستمر سندس الكاسح في إثارتنا فتقول: “هذه المواقع الاجتماعية رغم أنّ غرضي الأساسي منها في البداية كان التسويق، ولكن فيما بعد، ظهر لها دور آخر ومهم لمواقع التواصل الاجتماعي، وهو التفاعل المباشر مع المشتري والزبون والمتلقي. لقد استلمتُ – ولا أزال – تقييمات مهمّة وملاحظات ملهمة ساعدتني كثيرا على تطوير العديد من منتجاتي واستحداث منتجات جديدة وأفكار جديدة”.

ظرف، ورق، زينة، ورد

تتوقف سندس قليلا عن الكلام وكأنّها تفكّر في شيء ما، أو متردّدة في قول شيء ما، ثمّ تفصح عنه فتقول: “أخبرك سرّا – طبعا هو لم يعد سرّا الآن، يأتيني شعور لا يوصف عندما أقرأ كلمات شخص اشترى منتجا لي، وهو يشكره ويثني عليه وعلى صاحبته”. تسترسل سندس لتؤكّد على نقطة أخرى في أماكن تسويق منتج المهارة، فتقول” “الحضور أونلاين ليس كافيا، من الضروري أن يكون لمنتوجات مهارتك وجودا أوفلاين. لذلك أحرص على أن أشارك في المعارض المتخصّصة في بيع المنتجات/الأشغال اليدوية؛ لزيادة الترويج لمنتجاتي”.

كان آخر ما قالته لنا سندس الكاسح في لقائنا معها: “أنا لا زلتُ في البداية وأعمل على تطوير نفسي كل يوم، وحاليا أعمل على زيادة الخامات التي أشتغل عليها، وكذلك العمل على تغطية المناسبات الخاصة والأفراح وتوسيع نطاق عملي الكمي والكيفي. وأفتخر أنّي وصلت بمشروعي إلى مستوى مربح مادياً، و يمكن أن يعتمد عليه دخلا ثابتا ومريحا”.

سندس الكاسح، ألوان، أقلام، أشغال يدوية

سندس ليست الأولى ولن تكون الأخيرة

يوجد الكثيرون مثل سندس بعضهم لا تنقصه الموهبة ولكن تنقصه العزيمة لخوض التجربة. المشاريع القائمة على المهارة في العادة لا تحتاج إلى رأس مال كبيرة في البداية، كما أنّ سوق العمل الليبيّ أثبت أنّ المهارات – بمعناها الشامل – مصدر مريح ومربح للدخل. وإذا نظرنا بمنظار أوسع؛ فالمهارات هي انموذج من نماذج المشاريع الصغرى والمتناهية في الصغر، وهي في حقيقتها اللبنة الأساسية والصحيحة، لنمو اقتصاد أي دولة.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (0)

  1. مشاء الله بالتوفيق ..وشكرا لكم على هذا الاطراء والسرد الجميل
    واتمنى ان تكون هناك إسقاطات عديده على المشاريع الصغرى والمتوسطه ..فهنالك العديد من الشباب والشابات الليبين الطموحين … ومره اخرى ارفع القبعه لاختي الصغيره لما قامت به وبالتوفيق باذن الله

  2. سندس صديقة الجامعه كانت مميزه وشغوفه من يومها ربي يوفقك في مشروعك وانشوفك من سيدات المشاريع الكبرى ❤️