الأماني مرهونة بانتهاء سياسة التهميش التي كانت رفيقة أحياء سبها عشرات السنين - Huna Libya
حيّ الطيّوري article comment count is: 3

سبها المهمّشة، أحياء تحت الركام

تصوير/ محمود ارحومة

تحت قلعةِ سبها التاريخية يقطن أكثر من خمسة عشر ألف نسمةٍ في “حي الطيّوري” الذي لا يعلم أحدٌ سِرّ البؤس الذي رافقه منذ نشأته أواخر سبعينيّات القرن الماضي حتى الآن.

يقف (أحمد) فوق مُرتفعٍ يُطِلّ على الحيّ ويتأمّله كما تعوّد منذ زمن. تمتدّ منازل السكّان على مدّ البصر، أغلبها مسقوفة بالخشب، تتخلّلها أشجارٌ عشوائية هنا وهناك، لا يوجد فيها ما يدلّ على أنها تعجّ بالحياة، ومثقلة بالهموم والأحزان، التي لا تخطئ طريقها إلى الحيّ.

قلعة تاريخية تبدو من بعيد، من على سطح مبنى قديم مهترئ

ينزل (أحمد) ليدخل شوارعَ الحيّ ويتجوّل فيه كعادته. أحمد (27 عاما) حاصلٌ على دبلوم حاسوب من المعهد العالي للمهن الشاملة بسبها، وكان الأول على دفعته؛ وتحصّل على إيفاد (منحة حكوميّة) لإكمال دراسته خارج ليبيا. ولكنّ عدم امتلاكه الرقم الوطني حال دون ذلك. وحالَ أيضا بينه وبين الحصول على فرصة عمل، فوجد نفسه يجوبُ الحيَّ على غير هدى، بعد أنِ انقطعت عنه الآمال في تحقيق أحلامه.

يقطع بنا (أحمد) الشّارع الرئيس بالحيّ، وهو شارعٌ ترابيٌّ يعلوه الغبار، ويزدحم بالمارّة والسيّارات التي يبدو أنّ الشارع لا يتّسع لها. على جانبيّ الطريق محلّات (دكاكين) بقالة صغيرة، ومحلات جزارة وحلّاقين، ودور للخياطين.

تتدلّى على الطريق أسلاك الكهرباء التي تتشابك في توصيلاتٍ معقدة وعشوائيّة، بعضها وقع على الارض، وبعضها يلمس الجدران. يقول (أحمد) إنّ شركة الكهرباء لا تصل إلى هنا بشكل منتظم، وهو مايدفع السكّان إلى الاجتهاد في إيجاد الحلول لتوصيل الكهرباء إلى منازلهم. ولكن يظلّ الخطر مُحدِقا بالناس من وراء هذه التوصيلات العشوائيّة.

رجل يقوم بإصلاح أنابيب المياه في الشارع، وحوله أطفال - حي الطيّوري

في الأسفل، تسير أنابيب المياه وحُفَر الصرف الصحي جنبا إلى جنب، فالحيّ – كما يقول (أحمد) – لايتمتع بشبكة مياه صحيّة. غير أنّ منظمة الهجرة الدولية تمكّنت قبل أشهر من تركيب مِضخّةٍ على أحد الآبار في “طيّوري” وبدأت توزّع المياه.

ولكنّ مُعضلة الصرف الصحي لا تزال تؤرّق بال الناس هنا، فقد اعتمدوا على أنظمة تصريف قديمة وبدائية، ومع الوقت تتسبب في انتشار الروائح الكريهة، عدا الأمراض التي قد تنتقل لساكني الحي من ورائها.

وهو ما دفعنا إلى زيارة الوحدة الصحية اليتيمة في حي الطيّوري. وهي مبنى بسيطٌ به أربع حجرات صغيرة. أحدها صيدليّة لا يوجد بها أي دواء. وبقيّة الغرف لا تقدّم شيئا لمُرتاديها غير معالجة بعض الجروح البسيطة، أو إعطاء الحقن التي يأتي بها المريض من الخارج.

يقول (أحمد): “إنّ المكان هنا لم يلقَ اهتماما من السلطات الصحيّة المحليّة، ولا من وزارتيْ الصحّة في الحكومات الليبية. ولم تفلح نداءات النشطاء هنا في لفت الانتباه لهذه الوحدة، التي من المفترض أن تقدّم خدماتها للآلاف من سكان حي الطيّوري”.

أطفال يلعبون في شارع ترابي وسط أعمدة كهرباء وأسلاك شائكة

في الحيّ مدرسة للتعليم الابتدائي وأخرى للتعليم الثانوي، كانتا قبل العام 2013 تستقبلان الطلبة بإجراءات الرقم الإداري، ولكن مع تفعيل الرقم الوطني استحال على الطلبة مواصلة دراستهم. غير أنّ البعض تمكّن من ذلك بعلاقاته الشخصية مع مدراء تلك المدارس، ولكنهم قِلّة وسط حيّ كامل “ينخره الجهل وقلة المعرفة” كما يقول (أحمد) الذي تعوّد تجاهل وزارة التعليم خطابات جمعيات “طيّوري” بضرورة الاهتمام بهذا الوضع ومحاولة معالجته.

داخل منزل (أحمد) لا يبدو الحال جيّدا، فهو يقع بين كومة من الأكواخ العشوائيّة، وكلّ شيء داخله يدلّ على الفوضى التي رأيناها في الخارج؛ فتوصيلات الكهرباء معقّدة وخطِرة، الماء يصل عبر صُنبور واحد في فناء المنزل، ومنظومة الصرف الصحي لديه بدائية أيضا.

يقول (أحمد): إنّ حاله كحال كلّ سكان الحي، فانتشار الفقر وانعدام الخدمات الأساسية وانسداد الأفق أمام الشباب هنا، يجعلهم أمام سيناريوهات متعدّدة؛ مثل: الانخراط في التشكيلات المسلحة أو امتهان الحرابة والسطو المسلح، أو العمل في تهريب المهاجرين وما يُرافق ذلك من أعمال.

يقول (أحمد): إنّ بعض هذه السيناريوهات قد تحقّق فِعلا، مع العديد من الشباب. وهو ما يجعله حريصا على نشر الوعي بين سكّان الحي ومحاولة التعاون مع المؤسّسات المجتمعية للضغظ على الجهات المعنيّة ودفعها إلى الاهتمام بالحي وسكانه.

مكان مسقوف بدائيا، يجلس تحته بعض كبار السنّ - حيّ الطيّوري

من بين الجهات المعنيّة بتطوير ومتابعة حيّ الطيّوري هي “بلديّة سبها” والتي يقع الحيّ في نطاقها الجغرافي والإداري. التقيتُ عميد البلدية حامد رافع الخيالي الذي أوضح: “أنّ تنمية الحيّ وتهيئته هي مهمّة تفوق قدرات المجلس البلدي”.

ثمّ استرسل متحدّثا عن حق ساكني حي الطيّوري في حياة كريمة يتمتّعون فيها بالخدمات الأساسية، من صرف صحي وكهرباء وماء، غير أنّ ذلك يحتاج إلى التفاتةٍ من الحكومة الليبية.

في السّنوات الأخيرة استفاد “طيّوري” من مشاريع منظمة الهجرة الدولية التي تنفّذها في الحي، بالتعاون مع المجلس البلديّ، ولكن هذه المشاريع لم تحل المعضلة الأساسية لسكّانه.

يخرج (أحمد) من منزله ليُكمل تجوّله في شوارع “طيّوري” فهو لا يزال يرى الأمل في أعين الأطفال ومن هم أصغر منه سِنّا. يقول: لقد ضاعت عليَّ فرصة التعلّم وفرصة الحياة الكريمة، ولكن لعلّ الأطفال من بعدنا سينعمون بها في المستقبل القريب.

هذه الأماني تظلّ مرهونة بانتهاء سياسة التهميش التي كانت رفيقة حيّ الطيّوري طوال عشرات السنين، ذاق فيها ويلات الحروب والاضظرابات والانقسامات.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (3)

  1. ليبيا تحتاج الى نسخة ليبية من الشهيد ناهض حتر ليحافظ على الهوية الوطنية ويطالب بدسترة فك الارتباط وقوننة فك الارتباط ولكن بخصوصية ليبية تراعي صيرورة الواقع الاجتماعي والبيئة المحلية وعبقرية المكان والزمان التي كانت موجودة عند المرحوم غالب هلسا وليبيا بحاجة الى غالب هلسا بنسخة ليبية كما هي بحاجة الى ناهض حتر بنسخة ليبية

  2. حي الطيوري في مدينة سبها تجاهلته جميع الحكومات من النظام السابق إلى الآن لم نرى اي تغيرات تجاه هذا الموضوع بل بالعكس من الأسوأ للأسوأ

  3. واللهِ شيء يحزن القلب؛ وياما فيه من قرى هكّي. بس نتمنى من المتعلمين مثل ’’أحمد‘‘ أنهم يبادروا في تعليم الأصغر منهم يلّي ما قدروش يلتحقوا بالمدارس، ويحاولوا ينسقّوا مع جمعيات خيرية أنهم يجمّعوا الكتب المستعملة متع التلاميذ كل نهاية سنة دراسية، على الأقل التلميذ بدل ما يلوّح كتابه ولا يحرقه، يعطوه للجمعية، والجمعية تتكفل أن ترفع هذه الكتب للمناطق هاذي حتى يستفاد منها في التعليم المنزلي والحر.