اقرأ المقال، فقد تظنّ نفسك مستثنى من البطالة بينما أنت واقع في حبالها ولا تدري - Huna Libya
عاطل عن العمل بمرتب! article comment count is: 6

البطالة في ليبيا: مأساة اقتصاديّة ومشكلة هيكليّة

إذا كنتَ تتقاضى مرتّبا، فأنت مستثنى من البطالة! هذا هو التصوّر العام للبطالة في ليبيا؛ بحيث تقترن مع المرتب ولا تتعلق بالعمل. هذا التصوّر مشوّه قليلا، إذ أنّ هناك أنواعٌ من البطالة – كما سنوضّح في مقالنا المختصر هذا – يقترن فيها المرتّب بالعطالة (التوقف عن العمل) وهذا أمرٌ شائعٌ جدّا في ليبيا.

تعرّف منظّمة العمل الدوليّة ILO البطالة بأنّها: حالة الفرد، القادر، والراغب، والباحث عن العمل دون جدوى في العثور على الفرصة المناسبة والأجر المطلوب. ومن منطلق هذا التعريف نجد أن البطالة في ليبيا لها أنواع عدة، فمنها:

1. البطالة الكاملة: وهي التوقّف الكامل عن العمل، وعدم وجود فرص لمزاولة الأنشطة العمّالية. هذا النوع من البطالة، بدأت نسبته في ازدياد في ليبيا لأسباب عِدّة سنتناولها لاحقا. ولكن العامل الأبرز في تحديد البطالة في هذا النوع، هو “الرغبة” بمعنى أنّ الشخص يرغب في العمل ويبحث عنه ولكنه لم يجده.

شخص يجلس على كرسي في غرفة فارغة وهو يبكي ويحمل بين يديه لافتة مكتوب عليها Help / مساعدة

مشكلة البطالة مركّبة في ليبيا، فهي جزء من مشكلة هيكليّة وهي ترسّبات نظام اشتراكي سابق قوّض القطاع الخاصّ ووسّع دائرة القطاع العامّ. وأيضا جزء من المشكلة تربويّ؛ الشابّ لا يفكّر في العمل حتى يفكّر في الزواج؛ لأنّه لا يعيش مستقلا، بل في منزل أهله، وسكنه مضمون ومأكله مضمون، فما الداعي للبحث عن عمل؟ بينما الشّابة، وللصورة النمطية التي رسمها المجتمع لها، فهي مخلوقة للبحث عن زوج والذي قد لا يروقه عملها من الأساس؟!

2. البطالة الجزئية: وهي توقف العامل عن العمل بعد أداء عمله سواء كان عمله بدوام جزئي أو تناوبيّ. وهذا النوع تحدّده “القدرة” بمعنى أنّ العامل/العاملة بإمكانه العمل لفترات أطول، ولكن نطاق العمل متشبّع أو محدود، فلا يطلب منه إلا عملا جزئيا. هذا النوع أقلّ الأنواع شيوعا في ليبيا، ربما للأمر علاقة بديموغرافيا وجغرافيا المنطقة.

شاب يرتدي بذلة، جالس وهو يبكي وبقربه حقيبته - البطالة

3. البطالة القاهرة: وهي الناجمة عن خروج الشركات العالمية من البلاد مما أدّى إلى توقف العامل عن العمل بسبب الأوضاع الأمنية، وانهيار عجلة الاقتصاد والتنمية في البلاد. هذا النوع يجد العامل/العاملة فيه نفسه خارج سوق العمل بين عشيّة وضُحاها، مرغما على البطالة دون رغبة منه.

هذا النوع في ليبيا ونتيجة لعدم الاستقرار ازدادت نسبته جدا مع مرور الأيام وتوالي الأزمات، وخروج الشركات والسفارات التي كانت توفر وظائف عديدة بدخل جيد. أيضا، مستقبلا – ليس ببعيد – ستتعرّض بعض التخصّصات إلى بطالة قاهرة بعد استغناء سوق العمل عنها، مثل “النفط والقطاعات المرتبطة به” والتي يتزاحم الطلبة على دخولها اليوم في تضخّم مستمرّ. وعندما تنتهي صناعة النفط، فأين سيذهبون؟.

4. البطالة المقنّعة: وهي تعني زيادة عدد العاملين عن الحاجة الفعليّة في سوق العمل، ممّا يسبّب وجود فائض عمّالي لدى الجهات العامة، وهذا النوع من البطالة يطغى على الأنواع السابقة في ليبيا، فنكاد لا نرى جهة عامّة سواء في مؤسسات القطاع العام أو الأجهزة الحكومية إلا ولها ملاك وظيفي بالآلاف. ويُقاس عليه، أولئك الذين يتقاضون مرتّبا وهم لا يذهبون إلى عملهم ولا يقدّمون أيّ إنتاج في أعمالهم، وما أكثرهم في ليبيا.

هذا النوع من البطالة يؤدّي إلى زيادة الأعباء والتكاليف الإدارية على المؤسّسة المشغّلة للعاملين، ممّا ينتج تدنّيا في المستوى الإنتاجي يصحبه ضعف في الكفاءة وتدريب العاملين، وهذا بدوره يؤدي إلى هجرة الكفاءات والعقول لعدم توفير الاحتياجات النفسية والمادية والاجتماعية لهم، فنكون بصدد منظمة يطغى عليها الفساد والمحاباة والواسطة.

شاب جالس على الدرج، ويضع أيديه على رأسه - عاطل عن العمل

أسباب البطالة في ليبيا

للبطالة أسباب عديدة، ولكلّ مجتمع خصوصيّاته التي تؤثّر على هذه الأسباب. ورغم محاولتنا حصرها في 4 أسباب ننظر لها على أنّها رئيسة؛ فهذا لا ينفي غيرها، بل لا ينفي في الوقت نفسه التقاطع بينها، فمشكلة البطالة مركّبة: مشكلة نظام – ثقافة – دولة – غياب الرؤية.

يرجع السبب الأول في البطالة إلى الحروب والصراعات في البلاد، ممّا يخلق لدى العامل حالة نفسيّة تجعله زاهداً في الإنتاج وعدم رغبته في تطوير عجلة التنمية، وذلك لعدم توفير أدنى متطلّبات الحياة، فضلاً عن نزوحه من مكان عمله وسكناه، مما ينبت في عقله الباطن أن البلاد لا يمكن لها أن تقوم وأنّ عمله أكبر من مرتبه الذي لا يستطيع أن يتقاضاه في ظلّ نقص السيولة وارتفاع سعر الدولار.

شاب يجلس على كرسي في غرفة مظلمة بينما الضوء مسلطا عليه، وهو يضع يديه على رأسه

السبب الثاني يرجع إلى السّياسة الاقتصادية في البلاد، فهي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد دون التصدير، وهذا بدوره يؤدي إلى عدم خلق فرص للعمل في البلاد. أيضا هذه السياسات الاقتصاديّة، يغيب عنها التخطيط المسبق ووضع الاستراتيجيات. فمثلا: لا يوجد هناك ايّ تعاون بين وزارة التعليم (سياسات تعليميّة) ووزارة العمل (سياسات توظيفيّة) فتجد كليّة الطبّ البشريّ مثلا، تستقبل سنويّا قرابة الألف طالب، دون النظر إلى حاجة سوق العمل من الأطبّاء، فيحدث تكدّس عمّالي (أطبّاء) سنويّا ممّا يزيد من حجم البطالة داخل القطاع الصحّي.

السبب الثالث عدم العدالة في قيمة المرتبات لدى الجهات الحكومية، فمثلاً نجد أن ما يتقاضاه شخصٌ دون مؤهل في ميليشيا أكبر مما يتقاضاه طبيب درس 7 سنوات، أو معلّم له خبرة في التعليم تفوق 20 سنة، أو موظف في جهة عامة أفنى عمره فيها.

وهُنا يُسائل الفرد مجتمعه عن جدوى التعليم من أساسه؟!. وهذا بدوره يؤدي إلى هجرة العقول والكفاءات لدى الجهات العامّة أو توقفها عن العمل، مما يخلق لديها فسادا إداريّا وماليّا، وهذا للأسف ما نراه في أغلب مؤسساتنا الحكومية.

السبب الرابع شغل العامل في غير تخصّصه. فمن لديه دبلوم خياطة يمكن له أن يعمل في جهة أمنية، ومن لديه دبلوم ميكانيكا يستطيع أن يعمل في جهة صحية، وهذا بدوره يؤدي إلى انعدام الإبداع لدى العامل في العمل المناط به، مما يجعله غير فعّال في الجهة التي يعمل بها، ويتقاضى مرتبا دون أيّ عمل منه، وهذا ما رسّخه بيان مصرف ليبيا المركزي عن إنفاق المرتبات منذ 1 يناير 2019م حتى 30 يونيو 2019م، بإجمالي النفقات المقدّرة 12.643 مليارا، وقد ذكر المصرف في بيانه أنّ شهر يونيو غير متضمّن في النفقات لعدم وروده من وزارة المالية، أي أن الانفاق السنوي على المرتبات في ليبيا يقدر بـ 26 مليار دينار ليبي! (أكثر من 18 مليار دولار بسعر المصرف المركزي، فقط مرتبات!).

فتاة تضع رأسها على أيديها وهي متكئة على المكتب في وضع كئيب حزين يبدو أنّها تبكي - وحش البطالة

خاتمة: مجتمع الأزمات، مجتمع دائم التشكّل

إن البطالة في ليبيا لا يمكن مكافحتها إلا بتكاثف جهود صنّاع القرار، ووضع سياسة اقتصادية واضحة تخلق فرصا للعاملين، تؤهّل من خلالها الخريجين من الشباب بما يتطلّبه سوق العمل، وتنشّط المناخ الاقتصادي وتطوّر أساليب وطرق العمل، بالإضافة إلى إقامة المشاريع التي تحتاج إلى أيدٍ عاملة، عن طريق عمل دراسات استراتيجية، وإنشاء مراكز متخصّصة تنظم العمل داخل المجتمع، فلا استقرار سياسي وأمني دون وجود استقرار اقتصادي، فبالعمل نحارب البطالة، وبالعمل نخمد نار الحروب.

إنّ الظروف الاقتصاديّة الصعبة والتي تزداد صعوبة في ليبيا الآن، ستساهم في تغيير أذهان الشباب والشابات تجاه العمل. فسابقا كان من النادر أن ترى العاملين في المقاهي من الليبيّين، بل كانوا غالبا من الدول المجاورة. اليوم أصبح المشهد عاديّا، أن يقوم بتحضير قهوتك “المعدّلة” ليبيٌّ، ويحضرها لك إلى طاولتك ليبيٌّ، بينما أنتَ تهاتف ليبيّا آخر يمتهن “السباكة” لتعقد معه موعدا، وأنتَ في طريقك إلى عملك.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (6)

  1. تقرير جميل جدا اعجبني اسلوب الكاتب واقتنائه كلماات فصيحة 👌💖👏 واعتقد انه عمم وذكر كل السبل والاسباب التي تسبب البطالة وانواع البطالة متعددة وكثيرة اصاب فعلا بارك الله فيكم موفقين 💜

  2. تقرير رائع ووصف دقيق لحالة البطالة في ليبيا وأتفق مع كاتب هذا التقرير في أن ما يمر بليبيا من إحوال صعبة سوف تغير من نمط نظرة الشباب الليبي إلي السابقة للعمل بشكل أفضل مستقبلا بمعني ( رب ضارة نافعة ) وأنصح الشباب الليبي أن لا يضيعوا الوقت أتجهوا يا شباب إلي التدريب المهني بجميع أنواعه أطلعوا علي تجارب الدول الأخري سنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية وفيتنام وحتي رواندا كل هذه الدول تقدمت بماهن الحرفية وإقامة المشروعات الصغري والمتوسطة وفقكم الله يا شباب ليبيا لا تضيعوا الفرصة باشروا فورا