المرأة والعمل في ليبيا، بين المأمومل وحاجز المجتمع
article comment count is: 0

وفاء البوعيسي تكتب: تآكل حصة النساء في الفضاء العمومي

الفضاء العمومي هو كل مكانٍ مفتوح أو شبه مفتوح، مُعّدٌ لاستعمال الجمهور في بلدٍ ما، بهدف قضاء كافة الاحتياجات اللازمة لاستمرار الاجتماع البشري، كخدمات الترفيه والأمن والتعليم والعبادة والتنقل والعمل السياسي والنقابي …الخ.

ويُعد الفضاء العمومي القاعدة العملية، لممارسة المواطنة وقيم الديموقراطية، ومرصداً مهماً لقياس منسوب تطور الشارع، وتسامحه وانفتاحه من عدمه، كما يُعد آليةً مهمةً من آليات صناعة التغيير المجتمعي. ففيه تتشكّل الاحتجاجات، والمواقف الوطنية من السياسات الحكومية وحتى الدولية، وفيه تنظّم الاعتصامات وتُلقى البيانات السياسية، وتُعرض برامج الأحزاب وخطب رجال الدين، ومنه تُصنع الأخبار، وتندلع الثورات ويُطاح بالأنظمة، ولا يستقر الأمر لنظامٍ ما، إلا بتهدئة هذا الفضاء وتلبية حاجات مستخدميه.

وعادةً ما يتنازع تدبير الفضاء العمومي سلطتان، سلطة الدولة كمؤسسة منظِمة، تديره بما يحقق سياستها العامة، وتسن التشريعات المختلفة لاستقراره، وسلطة دينامية ثقافية اجتماعية، تمارس أدوار الترصّد والمتابعة، والتفاعل مع سائر مستخدمي الفضاء، وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية تبرز أدوار السلطة الاجتماعية، بصور فجة ومؤثرة جداً، في توجيه هذا الفضاء لصالحها، حتى تكاد تتغلب بها على أدوار سلطة الدولة، ويظهر هذا من خلال الكشف عن أنماط التعامل، مع شريحة مهمة من مستخدمي هذا الفضاء مؤخراً وهن النساء.

يجب على تلك النسوة وغيرهن في نظري، أن يتمسكن دائماً وعلى طول الخط، بأنسنة الفضاءات العامة لتستوعب الجنسين، والتمسك بحقهن في استخدامها بلا قيدٍ أو شرط أو تعدٍ- وفاء البوعيسي

في العقود الثلاثة الماضية، بدأنا نلحظ ارتفاع شكوى النساء في المجتمعات المذكورة، من بروز ظاهرة التحرش الجنسي بهن، في الطرق والميادين وأماكن العمل ووسائل النقل الحكومي، ثم زاد الأمر جداً عن حده، بعد التغيير الذي أحدثه سقوط بعض الأنظمة الديكتاتورية، ووصول العسكر أو الإسلاميين للسلطة، حتى وصل الأمر إلى تسجيل حالات اغتصاب عديدة ضد نساء، رصدته منظمات إنسانية كثيرة، عدا عن استفحال ظاهرة التضييق عليهن في وسائل المواصلات العامة، وإزعاجهن لفظاً وسلوكاً بتعمد الاحتكاك بهن، وملامستهن بطرق مستفزة ومهينة للكرامة، وتوسّع المعاكسات وإطلاق الألفاظ النابية بحقهن، لكونهن يستعملن الطرق والمواصلات بدون مرافقين رجال، أو بحجة مظهرهن المخالف للتقاليد، رغم أن المحجبات والمنقبات، لم يسلمن من التحرش، والملاحقة اللحوحة بالعروض المهينة، وبالتعدي اللفظي وأحياناً الإيذاء البدني.

وتصرّح الكثير من النساء بقيامهن بإبلاغ الجهات المختصة، بوقائع التحرش الجنسي والاعتداء اللفظي عليهن، لكن الأمر ينتهي بالتجاهل بسبب عدم التحري عن الجناة، أو وضع اللوم على المشتكية، بدل لجم الجاني وتأديبه جنائياً ومجتمعياً، أو عدم اكتراث الجهات المعنية من الأساس.

لقد ترتّب على تقصير الدولة في حماية النساء، انتقاص حقهن في الاستعمال الآمن والعادل للفضاءات العمومية أسوةً بالرجال، واستسلام بعض النساء لوطأة الضغط عليهن، بالكف عن استعمال الفضاءات المذكورة إلا لحاجات ضرورية، لذا تراجعت حالات ممارسة الرياضة العامة، والتسوق بدون رجل، والتنزه مع الصديقات، واستعمال وسائل النقل العام، ومرافقة الأطفال للحدائق العامة، واللعب معهم في الهواء الطلق، والذهاب لدور السينما والمسارح، أو القيام بواجبهن الوطني في الاحتجاج على الديكتاتورية والفساد بالاعتصام في الميادين، إلا مع رجل يرافقها كحارس شخصي طوال الوقت.

إن ما يلفت الانتباه هنا، هو أننا أمام تشكّل ظاهرة خطيرة، وهي ممارسة أدوار الزعامة على الفضاءات العمومية، من قِبل أصحاب التوجهات اليمينية المحافظة أو المعادية للسلطة، بهدف الاستئثار باستعمالها دوناً عن النساء، وضبط وتقنين حصتهن الوطنية فيها، ووضع شروط صارمة لاستعمالها، تمهيداً لإرغامهن على الانزياح، إلى ما يعتبرونه المكان المقدس لهن وهو “المنزل”، والهدف هو تفريغ الشارع العربي والاسلامي من طاقة هائلة ومؤثرة في التغيير المجتمعي، وسحب أصوات نصف المجتمع وأكثر، من مسؤولية التحديث والتنمية والانتخاب ودفنها في البيوت، وعزلها كلياً عن قضايا مجتمعها، ومنعها من تصحيح أوضاعها القانونية والمجتمعية البائسة، وإبقائها في وضعها التابع للرجل والتقاليد.

ومما يؤسف له أن عدداً من المبادرات التي اتخذتها بعض النساء لمعالجة هذه الظاهرة، كانت خاطئةً تماماً، ولا تدعم حقهن في تشارُك الفضاء العمومي أُسوةً بالرجال، ووضع الدولة أمام واجبها، في كفالة استعمال الجنسين لهذا المجال الحيوي بعدالة، ووقف احتكاره والهيمنة عليه من ذوي التوجهات المتشددة أو المستهينة بالسلطة، إذ قمن بشكل انفرادي بإعادة هندسة ذلك المجال، بما يؤدي إلى المزيد من الفصل بين أجساد مستخدميها، واقتطاع هوامش ضئيلة جداً لهن مع طرد الرجال منها، تماماً كما يحاول بعض الرجال طرد النساء من المواصلات العامة، والميادين وساحات المطالبة بالتغيير، واحتكارها لاستعمالهم وحدهم، وأعني بذلك مبادرات ما يعرف بالـ”التاكسي الوردي” بالقاهرة، و”نساء الخوذة الوردية” من سائقات الدراجات النارية في جاكرتا، وهي مبادرات اضطلعت بها منظمات نسوية، آثرت مساعدة النساء الهاربات من جحيم التحرش الجنسي، بتجنيبهن ركوب المواصلات العامة، والتقليل من استعمال الطرق، من خلال نقلهن بوسائل أخرى تقودها نساء فقط.

يجب على تلك النسوة وغيرهن في نظري، أن يتمسكن دائماً وعلى طول الخط، بأنسنة الفضاءات العامة لتستوعب الجنسين، والتمسك بحقهن في استخدامها بلا قيدٍ أو شرط أو تعدٍ، وأن يتضامن معاً وينسّقن جهودهن للمطالبة بكفالة حيادية ومشاعية الفضاءات العمومية، وتشارُكها مع الرجال دون تضحية بحصتهن فيها، وأن لا يرفعن راية الاستسلام من خلال الهرب لحلول خاصة، أو العودة للبيوت وترك الساحة للرجال لإدارة الأزمات المجتمعية وحدهم.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية