تنوع الثقافات في ليبيا وثقافة اللون الواحد
article comment count is: 0

ريما إبراهيم تكتب: تعلم “الحدَاقَة” في كوالالمبور!

تجربة السفر إلى دولة متقدمة لشابة عاشت ربع قرن في بلاد هشة ليست بتجربة ترفيهية كما هو متوقع. التجوال تحت ناطحات السحاب وداخل المولات التجارية الضخمة وتذوق ستاربكس وماكدونالز والتحديق في اللافتات المضيئة حتى احتراق العينين؛ يجعلك تعود متألماً بعد الاصطدام بالملامح العنيفة للرأسمالية. يستقبلك الوطن بواجهة هزيلة لمطار متهالك، وتلاحظ لأول مرة وجود سحنة صفراء اللون طاغية على الهواء والأرض والمباني. ها هي ذي ليبيا مجدداً، هوم سويت هوم، ولكن لماذا أشعر بالمرارة؟

رغم أنّ البنك الدولي يضع بلادنا في تصنيف واحد اقتصادياً مع ماليزيا، إلا أن زيارتي لها جعلتني أشكك في وجود علامات مشتركة بين البلدين، أو على الأقل هذا ما منحته لي العاصمة كوالالمبور من انطباع. لم أدرس كثيراً حول تاريخ البلاد، غير أنه من خلال وجودك بالمدينة مختلطاً بزحمة البشر، تلاحظ ملمحاً أساسياً يطغى على الشوارع، المحلات، الأكل، وممرات المشاة: التنوع.

هناك مكان رحب للثقافة الصينية، كما للثقافة الهندية، الإسلامية، العربية والأوروبية. انصهار تام للشرق والغرب وللديانات كافة، يوجد شارع للعرب، للصينيين وآخر للهنود، كما تتوزع المعابد والمساجد والكنائس ويقطنها العبّاد والسياح في تقدير تام لكل جماعة ساهمت في النهوض بالبلاد. تجد امرأة تتجول في ملابس تكشف ساقيها ومحجبة تركب الدراجة الهوائية وأخرى منقبة تصعد القطار، تجد ألواناً مختلفة للبشرة، تسمع لهجات ولغات تتبدل على مسمعك، الهويات تختلط ولا عيون تحدق، كلٌ غارق في عالمه الخاص. كوالالمبور ترحب بالجميع.

“أوه ليبيا.. بيق كانتري، سمول بيبول” تحصل على هذا الانطباع حول ليبيا من سائقي التاكسي على الترتيب الثاني بعد انطباع “أوه.. ليبيا.. كدافي”، محدثاً غصة في قلبي في كل مرة. بلد يفصله بحر بين جزيرتين شرقاً وغرباً، تخترقه ثقافات كثيفة الحضور، وبتعداد 30 مليون نسمة، متجه نحو معدلات نمو اقتصادي متزايدة وحضور متزايد للمرأة في سوق العمل وسياسات تنموية جادة، وبلد آخر يكاد ينحصر في شريط ساحلي ينضغط بين صحراء شاسعة وبحر متسع بتعداد 6 مليون نسمة بدين واحد ولغة وثقافة تجبر منذ عقود على أن تكون واحدة، بثقافة شعبية تحتقر الأجنبي ولو كان يداً عاملة في بنائه. إنه لأمر يجعلنا نتساءل ما المغزى من كل هذا الاعتزاز بهويتنا الليبية، بالقبلية والتعصب والعنصرية تجاه المخالف لنا في الدين، التقاليد، اللغة أو الجنس. ما دام هذا الاعتزاز ليس قائماً على أي إنجازات تنموية استطاع أي عرق، قبيلة، مجموعة أو حزب تقديمها للنهوض بالبلاد؟

كنت أجنبية داخل كوالالمبور الملونة، أرتدي الحجاب وبملامح عربية وأطول قليلاً من المتوسط وتقابلني الحفاوة والابتسامة وكلمات الشكر، أتحرك بحرية دون الشعور بعيون تلاحق تصرفاتي، جسدي أو ملابسي، أركب المواصلات العامة دون أن يربكني نوعي الاجتماعي، أشعر بالآمان لوجود نسبة عالية من النساء من حولي، عفويات وجميلات وعاملات، لا رهبة ولا خجل وليس من المعيب أن أمشي واثقة بذاتي مبتسمة للوجوه الغريبة. شعب كوالالمبور وضع ابتسامة على وجهي، وهي هدية كريمة وبالغة الثمن ويصعب رفضها.

بمجرد عودتي إلى طرابلس، تملكني الخوف مجدداً، من السلاح الذي يعدني بأمان مزيف، طرق تهدد سلامتي، حملقة مباحة، وتشكيك في دواعي الابتسامة. وحين جلست بغرفتي أتأمل تصنيف “دولة نامية” مجدداً، وجدت أن هذا التصنيف واقعي، فماليزيا تعمل، تضع السياسات، تحاول منذ زمن، ولديها طموح جاد ورؤية وتدمج التنوع داخل مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية، متجهة نحو نمو اقتصادي بمؤشرات مقاسة. بينما في بلدي، نأخذ التنوع كنقطة ضعف، نحارب به بعضنا، نستعمله كتهمة للآخر، أو كمعيار تفوق اجتماعي لنظلم به من يختلف عنا ونتنافس حتى الموت. لكلٍ رؤيته الخاصة وطموحه الشخصي الذي لا يخدم نمو البلد.

نحن لسنا بدولة نامية، لم ننمو معاً من أجل مصلحتنا العامة لوطن مستقر، ولم نضع حتى بذوراً طيبة. ولكن ما لا أستطيع التشكيك به هو أن أرضنا لا زالت خصبة، وأن هناك أيادٍ دافئة تقبض بقوة على البذور الطيبة في انتظار أيام أفضل. كل ما هنالك أن بلدنا الحبيب يحتاج الكثير من العمل المخلص، والاعتراف باختلافاتنا وآلامنا اليوم كمصدر لقوتنا لا لتشتتنا، وكفرصة للإنتاج والعمل معاً نحو دولة مستقرة نامية حقاً.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية