ازداد العمل المستقل في ليبيا، حديثاً لأسباب كثيرة، تعدّ مؤشراتٍ على تغيرات كبيرة في المجتمع - Huna Libya
Freelancing article comment count is: 2

الخبز أيّام الحرب، معنى أن تكون مستقلّا

في دراسة علمية لجامعة ستانفورد بزنس عام 2015، وشملت أكثر من 15 ألفَ موظّفٍ مُستقلٍّ يعملون من بيوتهم، وُجد أن الإنتاجية والكفاءة في الأداء الوظيفيّ تزداد لدى أداء العمل من البيت دون الالتزام بدوام العمل. إنّه خبرٌ جيّد لمن لا يحبّون الاستيقاظ مبكّراً، أو يفضّلون العمل ليلاً.

العمل المستقل “Freelancer” : هو العمل الذي لا تحتاج فيه إلى تتبع إملاءات مديرك أو مديرتك، لا تحتاجُ أن تلتزم بدوامٍ صارم، ولا يُحاسبك أحدٌ على الاستيقاظ متأخّراً، ولستَ مضطرّاً للانتظار حتى نهاية الشهر للحصول على مالك؛ فالعمل دون التزامٍ طويل الأمد؛ تُحاسبُ فيه وفق المهام أو الخدمة التي توفرها بشكل مستقل.

يبدو العمل المستقلُّ بما ذكر، مليئاً بالإيجابيات، لعلّ أهمها الاستقلالية الظاهرةُ وإن جزئياً؛ وقد ازداد هذا النوع من الوظائف ازدهاراً بشكل واضح في ليبيا، حديثاً لأسباب كثيرة، تعدّ مؤشراتٍ على تغيّرات كبيرة في المجتمع الليبيّ.

رجل يدفع تروسا حديدية مختلفة الأحجام - العمل المستقل

تحديات السوق في ليبيا

لا توجد إحصائيّات توثّق بالتحديد عدد من اختاروا الوظيفة المستقلّة في ليبيا. لكنّ الملحوظ أنّ هذا النوع من الخدمات في ازدياد. فبعد أن كانت مقتصرة بين التصوير والتصميم الإبداعي “Graphics Designer” والمراسلة الصحفية، امتدّت إلى مجالات عديدة.

مالك حداد (24 عاما) طالبُ طبٍّ بشري من بنغازي، رسّام ديجيتال، يقدّم خدمةً تُعد حديثة على الاستهلاك المحلي، يصمم ويرسمُ شخصيات كوميكس وشخصيات ألعاب فيديو ومنتجاتٍ أخرى..

امتهن مالك الرسم بشكل مستقلّ دون الاضطرار إلى تقديم سيرة ذاتية أو إجراء مقابلة عمل أو البحث عن قريب أو صديق لتوظيفه. بدأ مع طلبات محليّة لأفراد أو بعض المؤسسات، قبل أن يتجه لعرض أعماله على منصّات عالمية عابرة للحدود مثل Art Station يعرض الرسّامون والمصمّمون فيها مواهبهم ويتم العرض والطلب والدفعُ عبر الانترنت.

مالك حدّاد - العمل المستقل
مالك حداد – رسام ديجيتال، بنغازي

توفر هذه المِنصّات الانتشار والعلاقات، كما توفر الخبرة والتجربة لممتهنيها، فـ(مالك) مثلاً أصبحت له أعمالٌ مع شركات ألعاب وكوميكس في دول كالولايات المتحدة وكندا وغيرهما، يُنجزُ أعماله في أجوائه دون أن يغادر غرفتهُ في بنغازي؛ إلا إذا أثقلت عليه مواسمُ طرح الأحمال. غير أن الانتشار والخِبرة ليستا كلّ شيء، وجنيُ الخبز أهم دافع  للعمل وتحمّل الضغط والالتزام بمواعيد التسليم.

في حالة (مالك) حيث أغلب زبائنه خارج ليبيا، تشكّل تعقيدات الحوالات المالية للمصارف الليبية وفرق قيمة المدفوع بالدولار، بين سعر البنك والسعر المُوازي أوّل التحديات.

يلجأ من لهم حوالات من الخارج إلى آليات بديلة لاستقبال أموالهم في هذه الظروف، مثل: استبدال المبالغ بدل استلامها في شكل بطاقات أمازون أو غيرها من بطاقات يمكن استبدالُها وبيعُها محلياً. غير أن هذا الحلّ لا يتماشى مع الجميع ولا مع كل الزبائن؛ لا سيّما لدى التعامل مع شركات أو مؤسّسات لا تقبلُ تغيير طرقها في الدفع للمتعاقد معه.

يلجأ آخرون لفتح حسابٍ بنكيّ في تونس أو إحدى الدول التي يمكن السفر لها دون تأشيرة للحصول على المبلغ نقداً هناك والعودة به، دون تغيّر سعر الصرف بين السوق الموازي والبنك المحلي ودون الحاجة إلى الانتظار في صفوف طويلة.

لكن في حالة (مالك) لا يمكنه فتح حسابٍ خارج ليبيا، فإلى جانب تكاليف ووقت السفر الذي لا يتماشى مع طالب جامعي، لم يتمكّن مالك بعدُ، رغم كل محاولاته، من استخراج جواز سفر.

نصة ألقاني - ALGANI

الوصول إلى الزبون سواء كان شركة أو شخصاً؛ هي أيضاً مشكلةٌ للمستقلّين العاملين محلياً، يقول  (أحمد راشد) -مؤسس منصة “ألقاني” لعرض المشاريع، وهي مشروع خاص ناشئ – إن أبرز مشاكل العاملين المستقلين عدم مقدرة أغلبهم على التفاوض مع الزبون المحلي أو عدم ضمان التزامه بالدفع.

إلى جانب حاجة المستقل مهنياً إلى مهارات إدارية مهمة من تسويق وتفاوض وشراكات وأمور تنظيميّة لجعل عمله احترافياً، وهي أمورٌ يفتقر لها أغلب من يجدون أنفسهم فجأة مضطرين للعمل مستقلّين، وكانت مؤسّساتهم توفر لهم هذه الخدمات. يقول (راشد) “إنّ خدمة ألقاني ستعمل على توفير خدمات من هذا النوع للعاملين المستقلين”

الخروج من الـ Comfort Zone

خلال السنوات الثلاث الماضية، شكّلت مستويات البطالة في ليبيا الأعلى منذ عقود، قدّرتها تقارير البنك الدولي بنحو 17%، وهذا أعلى من نسبة البطالة في دول مثل الأردن والمغرب وتونس.

وعندما نتحدّث عن البطالة في ليبيا؛ فإنّنا يجب أن لا ننسَ أنّ هناك البطالة الظاهرة والموثقة و”البطالة المقنّعة” حيث يتقاضى آلاف الموظفين رواتب من الحكومة، دون إنتاجية أو تعلم. ويعدّون تلك السنوات خبرة في مسيرتهم، وعادة ما ترافق هذه الأعراض انتشارَ الفساد.

وطالما غطّى القطاع العام في ليبيا البطالة والفساد المتمثل في أشكال عديدة مثل: آلاف الوظائف الوهمية، وازدواجية التوظيف، واختلال طرق التوظيف عبر الوساطات والمحسوبيات. وساهمت ريعيّة الدولة في اتجاه أغلب القِوى العاملة إلى القطاع العام في الوظائف.

شكّل هذا لدى الليبيّين مفهومهم الخاص عن الاستقرار الوظيفيّ، وحقوق الدولة تجاه مواطنيها، ومفهوم الخبرة والاحتراف. ومن سياقٍ كهذا تتضحُ أهمية نشوء فئة عاملين خارج القِطاع العام، يُغامرون بدخول نمط عمل جديد بما يرافقه من تحديات.

إنّ دوافع اختيار العمل المستقل مختلفة؛ إمّا الاضطرار وانعدام الخيارات، أو كوسيلة دخل إضافية، أو تمهيداً لبدء مشروع خاص أو غيرها من الأسباب المرتبطة بغياب الاستقرار من غلاءٍ، ونقص فرصٍ، ونزوحٍ لمدن أخرى يؤدي إلى فقدان العمل، ونقص السيولة النقدية، وتجنبا لخيارات تكيّف أخرى سلبيّة؛ كالانضمام إلى مجموعة مسلّحة يسهل الكسب فيها.

رجل يصعد الدرج

تجارب عالمية

يعدّ العمل المستقل جزء من اقتصادٍ يُعرف بالـgig economy أيّ سوق العمل الحر. حيث التوظيفُ لعقود قصيرة وفق طلبات أو مهمّات، ودون التزام طويل الأمد. والالتزام يقصد به الامتيازات الممنوحة من التوظيف بدوام كامل؛ كالإجازات السنوية والمرضية والعلاوات والتقاعد كل هذه يحرم منها العامل المستقل ضريبة استقلاله.

وقد أفاد تقرير لمنصّة أب وورك أن مساهمة العاملين بشكل مستقل في الاقتصاد في أمريكا يقاربُ مليار دولار سنوياً، ويفوق عددهم خمسين مليون موظّف مستقلّ في الولايات المتحدة الأمريكية، التي يُتوقع أن يُصبح فيها العمل المؤقت المستقل وجهة القِوى العاملة مستقبلاً.

لقد نشأتْ حاجة الناس إلى العمل المُستقل في دول عديدة منذ سنواتٍ لأسباب مختلفة، وفي سياقات غالباً لا يمكن تطبيقها على الحالة الليبيّة.

فالخصخصة الواسعة مثلاً وندرة فرص العمل في القطاع العام أدّت في مجتمعات أخرى إلى تغوّل واستغلال الشركات لموظفيها، ودفعت إلى اللجوء إلى عملٍ أكثر حريّة وإن كان الاستقرار الوظيفي والاستدامة مهدّدان، وتثبت بعض التجارب أن التحول للعمل دون مدير أو التزام لم يعنِ التحرّر من قيود الرأسمالية، بل أدى لمشاكل أُخرى.

خاتمة

لا يزال أمام المستقلين في ليبيا إذاً طريق طويلة قبل الوصول إلى تعقيدات أسواق العمل في دول كبرى، ربما عليهم البدء بالتغلب على مشكلة عدم وجود مجتمع منظم بعدُ، ينظّم ويقوّي العمل من حيث تنظيم التنافسية في الأسعار، وحقوق المستقلين، والاعتراف بهم محترفين، وإن لم ينضمّوا إلى مؤسّسات بدوامٍ كامل.

إنّ التجربة في ليبيا سياقها مختلف وتملك مقوّمات الاتجاه إلى تتائج مختلفة عمّا حدث في دولٍ أخرى، وما تغيّر أشكال الوظائف والتوظيف والأعمال سوى مؤشرٍ وعارض على تحولات اقتصادية أكبر.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (2)

  1. اختي الفاضلة نجوى وهيبة يوجد مثل في بلدي الاْردن يقول العب وحدك تيجي راضي زي المثل الليبي كل واحد يلعب قدام حوشى احيانا اختي الفاضلة تكون صومعة العزلة والتوحد إيجابية على المرئ فلكي كل الاحترام والتقدير

  2. فعلا طرق الدفع أكبر مشكلة الليبيين ما يعترفوش بحقك في سعر عادي زي المكاتب لما تبدا خدام بروحك عادي ياكلولك حقك او ينقصوه