هيمنة البلاستيك على نمط حياتنا يتطلبُ إعادة النظر في اعتمادنا على مادة لا تتحلل لمئات السنوات - Huna Libya
جرائم البلاستيك article comment count is: 5

زائرات البحر في ليبيا، من يحميهنّ؟

يُشكّل البلاستيك أكبر جزء من نفايات البشر في البحر المتوسط، لقد وصلت معدّلات البلاستيك في المُتوسّط معدّلاتٍ غير مسبوقة منذ عام 2016، وبسبب ضعف خطط إدارة المخلّفات في الدول المطلّة على حوض المتوسط ترتفع نسبة المخلّفات بكافة أنواعها في هذا البحر، خاصّة من البلاستيك الذي يُهدّد الحياة البحرية بما تمثّلهُ كمصدر غذاء ومصدر دخلٍ لسكان السواحل.

ويمثّل البلاستيك أحد أخطر النفايات على الصحة والغذاء لعدم تحلّله لمئات السنوات ولدخوله على السلسلة الغذائية للبشر والأسماك والطيور التي يدخل أجسامها مع الطعام، لانتشاره في البحار بشكل كبير، وهو ما يُهدّد بشكل غير مسبُوق صحة البشر وغيرهم من الكائنات.

تمثّل سواحل ليبيا أكثر من ثلث السواحل الجنوبية للبحر المتوسط بامتلاكها نحو 36% من الشريط الساحلي، لا يسكنها  البشر وحدهم بل تقصدها السلاحف البحرية وجهةً لوضع بيضها؛ لاسيّما السلاحف ضخمة الرأس (loggerhead) والسلاحف البحرية ليست نوعاً واحداً بل هي عدةُ أنواعٍ بعضها يقصدُ سواحل ليبيا للتعشيش (والفقس) وبعضها للتشتية والغذاء.

لكنّ البعض من سكّان المناطق الساحلية بل وبعض البحّارة، لا يُبالي كثيراً بأهميّة هذه السلاحف كجزء أساسي من توازن البيئة المحلية.

السلاحف..شركاء في الأرض

السلحفاة رقم 91 تقصدُ كل صيفٍ شواطئ المنطقة الوسطى في ليبيا لتضع بيضها في مأمن تحت رمال الشواطئ غرب سرت، نفس المسارات تسلُكها دون أن تُخطئ، فهي جزء لا يمكن استبداله من مسار هذه السلحفاة السنوي.

تدفن بيضها بحذرٍ مرة كل سنتين أو ثلاث وفي نفس سنة التعشيش تعود لموقعها أكثر من مرة، في كل مرةٍ يقُودها في ذلك ضوء القمر وحده، تتركُ خلفها آثار زحفها على الشاطئ وهي الآثار التي يحرص حُماة السلاحف على إزالتها لئلا يجد أيُ باحث عن أعشاش السلاحف دليلاً لمكان بيضها.

يروّج بعض تجّار الحيوانات لخرافات لا توجد أي أدلةٍ علمية تُثبتها ولو جزئياً بشأن استخدام بيض السلاحف كعلاج لأمراض مستعصية، وهذا ما جعل أعشاش السلاحف مستهدفةً في فتراتٍ سابقة..

لو حدث وضلّت السلحفاة 91 طريقها نحو نفس الشاطئ بسبب الضوءِ الساطع أو غيره، فقد لا تتمكن من وضع بيضها كما ينبغي أو قد تضل طريقها نحو نفس الشاطئ، وقد صارت السلحفاةُ 91 تحمل هذا الرقم بناءً على نظام ترقيم للتتبع والرصد يقوم به البرنامج الليبي لحماية السلاحف البحرية منذ عام 2009.

يأتي مجموعة من المتطوّعين من أعمارٍ وخلفياتٍ وانتماءات مختلفة كل صيفٍ تجمعهُم متعة رؤية السلاحف وهي تزحف على الرمال وتعرف طريقها دون دليل، وتضمّهم متعة قضاء ليالٍ على الشاطئ في حماية السلاحف بحذرٍ والعناية بأعشاشها برغم ما يعانيه كلٌ منهُم بسبب الحرب وصعوبات المعيشة في ليبيا.

وبرغم كل الظروف تنطلق الحملات عابرةً للمدن والولاءات السياسية المتباينة بين المدن، لتُعرف الناسَ بقيمة السلاحف وطبيعة المخاطر التي تواجهها، لكن مالذي يُحفزُ هؤلاء للتفرغ والتنقل براً وخوض المخاطر لأجل التطوع في بلدٍ قد يحتاجُ البشرُ فيها للحماية أكثر من الحيوانات؟

فرقتهم النزاعات وجمعهم التطوع

شُكري (50 سنة) من مدينة زوارة، يتطوّع مع جمعية بادُو لحماية الحياة البحرية منذ عام 2012، يبدي اهتماماً خاصاً بحماية السلاحف، بدأ اهتمامهُ بهذه الكائنات مصادفةٌ بعد تكرار ملاحظة نفوق السلاحف على شواطئ زوارة أثناء ذهابه للتنزه والسباحة صيفاً، ثم أصبح الأمر شغفاً ورسالة يؤمن بها.

صورة تظهر شخصا يمسك بيض سلحفاة على رمل البحر، ويظهر وهو يعلم شبابا
مجموعة من متطوعي البرنامج الليبي لحماية السلاحف خلال إحدى حملاتهم 2018

يقول شكري – وهو هو بحارٌ سابق – إنّ السلاحف بالنسبة له كائنات ضعيفة تحتاجُ لمن يحميها وأن الحرب لا يجب أن تشغلنا عن خطورة اختلال توازن البيئة على صحتنا وصحة الأجيال القادمة، ويشير شكري إلى أن الحرب لم تشغل من يعتدُون على بيض السلاحف فلماذا ينشغل فاعلو الخير عن التطوع؟

“يضحكو علينا لما يلقوا فينا مهتمين بالفكارين (السلاحف) نقولولهم كل واحد بيصلّح اللي يقدر عليه والمهم كل واحد يدير شغله وحتى هذا مهم لينا وللبلاد…” يقول شكري مدافعاً عن حماية السلاحف في زمن الحرب.

وبصحبة شكري شباب من أعمار مختلفة، بعضهم لم يتجاوز العشرين من عمره وبعضهم يقترب من سنّ التقاعد، المسافة بين زوارة إلى مصراتة مثلاً تتجاوز 300 كم يقطعها المتطوعون بين المدينة بسياراتهم ووقودهم، إذ لايقتصر اهتمامهم بشواطئ زوارة بل سبق وشارك متطوعون من البيضاء وبنغازي وطبرق في حملاتٍ في مناطق متفرقة من الساحل الليبي.

شكري يرى اليوم أن المسؤولية الكبرى في المحافظة على سلامة وتوازن البيئة البحرية تقع على عاتق الصيادين باتباعهم  أساليب الصيد السليمة، كتجنب الصيد بالشباك الكبير أو الصيد بالصنارة الطويلة أو استعمال المتفجرات” الجيلاطينة” أو الكُلّابية؛ أحدِ أكبر الأخطار على السلاحف “خاصة مع تزايد انتهاك صيادين من دول الجوار مياهنا” وفق قوله.

صورة تظهر مجموعة من الأشخاص وهم على البحر، ويعدذون وجبة
شكري ورفاقه المتطوعين وفترة استراحة خلال إحدى حملاتهم لحماية الشاطئ

يحلم شكري بأن تصير سواحل ليبيا قبلة للمتطوّعين في حماية السلاحف عالمياً مثلما تحولت بلدانٌ أخرى وجهة لعشاق الباندا أو الفيل أو غيرهما، لقد جنت دولٌ مثل كوستاريكا أرباحاً عالية فقط من زيارات المتطوعين والمهتمين بالسلاحف “..السلاحف شركاؤُنا في الأرض ويعرفون سواحل ليبيا منذ مئات السنين، إذا لم نستطع أن نوقف الحرب لأننا لسنا من بدأها فعلى الأقل نحن نساعد في جعل الأرض مكاناً أفضل…” قال أحد المتطوعين.

بداية حماية السلاحف كجزء من الثروة الوطنية

لقد بدأت حملات استكشاف الساحل ومناطق التعشيش منذ تسعينيات القرن الماضي، وفي عام 2002 تبنّت ليبيا خطة وطنية لحماية السلاحف البحرية شملت إطلاق البرنامج الليبي لحماية السلاحف البحرية بإشرافٍ وتمويلٍ من الهيئة العامة للبيئة، ويقول مختار سعيد منسق البرنامج إن المهمات الاستكشافية رصدت مواطن تعشيش وفقس عديدة لكنها لم تغطِ كل الساحل، ويتوقع بناءً على مشاهدات من سكان محليين وجود مناطق أخرى في لم تُوثق بعد.

وكشف “سعيد” أن بيانات تعشيش وفقس السلاحف سابقاً أظهرت كثافة في التعشيش وصلت في أحد الشواطئ إلى 850 عشّاً في منطقة لا تتجاوزُ 300 كم، كما وصلت إجمالي الأعشاش لمناطق من ساحل ليبيا عام 1995 إلى 9000 عش وهو رقم مرتفع يجعل ليبيا من أكبر وجهات التعشيش في المتوسط.

وتُعدّ السلاحفُ أحد أقدم الزواحف البرمائية التي تعيشُ على الكوكب دون انقراض، أي من أقدم الكائنات التي نجت من الكوارث وتعديات البشر، ما يجعلها محل عناية فائقة كما يعد موسم فقس بيوضها موسماً جاذباً للزوار والسائحين والمتطوعين لما تُمثله هذه الكائنات المحبوبة من مشاهد نادرة

صورة تظهر شخصين، وهما يعملان على شاطئ البحر
منسق البرنامج الليبي لحماية السلاحف خلال إحدى حملاتهم 2006

ويعد عمل البرنامج الليبيّ لحماية السلاحف نظرياً برنامجاً حكومياً غير أنه قائمٌ في أغلب الأحيان على جهود المتطوعين أو دعم المنظمات الدولية بحسب القائمين عليه، وتحتاجُ هذه الحملات إلى تقوية التجاوب المحلي وانضمام المتطوعين أكثر لاسيما من النساء والعائلات، فالمشاركة العائلية تعكس إيمان السكّان بها، وقد تكونُ فكرة تنظيم رحلات تطوعية جماعية لبعض المواقع فرصة للتطوع وتجربةً للسياحة التطوعية.

خاتمة: في عالم حماية البيئة .. كلّ شيء متصلٌ بالآخر

إنّ ارتفاع نسبة استهلاك البلاستيك خاصة استهلاك أكياس النايلون بكثرة يعد من أبرز الأخطار على السلاحف، فبعض أنواع السلاحف غير العشبية تتغذى على قناديل البحر قرب الشواطئ، والتشابه الكبير بين قناديل البحر اللزجة الشفافة وهيئة كيس النايلون الذي لا يتحلل لعشرات السنوات (زمن التحلل يختلف من كيس إلى آخر) يؤدي بالسلاحف إلى النفوق اختناقاً بعد التهام كيس النايلون بالخطأ.

إن هيمنة البلاستيك الرخيص على حياتنا بين أكياس تسوق وألعاب وقنينات المياه وغيرها يتطلّبُ منا إعادة النظر في اعتمادنا الكبير على هذه المادة التي تدخلُ نظامنا الغذائي بشكل خفي خاصةٍ بوصولها للبحر، كما أن برامج إدارة النفايات وقوانين استهلاك البلاستيك تتطلبُ أن تكون مواكبة لاستهلاك الناس.

صورة تظهر مجموعة أشخاص باليونيفورم على شاطئ البحر وأمامهم نفايات على شكل سلحفاة
لوحة أرضية من النفايات الشاطئ في سرت للتنبيه بخطر البلاستيك على السلاحف في ختام البرنامج الليبي لحماية السلاحف البحرية 2018
* كل الصور المُرفقة من صور البرنامج الليبي لحماية السلاحف.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (5)

  1. رائع .. نحتاج إلى تعميم ثقافة حماية البيئة والسلاحف .. شكرا للكاتبة والناشطة البيئية نجوى

  2. بارك الله فيكم وفي جهودكم نشر الوعي البيئي يحتاج منا جميعا التكاثف من أجل التنمية المستدامة.

  3. اختي الفاضلة قرة العين نجوى وهيبة قرات مقالكي في ميكريفون نجوى وهيبة عن كولومبيا فاقول لكي لافض فوكي وكم انتي رائعة فانتي اقرب للفكر العلمي الجدلي من بعض مدعيه والفكر العلمي الجدلي منهم براء

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية