"لا شيء يسلب الناسَ كرامتهم كما تفعل النزاعات المسلحة - Huna Libya
الصحة النفسيّة article comment count is: 1

الآثار النفسيّة للحرب على المجتمع الليبيّ

بين واقع انتشار الوعي بالأمراض النفسيّة، وبين ضعف خدمات الصحة والرعاية النفسية؛ يعيش الليبيّون حالة من العجز تجاه أحبّتهم وأنفسهم. هذه المعضلة يواجهها عدد كبير من أفراد المجتمع الليبيّ، خاصة بعد التغيير الذي طرأ على ليبيا منذ أحداث 2011 من حروب واشتباكات وأزمات اقتصاديّة مستمرّة حتى تاريخ هذا اليوم.

ليبيا ليست أوّل بلد يواجه الحرب وتبعاتِها من أزمات وانقساماتٍ ونزاع سياسي مسلّح. شهِد العالم عددا لا يُحصى من الحروب على مَرّ التاريخ، ومع تقدّم العلم خاصة في الطب النفسي والعلاج النفسي، بدأ العالم مؤخّرا يُلاحظ ويسجّل الآثار النفسية التي تتركها الحروب على المجتمعات الإنسانية.

شابات على ظهر عربة مسلخة بالأسلحة الثقيلة

الحروب وآثارها النفسيّة

ثمان سنواتٍ من الضغوطات والصدمات الحياتيّة التي مرّت على حساب راحة وصحّة الليبين النفسيّة, كلها تصنّف كآثار نفسية للحرب، تؤثر في كل الفئات العمريّة بشكل مباشر أو غير مباشر على المدى البعيد.

فما هي هذه الآثار النفسية ؟

بداية القول لا بُدّ من التوضيح أنّ ما يُعانيه بعض أفراد المجتمع الليبي من أمراضٍ نفسيّةٍ مؤخّرا، غير مدعوم بأرقام وإحصائيات دقيقة تثبت ارتفاع نسبة هذه الأمراض في المجتمع بعد الحرب. لكن من تصريحات ذوي التخصّص سواء عالميا أو على المستوى المحليّ، من أطبّاء ومعالجين نفسيّين، بناء على خبرتهم، وضّحوا أنّ من أشهر الاضطرابات النفسيّة التي تخلّفها ضغوطات بيئة الحرب هي: اضطرابات ما بعد الصدمة PTSD.

وهو الاضطراب النفسي الأكثر شيوعا نتيجة النزاع المسلح والحرب. ووفقا للدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية DSM5 فإنّ الصدمة النفسية قد تكون نتيجة تجربة الضرر الفعلي أو التهديدات التي تترك ضررا جسديّا أو عاطفيّا.

أعراض اضطراب ما بعد الصدمة تشمل: flashbacks للأحداث، والأحلام والذكريات المزعجة، والتغيرات السلبية في الإدراك، وتجنب المحفزات المرتبطة بالحدث والتغيرات في مستويات الإثارة. ولكي يكون هناك تشخيص، يجب أن تكون الأعراض موجودة لأكثر من شهر ومستوى الإجهاد يجب أن يكون كبيرا بما فيه الكفاية بحيث تتأثر الأنشطة اليومية سلبا” (1)

إنّ المرضَ النفسي والصدمة النفسيّة وضغوط الحياة من مسؤوليات وإرهاق ومشاكل نفسيّة، قد تكون داخلية شخصية أو نتيجة تأثير البيئة. كلّ هذا وأكثر هي عقباتٌ يواجهها الإنسان في حياته وهذا أمر طبيعي، إذْ نحن كبشر معرّضون لهذه الأمراض والاضطرابات النفسية حتى في أفضل الظروف. لكن في الحرب تزيد نسبة قابلية الإنسان للمرض النفسيّ والعقليّ بسبب البيئة المضطربة والصدمات النفسيّة الشديدة، التي يتعرّض لها الفرد ويبقى أثرُها ربّما جسديّا أو حتى كتجربة وخبرة في الذاكرة تكون سببا رئيسًا في اضطرابات ما بعد الصدمة.

رجل يحمل علم ليبيا وسط السيارات

يقول الدكتور “ماركو بالدان” وهو كبير جرّاحي الحرب، ويعمل لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر (اللجنة الدولية) لما يقرب من 20 عامًا:

لا شيء يسلب الناسَ كرامتهم كما تفعل النزاعات المسلحة، التي تُعمِل مخالبها لتنخر في مقوّمات كسب عيشهم وتُقوّض الخدمات الأخرى التي يعتمدون عليها، قبل أن تسلبهم حياتهم وحياة أحبائهم. تاركة إياهم أشلاء وأشتاتًا يبكون ماضيهم. أجيالٌ كاملةٌ تحمل ندوب الحرب التي لا تندمل؛ أعداد كبيرة من الرجال والنساء والأطفال كُتب عليهم للأسف أن يلتحقوا بتلك الأجيال. وسيظل مصير هؤلاء قاتمًا ما لم يكن ثمة تحرك عالمي وسياسي محلي.” المصدر

الحالة الليبيّة: أزمات متوالية وإعادة تأهيل مفقود

بالنظر إلى الحالة الليبيّة، نجد أنّ كمّ الأزمات المُفتعلة التي يعانى منها الليبيون وتؤثر على حاجاتهم ومقوّمات حياتهم الأساسية، من قطعٍ للتيار الكهربائي لأيّام، وقطعٍ للمياه لأسابيع، ونقصٍ في الأغذية وخاصّة في حليب الأطفال، وارتفاع الأسعار، وانعدام السيولة، والخطف على الهُويّة، والاعتقال القسري، والتعذيب في السجون، وأخبار الخطف من قبل عصابات تتاجر بحياة البشر من أجل الحصول على الأموال، وأخيرا النزاعات المسلّحة داخل المدن، التي لم تتوقّف، واستمرّت في مناطق متفرقة من ليبيا.

كلّ هذا في ظِلّ غياب القانون، والجِهات التنفيذيّة التي تحمي حقوق المواطنين، ممّا يجعل المواطن في حالةٍ من الخوف والرعب والتوتر والضغط بشكل مستمرّ نتيجة المسؤوليات تجاه ذويهم، وخوفهم على سلامة أنفسهم وعائلاتهم. لا يوجد إنسانٌ قادرٌ على تحمّل هذا الضغط الهائل دون أن يؤثر على نفسيّته، وذلك بالطبع، بدرجات متفاوتة بين البشر.

تقول الدكتورة “عائشة أبو حجر” الاستشارية والمعالجة النفسية، حول الآثار النفسيّة للحرب على المجتمع الليبيّ، في مقابلة لي معها سنة 2017:

“عندما يُطرح هذا الموضوع عادة ما يتّجه تفكيرى إلى التداعيات السلبيّة للحرب، وذلك لأنّنى أتعامل بدرجة واسعة ومن خلال جلسات العلاج النفسى المطوّلة، فقط مع الوجه المؤلم والمشوّه والتداعيات المرضية والاضطرابات بمختلف أنواعها. الأفراد الذين تكيّفوا مع واقعهم وتجاوزوا خبراتهم المؤلمة ويشعرون بالاستقرار؛ لا يتّجهون لطلب المساعدة، وتعاملنا فقط مع من تشوّهت نفسه بمشاعر الغضب والألم والانتقام والكآبة والذكريات المفزعة والكوابيس المرعبة”

شاب يجلس على ظهر عربة مسلحة بأسلحة ثقيلة

ثم استرسلت د. عائشة، في حديثها، فقالت: “التداعيات السلبية يمكن تقسيمها حسب الفئات العمرية: مرحلة الطفولة، الاطفال الذين شهدوا الصراعات المسلحة وطرقت أذهانهم دويّ القنابل والصواريخ، وعايشوا الفزع واليُتم، ظهرت لديهم اضطرابات ما بعد الصدمة و التبول اللا-إرادى، والمخاوف بمختلف أنواعها والاكتئاب والقلق

أحد أهمّ المراحل العمرية الأخرى، الشباب. تقول د. عائشة عنهم: “الشباب، أكثر مرحلة عمريّة شاركت وبفاعلية في الحرب. وبالتالي حصدوا أغلب التداعيات السلبية والإيجابيّة. على بعضهم التعايش مع فقدانه الكثير من أصدقائه أو التعايش مع إعاقة جسدية دائمة. أيضا توقّف العديد منهم عن التحصيل العلمي بسبب مشاكل الحرب. ومؤخّراً، انتماء أغلبهم الى جماعات مسلّحة وضعف ارتباطه بالأسرة؛ ممّا يجعله فريسة سهلة للإدمان والاستقطاب لجهة ما دون أخرى”.

أمّا عن مرحلة الكبار، فقالت: “الكبار كمرحلة عمرية بعد الشباب، فإنّ القلق والخوف والترمّل وفقد بعض أفراد الأسرة والنزوح والتغير السريع في الكثير من أوجه الحياة، وضعهم تحت تأثير الكثير من الضغط والقلق والاكتئاب”.

ثمّ ختمت د. عائشة أبوحجر حديثها بإحصائيّةِ الاضطرابات الأكثر انتشارا في ليبيا، فذكرتْ أنّه: “فى 2012 – 2013 أكثر الاضطرابات انتشارا؛ كانت اضطرابات ما بعد الصدمة، والقلق العام، والاكتئاب، والإدمان. أما حديثا فإن أكثر الاضطرابات هي القلق العام، والاكتئاب، ونوبات الهلع والمخاوف. وينبغي ملاحظة أنّ للتاريخ الأسرى دورٌ مهم فى تحديد نوع الاضطراب.” 2017.

شاب يرتدي خوذة عسكرية ويخفي وجهه بيديه وهو في غرفة مظلمة

خاتمة

ما زالت ليبيا تعاني ويلات الحرب، وما زال الليبيّ يعاني من صدمات الحرب النفسية. بل إنّ الآثار الحقيقيّة للحرب لم تظهر بالكامل بعد، وستظهر خلال السنوات القادمة، ولكن للأسف لن نتمكّن من حصرها والتعامل معاها كبياناتٍ مجمّعة بطرق البحث العلمي ومثبتة بشهادة المتخصّصين بهذا المجال؛ إلا إذا قامت الدولة أو الجهات المسؤولة في ليبيا بالالتفات إلى ملف الصحة النفسية وآثار الحرب على المجتمع الليبي، من خلال توفير مراكز لإيواء حالات المرض العقلي والإدمان، وإقامة مستوصفاتٍ للعلاج، يتوفر فيها أطباء ومعالجون نفسيّون وأطقم تمريض متخصّصين في الأمراض النفسية والعقلية.

 

(1) American Psychiatric Association, Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders 5th ed. (Washington, DC: 2012).

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية