في ظلّ مشاكل السيولة والبطالة وقلّة عدد العمالة الوافدة؛ تبرز المهارات الشخصية كمصدر ممكن ومهم للدخل - Huna Libya
صنعة اليدين ولا مال الجدّين article comment count is: 0

مهاراتك، بوّابتك إلى راحتك الاقتصادية

هناك أزمة سيولة خانقة، وارتفاع في مستويات البطالة مع تراكم عدد الخرّيجين في مجالات مختلفة دون أخذ الاعتبار لمتطلّبات سوق العمل الليبيّ، إضافة إلى ندرة العمالة الوافدة/المستوردة في ليبيا جرّاء الحروب المتتالية، والذين يقومون بغالبيّة الأعمال اليدوية من تنظيف الأحذية إلى تشييد الأبنية، ويتحصلون بذلك على دخل جيّد، قد تطوّر أحدهم من “برّاكة” خضراوات إلى سوق كامل. بينما الليبيّ جالسٌ على عرشه غاية أمله أن يتحصّل على وظيفة حكوميّة. في هذا المقال المختصر، سنحاول معا تلمّس الإجابة على سؤال: كيف ينظر المجتمع إلى المهارات؟ ولماذا هي مهمة اليوم؟

مهارات، يدوية، حرف، طاولة، زهور - المهارات كمصدر للدخل

السبعينيات: الوظيفة تحلّ محلّ المهارة

منذ بداية السبعينيات، وانتشار المدارس بمختلف مراحلها في العديد من المدن الليبيّة وحتى الأرياف، والتي فقدت طابعها الريفيّ باكتساح المدنية معالمَها وهجرة سكّانها لأعمالهم المعتمدة على المهارة المُكتسبة من طبيعة الحياة في الريف….. مع مجانية التعليم الذي فرضته الدولة في كل مراحله، بل وإعطاء منحة دراسيّة للطالب تشجيعا له على الدراسة ولتوفير مصدر لنفقاته الخاصة؛ كل هذه الأسباب جعلت النظرة إلى تعلّم مهارة واكتساب حِرفة عند الشباب أمرا غير ضروري؛ إذ فُرَص العمل متوفّرة مع بناء مؤسّسات الدولة في إطار نظامها السياسيّ الجديد وبمختلف مسمّياتها في تلك الفترة.

الكلّ يجد فرصة عمل مناسبة ومرتّبا شهريّا يضمن له حياة مستقرة. وتمادى الأمر بإهمال مراكز التدريب على المهارات البسيطة والتي كانت قائمة ولم يعد الشباب يرتادها لاكتساب مهارة وباتت المؤسّسات التعليمية في ذاتها لا تهتمّ بإدخال مهاراتٍ ضمن المناهج لإعداد الشباب من الجنسين، فقد تلاشت كل الحِصص الخاصة بالمهارات الفنية والتقنية؛ فلا حِصص صناعة ولا زراعة ولا أشغال يدويّة ولا رسمَ ولا أيّ نشاط يكسب مهارات بتاتا (عكس بداية الفترة الملكيّة في ليبيا قبل النفط). وحتى عندما تدارَك التعليم المشكلة في أواخر الثمانينيات وأضاف مادّة التقنية للمنهج؛ سُرعان ما أخفقت وألغيت مناهجها، فلم يكن لها معلّمون ومدرّبون على المستوى المطلوب، فقد كان تدريسها نظريّا ولم يحقّق الجانب المهاري المطلوب. بل صارت مَللا وإرهاقها للطالب بحفظها دون تطبيق، ولا مناص من إلغائها.

النول، الخياطة، النسيج

ماذا عن الآن: فرص قليلة وقدرات مهدورة

مع تقلّب الأحوال وتبدّل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ليبيا خصوصا بعد 2011م لم تعد الفرص الذهبيّة للعمل باقية تتنظر الشباب لتحتويهم خصوصا وأنّ الليبيّ على مدار عقود نظر إلى العمل اليدويّ نظرة دونيّة تنقص من مكانته الاجتماعية. ولكن الآن وبعد أن سُدّت الأبواب وتكدّس الخريجون أمام المؤسسات المغلقة والخالية تماما من أيّ نشاط يعبّر عنها كمؤسسة. وصار شبح البطالة والعوز يُطارد الشباب وينغّص عليهم حياتهم ويملأ نفوسهم يأسا؛ فإنّا الآن أمام مفاهيم جديدة تتشكّل داخل المجتمع الليبيّ. ويمكننا القول أنّ معظم الشباب الليبيّ ظلّ سنوات عديدة لا مدخولَ ماديّ لهم ينفقونه على حاجاتهم الشخصية، ففي الغالب يعتمد  على راتب والده أو والدته على الرغم من حصوله على شهادة أكاديمية تؤهله ليكون مديرا.

وحيث أنّ  دوام الحال مُحال، والإنسان السويّ يملك من المهارات الحياتية المكتسبة من وجوده في مجموعة والتي تساعده على التأقلم مع ظروف المعيشة المتغيّرة؛ فكان لا بُدّ من قفزة جبّارة تجتاز كل تلك السلبيات، قفزة يقوم بها أولئك الشباب وهم يشدّون أيدي بعضهم بعضا؛ فظهرت أهمية اكتساب المهارات على أمل أن يدركوا  أن اكتساب المهارة والعمل بها – المهارات كمصدر للدخل – لا غنى لهم عنها وهي الاستثمار الحقيقي في اقتصاديات القرن 21.

خياطة، إبرة، مقص، مهارات، حرف، يدوية

اليوم، لا نستغرب عندما نرى شابّا ليبيّا يقف أمام الفرن ويخبز بمهارة وهو خرّيج العلوم. ولا نستغرب أيضا عندما نرى شابا آخر يطلي الجدران بفنّ وإبداع وهو خرّيج الآداب، وقس على ذلك فتاة ليبية تصنع الحلويّات وهي خريجة طبّ الأسنان. في الماضي كان يُعاب على أصحاب الأعمال اليدويّة. ولكن هذه الظروف الاقتصاديّة الصعبة التي يمرّ بها المجتمع الليبيّ، تغيّر تدريجيا من نمط التفكير والنظر للأمور من زوايا جديدة . فالكسب المادي هو مفتاح الأمان، والأمان أوّل حاجات الإنسان في معيشته.

المهارات ونموّ القطاع الخاصّ

مع بزوغ أهمية المهارات كمصدر للدخل نهض القطاع الخاص، وصار له دور هام في إعداد الشباب للعمل وإكسابهم مهارات جديدة. فقد أُسِّست مراكز تدريب خاصة تقنيّة وحِرفيّة مثل مراكز تعليم السوفت ويرز والشبكات تلك المهارة التقنية التي لا بُدّ للشباب من إتقانها فهي العصا السحرية لتحقيق الدخل السريع. وكذلك مراكز فنون الخياطة والطبخ والمكياج للفتيات، ومراكز تدريب على أعمال الورش والتصليح ومراكز مهن مساعدة كالتمريض والإسعافات الأولية وانتقل الشباب بذلك إلى مستوى أنسب لهم من الحِرف العشوائية التي اكتسبوا مهارة أدائها بسبب الحاجة إلى الدخل المادي.

ويجب هنا أن نذكرَ مجموعات الشباب الذين يؤسّسون مشروعات صغيرة بمجهوداتهم الذاتية وبرعاية حاضني ريادة الأعمال والتي تقدّم خدمات للمجتمع وتحقق لهم دخلا مربحا تغنيهم عن انتظار الدولة؛ لتقوم بدورها الطبيعي تجاههم وتغير من سياسة التعليم وتضع خططا لتطوير المناهج البائسة والتي تهمل تماما التدريب والتطوير و إكساب المهارات.

مهارات، أيدي، طين - المهارات كمصدر للدخل

من طرحنا ليبيا كانموذج نجد أهميّة المهارات كمصدر للدخل أهميّة قصوى. وعليه ينبغي على كلّ شابّ أن يتعلم الحرف والأعمال اليدوية ويطوّر مهاراته الشخصيّة، وأن ينخرط في المجالات التقنية والفنية والمشاركة في أنشطة مؤسّسات المجتمع المدني والمبادرة في الأعمال التطوعية؛ ففيها يجد المساحة للعمل بمهاراته المتنوّعة ويصقل شخصيّته ويدعم نفسه ويضمن كسبه المادي من دخل مضمون بضمان اكتسابه المستمر والمتنوع  للمهارات.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (0)