وبسبب الاكتظاظ وُضِعَ حلٌّ مؤقّتٌ بجلب فصول متنقّلة تجاوز عمرُها الآن 15 عاما - Huna Libya
قرى مهمّشة article comment count is: 0

مدارس الصفيح في وادي الشاطئ بالجنوب الليبيّ

في رُكنٍ منزوٍ ووسط كومة من فصول الصّفيح، يجلس (محمّد) وزملاؤه داخل مدرسة عمر المختار بوادي الشاطئ (75 كم غرب مدينة سبها) التي يأتونها كلّ يوم طلبا للعلم.

هذه الفصول تعتبر قوام المدرسة المكتظّة أساسا بالطلبة، وكانت في بادئ الأمر حلّا مؤقتا لمشكلة الاكتِظاظ؛ ولكنّها مع الوقت، أصبحت أساسا للمدرسة، التي لم تحظَ بفرصة بناءِ فصول دراسيّة اُنموذجيّة، كما لم تتمكّن من تحسين ظروف هذه الكومة من الصفيح.

حاويات تستخدم كفصول دراسية - مدارس الصفيح

يقول محمد (16 عاما، طالبٌ في الصفّ التاسع):

عند دخولي الفصل، كنتُ أرسُمُ له صورة أخرى خلال العطلة، كنت أحلم به وقد أصبح أكثر ملاءمة وجمالا، تخيّلتُ نافذة جميلة مطلّة على ساحة المدرسة، ومقاعد واسعة ونظيفة، وأرضيّة متناسقة لا غبار يعلوها.

كنت أسمعُ وزملائي دوما خلال العام الماضي، عن أعمال الصّيانة التي تعتزم الإدارة تنفيذها في مدرستنا خلال العطلة الصيفيّة، غير أنّ ذلك كله تغيّر وأنا أدخلُ الفصل، قد كان كل شئ عكس ما تخيّلته تماما، لا نوافذ ولا أبواب، والغبار يعلو المكان، غير أماكن القذائف التي ظهرت واضحة في عدة فصول، ناهيك عن الفصول التي احترقت فعلا بسبب سقوط القذائف عليها”.

مدرسة عمر المختار مكوّنة من جزئين؛ مبنى رئيس فيه عِدّة فصول ومكتبٌ للإدارة. وبسبب الاكتظاظ وُضِعَ حلٌّ مؤقّتٌ بجلب هذه الفصول المتنقّلة، والتي تجاوز عمرُها أكثر من خمسة عشر عاما، بعضها وضعتها إدارة التعليم، وبعضها تبرّعت بها إحدى شركات الاتصالات المحليّة بالمنطقة.

طفلان يجلسان على مقعد مهترئ أمام حاويات محترقة - مدارس الصفيح

مدارس الصفيح وفصولها “لم يتمّ مراعاة الكثير من الشروط الفنية عند تصميمها وتركيبها” كما يقول مدير المدرسة (عبدالسلام دابي) الذي ذكر أنّ:

وزارة التعليم لم تُراعِ حالة المدرسة الواقعة في منطقة تكرّرت فيها الاشتباكات والاضظرابات الأمنية، وهو ما جعلها عُرضة لإطلاق النار العشوائي. آثار الحروب لا تزال ظاهرة في أرجاء المدرسة، ولم تفلح نداءاتنا بصيانتها وتنظيفها، ونزع مخلفات الحروب وآثارها عنها، لكن لم تقع الاستجابة لهذه النداءات”.

يبتسم (دابي) وهو يتحدّث عن إحدى الاتصالات التي كانت بينه وبين وزير التعليم بحكومة الوفاق الوطني (عثمان عبدالجليل) في فترة سابقة، حيث طلب منه تفصيلا لمشاكل المدرسة ومعضلة صيانتها.

يقول (دابي): تفاعل معنا الوزير بشكل مفاجئ، وكلّف أحد مساعديه لمتابعة الوضع لدينا، ولكن توقّف التفاعل عند هذا الحدّ، ولم تقع، لا صيانة المدرسة ولا توفير ميزانية لذلك. لا أدري كيف سيمضي العام الدراسي الحالي؟ بعد أن كثرت شكاوى أولياء الأمور وأبنائهم من الوضع السيّئ لهذه الفصول.

مقاعد دراسية مهترئة، فصول متسخة، مدارس الصفيح

الانفلونزا والبرد وغيرها، رفيقة الطلبة هنا وبشكل متكرّر. يقول (محمد):

“أثناء الشتاء لا أستطيع الكتابة كما أريد، أفقد الإحساس بأطراف أصابعي من شدّة البرد، ولا تظهر أمامنا فرصة للحصول على فصل دراسي دافئ. لا أستطيع الانتقال إلى مدرسة أخرى في المدينة، فوالدي لن يستطيع إيصالي بسبب أزمة الوقود المتكرّرة“.

مُعاناة الطلبة هنا، لا تقتصر على الشتاء، ففي الصيف تصبح هذه الفصول أشدّ حرارة، كما لا توجد أماكنٌ يستظلّون بها من أشعّة الشمس أثناء الاستراحات والفُسَح، لا توجد حتى شجرة واحدة داخل فِناء المدرسة. هم يعيشون بين كومة من الصفيح وبقايا ومخلفات الحروب والأتربة والغبار والخراب، دون أن تظهر أمامهم أيّة بوادر توحي بالتفات الدولة لهم.

لاتوجد حتى شجرة واحدة داخل فِناء المدرسة، هم يعيشون بين كومة من الصفيح وبقايا ومخلفات الحروب والأتربة والغبار والخراب

التقينا أحد أولياء الأمور وهو (الحاج سالم) الذي جاء لتسجيل ابنه في المدرسة، ولكنّ طلبه رفض بسبب اكتظاظ الفصول.

يقول (الحاج سالم): إنّه يعلم وضع مدارس الصفيح وفصولها والمأساة التي يعيشها الطلّاب هنا، لكنّه يعتقد أنّه غير مخيّر في المدرسة التي يريد أن يضعَ ابنه فيها، فهو لا يملك القدرة على الانتقال إلى مدرسة أخرى، كما لا يريد الابتعاد عن مدرسة الحيّ “فرغم البؤس هنا، إلا أنّه أفضل الحلول التي أمامنا” يقول (الحاج سالم).

حاويات متفرقة، مقاعد دراسية مكسّرة، رجل مسنّ جالس يقرأ كتابا

(عبدالسلام دابي) مدير المدرسة، كان أكثر يأسا من (الحاج سالم). يقول (دابي):

المدرسة فيها قرابة  1200 طالبا في الفترتين الصباحية والمسائية، بينما من المفترض ألّا يتجاوز عدد طلابها 650 طالبا، ولكنّنا مضظرّون لقبول هذه الأعداد، فأغلبهم من سكّان الحيّ ولا يستطيعون الدراسة في مدارس أخرى خارجه“.

وأوضح (دابي) أنّه وبعد أن طلبت منه وزارة التعليم البحث عن شركة تستلم صيانة المدرسة، تبيّن أن تكلفة الصيانة تقدر 40,000 ألف دينار ليبيّ. وتمّ الاتفاق مع مكتب الوزير.

لكنّه بعد شهر استقبل اتصالا هاتفيّا من مكتب الوزير، يُبلغه أنّه تمّ التعاقد مع شركة ألمانية لصيانة المدرسة، وستأتي خلال أيام وهو ينتظرها منذ سنتين ولم تأتِ حتى الآن.

لا يُعتبر هذا المبلغ باهظا لصيانة مدرسة، وإنهاء معاناة طلبتها – يقول (دابي) – ولكنّ صعوبة الإجراءات المركزية وتعقيداتها، وعدم الاهتمام بالمؤسّسات التعليمية في الضواحي والمناطق البعيدة؛ يجعل من أمر صيانة مدرسة وتهيئتها أمرا شبه مستحيل”.

أطفال، فصل دراسي من الصفيح ، مقاعد متكسرة، غبار

رغم ذلك، يقول (دابي):

“أنّه والمعلّمون الذين معه، سيجمّدون الاعتصام، وسيُباشرون الدراسة خلال هذا الأسبوع (منتصف نوفمبر 2019) وذلك لمصلحة طلّابه، الذين سيمضي العام عليهم، وتتقلب الاجواء داخل مدارس الصفيح حتى وإن لم يتم صيانتها لهم، لكنّه سيحقّق مطلبَ الطلاب بعودتهم إلى المدرسة سريعا وانتظام الدراسة”.

وسط كل هذه التعقيدات الاقتصادية والاجتماعية والإداريّة، يأمل (محمد) وزملاؤه عودتهم القريبة إلى مقاعدهم الدراسيّة، في أجواء ملائمة قد تساعدهم في الحصول على تعليم جيّد، ويطمح في أن يرى مدرسته مهيّأة لاسقبالهم كلّ صباح وكذلك استقبال من سيأتون من بعدهم.

حاويات محترقة، وأطفال يلعبون

اترك تعليقاً