هناك التباسٌ موروثٌ يربط مفهوم الزواج، ومن ثمّ الأمومة، بتكريس حياة المرأة بالكامل بعد زواجها لبيتها وأسرتها - Huna Libya
الأمومة والعمل article comment count is: 11

متى تصبح الأمومة مِقصلةً للأحلام؟

الأمومة غريزة، والطبيعيّ، أنّ كلّ فتاةٍ مرّت بطفولة عادية؛ لا بُدّ أن تكون قد تقمّصتْ دور أمّها، تارةً بالدمى، تارةً بألعاب المطبخ.

تنمو وتدرك في مرحلة ما إمكانيّة عمل النساء بوظائف أخرى. وبعد أوّل زيارة تعيها إلى طبيبة أطفال تنضمّ أدوات “الدكتورة” إلى ألعابها، ويوائم ذهنها – بشكل طبيعيّ – بين غريزة الأمومة والطموح الجامح، والتطلع إلى المستقبل. ثمّ تكبر، ويحدث كثيرًا أن تتغيّر الأولويّات، وتُشوّه المفاهيم، فيُصبح مكان شهادة التخرج – إن وُجدتْ – إطارًا لامعًا إلى جوار باب المطبخ. فما الذي حدث؟

سجن التوقعات المسبقة

من منطلقٍ إنسانيّ بحت؛ فإنّ التعلّم والعمل، هما حقّان من حقوق الإنسان، وحق العمل مكفولُ في ليبيا وفق الإعلان الدستوري والقوانين السارية، لا يفرّق بين المرأة والرجل، إلا أنّ التباسًا موروثًا ربط مفهوم الزواج، ومن ثمّ الأمومة، بتكريس حياة المرأة بالكامل بعد زواجها لبيتها وأسرتها، وتحوّلتْ الصورة المثالية للأم إلى زوجة ترتدي المريول طيلة اليوم، تنظف وتطبخ، لا يُرقِدها المرض، ولا تتأثر نفسيًّا بضغوطات الحياة، تفانيًا منها في سبيل نشأة أبنائها تنشئة صحية، نفسيًّا وجسديًّا.

أم تظهر بجانبها أمها، وهي تعمل - الأمومة والعمل

الشغف؛ صديق الأم اللدود

في استبيانٍ مُصغّر قمتُ به خِصّيصا من أجل إعداد هذا التقرير لمنصّة هنا ليبيا؛ أُخذتْ إفادة حوالي 659 أمًّا ليبية، 82% منهنّ مقيمات في مختلف مدن ومناطق الدولة الليبية، تنوعتْ أعمارهن، وتراوح عمر أمومتهنّ إلى أكثر من عشرين عامًا، 95% من الأمهات المساهمات في الاستبيان مازلن يعشن رفقة أزواجهن.

اتضح أنّ 81% من المشارِكات حاصلاتٌ على شهادة عليا؛ ولكن 66% فقط يعملن، أي أن حوالي 15% منهن رُكِنتْ شهاداتهن، وطاقاتهن التي بذلنها للحصول عليها. هذا إن عممنا النتيجة، واعتبرنا أنّه ليس من بين العاملات حاصلات على شهادة متوسطة وفق المُلاحظ، رغم إمكانية الأمر.

وتلجأ معظم النساء العاملات (حسب الاستبيان) إلى دور الحضانة الخاصة رغم ارتفاع أسعارها، بحثًا عن ملجأ آمنٍ يحتضن طفلها ريثما تنتهي من ساعات الدوام لتنتقل حينها مباشرة إلى وضع الأم محاولةً للتكفير عن الزمن الذي تقضيه في عملها. يتعدّى الأمر الشهادة والعمل؛ ليشمل كلّ رغباتها، وتقف أمومتها عائقًا بينهما.

في الاستبيان: 59% من الأمهات المشاركات أكدن حرمانهنّ إما من طموحات متعلقة بالعمل والدراسة وتطوير ذواتهن، أو ما عبرتْ عنه أخريات من حرمان في نواحٍ أخرى منها: فقدان “الذات”، الحرمان من السفر، الحجّ والعمرة، المشاركة في النشاطات الثقافية والمعارض الفنية والندوات، حفظ القرآن الكريم، الانضمام إلى الأندية، بالإضافة إلى التدهور الصحي الناتج عن إهمال الذات.

وللأسف، فإنّ طموحاتهنّ في حال تنفيذها غالبًا ما يرافقها “الشعور بالذنب”.

أم عاملة تمسك هاتفا وعلى وجهها التعب، بينما طفلتها نائمة،

متلازمة الشعور بالذنب

عبّرتْ 62% من الأمّهات المشارِكات في الاستبيان عن الشعور بالذنب حيال أبنائهن. 20% منهنّ يلازمها هذا الشعور على الدوام، وحين سُئلنَ عن اللحظات التي نال منهنّ هذا الشعور؛ كانت الإجابات في جُلّها تشير إلى الرغبة في قضاء المزيد من الوقت رفقة أطفالهن، أو إلى العصبية المفرطة بسبب ضغوطات الحياة، أو إلى السعي نحو الكمال، أو إلى الاعتقاد بأنانيّتهن بسبب الدراسة والعمل، إضافة إلى أسباب أخرى.

اثنان فقط من كل عشرة آباء يدعمون زوجاتهم كليًّا

يبدو دور الرجل (الأب) غير واضح، فوفق الاستبيان، هناك 23% فقط من الآباء يقدّمون دعمًا كليًّا لزوجاتهم، ولا يدخل هنا، الدعم المادّي. فيما يُساهم 67% منهم بصورة جزئية، و10% منهم لا وجود له نهائيًّا في مساحة تربية ورعاية أبنائه، إما نتيجة طلاق أو فقد، أو لتجاهل مباشر.

ربما هذا تحديدًا ما يدفع بكثير من الأمهات إلى ثقتهنّ بأن أمومتهنّ إنجازٌ يستحق الاحتفاء. 20% من الأمهات يعتبرن أنّ الأمومة إنجازهن الوحيد في الحياة، فيما تعتبر 65% أن الأمومة إنجاز؛ لكن لا ينبغي أن يكون الوحيد، أما البقية (15%) فلا يعتبرن الأمومة إنجازًا، بل سُنّة الله في خلقه.

غير أنّ كل تلك النسب المذكورة، ومن وجهة نظر أخرى، قد تُعتبر نتائجًا إيجابيّة دالة على ازدياد وعي المرأة الليبية بحقوقها، واقتحامها شتّى مجالات العمل وبرامج التطوير، وإن تخلّل كل ذلك بعض المعوقات.

أم عاملة تحمل طفلها بين ذراعيها

أمّهات مُلهِمات

“استقلاليّة المرأة واعتمادها على ذاتها بشكل خاص، ونموّ قدراتها الذهنية ومواجهة ظروف الحياة وتقلّباتها لا يكون إلا بتمكينها اقتصاديا” عزة المقهور

في تصريحٍ للأستاذة عزّة المقهور (محامية وكاتبة وقاصّة ليبية)، أكدت أنه “بسبب نمطيّة دور المرأة داخل مجتمعاتنا فإنها بحاجةٍ إلى عوامل مساعدة كي تمارس حقها في العمل، مع حقها الطبيعي في الأمومة، على المرأة أن تجدها من خلال ظروفها وأن تسعى لإيجاد التوازن قدر الإمكان”

وبعد سؤالها عن حالتها الخاصة؛ أُمًّا وسيدة عاملة في حقل القانون المحلي والدولي، وكاتبة شغوفة بالقصص أضافت:

“أنا أمٌّ لأربعة بنات تتراوح أعمارهنّ ما بين الثالثة والعشرين والعشر سنوات. عملت انطلاقا من حقي في العمل وتحقيق ذاتي واستقلاليتي وطموحي وتطوير قدراتي، ومارست أمومة جميلة ومريحة وإيجابية. وضعتُ خطتي لنفسي التي تضمّنت بالأساس الابتعاد عن المناسبات الاجتماعية بالمطلق، والتركيز على بيتي وعملي،  وحاولت جاهدة أن أخلق توازنا بينهما. عانيتُ ككلّ أم عاملة من ضغوط وإجهاد على حساب راحتي؛ لكنها سنوات مضت سريعا وقطفت ثمار أمومتي وممارسة حقي في العمل”

تعتبر أ.عزة أن إيجاد حل للأم الطموحة لا ينبغي أن يكون نابعًا إلا منها، فهو يعزز من ثقتها بنفسها ويكشف لها طاقاتها.

أم تظهر صحبة ابنتها
أ. عزّة المقهور رفقة أصغر بناتها. الصورة من أرشيف الأستاذة.

وعن تجربتها الشخصيّة، تحكي أ. حميدة صقر (فنّانة تشكيلية، أمٌّ لثلاثة أطفال، وعضو هيئة تدريس، مثلتْ ليبيا في محافل دولية):

“أنا أمٌّ عاملة، أقوم في وقت مبكّر جدا من الصباح بواجباتي المنزلية على أكمل وجه؛ حتى لا يشغلني ذلك عن عملي ولا عن زوجي وأبنائي وبذلك أوفر الوقت.

وحين سألتها عمّن ساعدها في العناية بأطفالها قبل سنّ المدرسة وخلال ساعات عملها؛ قالت:

“كنتُ لا أحبّ أن أثقل على أحد، هناك تفاوت في أعمار أبنائي، كنت أوصلهم إلى الروضة وأطمئن عليهم من وقت لآخر؛ لأن الروضة كانت قريبة من الجامعة. في الوقت الفاصل بين المحاضرات، أذهب لأراهم وأطمئن عليهم”.

لهذا ترى أ. حميدة أنّ “الذي يساعد المرأة العاملة، هو توفير حضانات خاصة للموظفات في مقرات عملهن، أما بالنسبة لي كانت مرحلة رائعة جدا من حياتي، جعلتني قوية في كل الظروف”

وتختم بوجهة نظرها حيال أسباب نجاح المرأة في مجالها وإن كانت أمًّا: “المرأة الناجحة في حياتها تدرك تماما من تجالس، وتعي جيدا أن كثرة الصداقات والمجالس غير الهادفة ليس لها ضرورة في حياتها”

أم عاملة وعلى يمينها طفلها الرضيع نائما

إذًا… متى تصبح أمومتك مِقصلةً تُذبح فيها أحلامُك؟

وبعد، فإنّ كلّ امرأة تمر بظروف وحيثيات مختلفة عن سواها، موقفها وأسلوبها في التعاطي معها، هو ما يحدد إن كانت أمومتها منجمًا، أم مقصلةً تردي طموحاتها، إلا في حال كانت رغبتها الشخصية ألا تتخطى عتبة بيتها، شرط أن يكون قرارًا ذاتيا، غيرمتأثر بأي ظروف تُفرض عليها.

قد يختلف الأمر، إن وفرت مؤسسات العمل حضانات مجانية داخل مقرات العمل، كذلك فضاءات التدريب والتطوير، والمعارض والمؤتمرات، وحتى مراكز الترفيه والتسوق، لما في هذا الأمر من احترام لإنسانية الأمهات، بتوفير مساحات آمنة يقضي فيها الأطفال أوقاتهم، ريثما تقضي الأم مصلحتها.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (11)

  1. أستبيان ممتاز وواقعي يحاكي واقعنا الليبي ويحاكي معانات الأمهات الليبيات اللاتي أنحرمن من معظم حقوقهن وهن يحترقن في بوتقة العائلة والزوج والأبناء

  2. اختي الفاضلة كوثر الجهمي قرأت روايتكي عائدون حقا انها جميلة جدا ولكن حل تلك المشكلة هو ان يأتي نسخة ليبية من الشهيد ناهض حتر وبخصوصية ليبية يطالب مطلب ناهض حتر الأساسي ألاوهو نطالب بدسترة فك الارتباط الذي حصل عام ١٩٨٨ ولكن كان يطالب الشهيد ناهض حتر بدسترته وتفعيله وغربلة من هو متمسك بالهوية الوطنية وفي الختام لكي كل الاحترام والتقدير

  3. يجب وعي الرجل بعمل المراة وجعله حق من حقوقها فمن تجربتي الشخصية اكبر عائق للمرأة هو زوجها وهو من يجعل الأطفال والمسؤوليات عقبة أمامها

  4. نبذة تحليلية ممتازة ومقتضبة عن الام وانا ارى ان الحل الامثل لأنقاد الام من كل هذه المعاناة بالمساندة الكامل من كامل اطياف المجتمع ابتدا من الزوج والاهل و جهة العمل انتهاءاً بالمجتمع ونظرته للمرأة العاملة ودعم المرأة للمرأة لأن الام تختار ان تقحم نفسها في كل هذه الضغوط متقبلة كل تبعاتها وذلك بسبب استمتاع الام الفعلي بالعلاقة الجميلة التي لا يوجد لها نظير بين الام وطفلها 🤰🏻👼🏻👩‍👧 فهذا ما يحعلها تتقبل افناء عمرها بجانب اطفالها

  5. شكرا لك على هذا الاستبيان الذي يمس الواقع الذي نعايشه الآن . أحب فعلا أن أقرأ عن هذه الاستبيانات و البحوث التي تمس واقع المرأة الليبية . شكرا

  6. استبيان واقعي ومنطقي تشكرين عليه،مع التنويه ان قانون العمل الليبي الزم صاحب العمل الذي يشغل عدد معين من العاملات ان يوفر لهن حضانه لابنائهن في اماكن اعمالهن،ان توفير الحاضنه الكفء والثقه في المؤسسات العامه والخاصه يساعد على عمل المراه بارتياح

  7. منذ فترة شاركت في حل الأستبيان وخلال هذه المشاركة لاحظت بأن الاسئلة كانت دقيقه جدا لدرجة اني قلت لنفسي ( وكأنهم شاعرين بيا )
    اتمنى في المستقبل القريب ان تكون هناك سياسات حقيقية من الحكومة لدعم المرأة العاملة واقل هذا الدعم توفير حضانات في اماكن عملهن .