الحياة البرية في ليبيا
article comment count is: 0

المكّي المستجير يكتب: مُصارِعُ النّمور في الزّعفرانة يموت جوعاً!

الزّعفرانة منطقة صغيرة، شرق مدينة طبرق، منخفضٌ بين جبلين، ما جعلها أرضاً خَصِبة للزرع البعليّ في الأعوام “الصّابه”. سنة 1966 اضطرّ أحد رُعاتها ويُدعى “مقدّع رزق القطعاني” إلى مُصارعة نمرين، دفاعاً عن حياته، وخوفاً على رزقه، أرداهما قتيليْن بسلاحه.

قد تجد في هذه القصّة بعض الغرابة، قياساً على واقعنا اليوم، ولكن دعني أخبرك بما هو أغرب منها. فيوماً ما كانت تلك المنطقة وما جاورها تضجّ بالحياة البريّة، تقتحم فيها الغزلان النجوع، ويمشي النعام بين الخيام، ويُشاهَد الشّاهين وهو ينقضّ على فرائسه رأي العين. كانت تمتلك من المقوّمات ما يؤهّلها لأن تصبح محميّة طبيعيّة بامتياز، ففيها من الحيوانات والطيور -وقتها- ما لم تستطع اللهجة على مواكبته.

أمّا اليوم فقدِ انقرضتِ العديد من هذه الكائنات بفعل عوامل كثيرة طبيعيّة وبشريّة. وظلّ غياب الوعي وثقافة الإبادة العامل الأبرز فيها. تحدّثني إحدى بركات/عجائز تلك المنطقة عن المرّة الأولى التي رأتْ فيها “الفنك” (نوعٌ من الثعالب ناعم الفرو طويل الأذنين) وكيف افتتنتْ بجماله. لم يتبقَّ منه اليوم إلا الذكرى وفروٌ متآكلٌ داخل سيّارة تويوتا لا تعمل. أمّا طائر (القنبرة) الذي يشتاق الصبّارُ تغريدَه، فلن أثقل عليك بمصيره، وتكفيك إشارةً أنّ القنبرة على وزن طنجرة.

كلّ ذلك حدث في عقودٍ معدودةٍ ببنادق صيد بدائية وشِباك عاديّة. ولك أن تتصوّر حجم الكارثة التي تحدث الآن، وهولَها في السنوات القليلة القادمة، بعدما تغيّرت الأسلحة وتطوّرت الوسائل بعد حرب فبراير 2011 ليصل الحُمق إلى استعمال الكلاشنكوف ورشّاش PKT والأسلحة الثقيلة، خصوصاً في مواسم الهجرات والتكاثر.

لا يلتفت كثيرون إلى أضرار الحرب المُباشرة وغير المباشرة على البيئة. فالطبيعة كائنٌ حيّ، له حِسّه وروحه. لا يتفطّنون إلى لون الأزهار التي أضحتْ باهتة، وتغريد الطيور الراجفة، وطعم الألبان المُرّ للأبقار المفجوعة. متى ينتبه الغافلون أنّهم ليسوا وحدهم على هذا الكوكب العجوز؟ عندما يجتمع الجهل وفوضى السلاح، لن يكون الإنسان وحده ضحيّةً للحرب وإن كان الأحقَّ بأضرارها؛ ولكنّها ستكون حربَ إبادة على كلّ شيء. قد أكون مُغالياً عندما أعتبر الإنسان (الجاهل) فيروساً فتّاكاً أصيبتْ به أمّنا الطبيعة، وسيعمل على فنائها، ما لم تتخلّص منه. لا بُدّ وأن تكون الطبيعة أمَّنا، فلا يتحمّل هذا العقوق، إلا حِلم الأمومة. فالطبيعة هي المعنى الأسمى للوطن.

سمعتُ أحدهم يتحدّث بكلّ فخر، كيف وجد ورفاقه قطيعاً من الغزلان؛ فانهمروا عليها بوابل من الرصاص. قال مزهوّاً: “لم نجد في سيّارتنا مكانا لكثرة ما قتلناه. كنتُ الفائز بينهم؛ لأنّي قتلتُ أكثر”. موقفٌ آخر لن أنساه، أحدهم قتل برشّاشه عُقاباً بازيّاً مهاجراً، وقام بتنكيسه معلّقاً من قدميه أمام دكّانه. لا أدري ما الذي استفاده بفعله ذاك؟ فالعِقبان لا تؤسر ولا تؤكل. وما هو الجماليّ في تنكيس طائر حرّ يصيد الذئاب ويُلهم الشعراء؟ شعرتُ بالحنق والإهانة، ووددتُ لو أنّه كان معلّقاً بدلاً منه!.

ربما يكون هناك ثأرٌ ما، بين الإنسان والطبيعة؛ لذلك يحرص على الانتقام منها بساديّةٍ في كلّ فرصةٍ سانحة. يتلذّذ بتدميرها ويتسلّى بتخريبها. يظهر ذلك بصورة أجلى كلّما كان الإنسان أكثر بدائيّة. ما الذي ستتركه الرصاصة من الأرنب بعد أن تفتك به؟ وأي بطنٍ يشبعها طائر “الشحّيم” الذي لا يتجاوز وزنه الجرامات، ولو أكلتْ منه سِرباً بأسره؟ ربّما ضلّلتهم اللغة فظنّوا “الشحّيم” مملوءً شحماً!. من يغفر للّغة جنايتها؟!.

كلّ ما حولنا اليوم مهدّدٌ بالانقراض بفعل ثقافة الإبادة وإبادة الثقافة، ما لم نفعل شيئاً تجاه ذلك. أخاف من اليوم الذي سأكتب فيه عن انقراض كائنات الحياة البريّة والمائيّة التي نعاصرها اليوم. لذا أدعو الشّباب الواعي في ليبيا وخاصّة بمنطقة البطنان/طبرق وما جاورها، إلى القيام بدورهم التوعوي لحماية الحياة البريّة. أدعوهم لتثقيف الناس، للتخييم في الجبال، لاستثمار الراديو والتلفزيون، ولتنبيه المنابر المغتصبة. لا تتركوا ثقافة الإبادة تقتلكم وتفتك بمستقبل أولادكم. كما يجب أن يواكب القانون الليبيّ ذلك، بتجريم الصيد وتغريم فاعله.

قبل عامين، توفي “مقدّع رزق” بعد 50 عاما من صراعه مع النمور. اليوم الذي توفي فيه، لم يكن بالزعفرانة نمور. لم يكن بها حتى شجرة واحدة يستظلّ تحتها البوعبعاب/الهُدهد الذي رحل، إذ لا نبأ فيها ليرويه. توفي مصارع النمور، ومات الشّاهد الأخير على الحياة البريّة بالزّعفرانة، بعد أنْ هجرتها الحياة وسكنتها الوحوش. والحبلُ على الجرّار.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية