أين تذهب قمامتك؟ article comment count is: 4

أزمة القمامة في طرابلس، من الملام؟

تحكي لي جدتي التي عاشت أيّام شبابها في طرابلس عن روتينهم اليومي أيام زمان، أخذت تصف لي سلة التسوّق الخاصة بالعائلة قائلة: “كان جدك يجيبلنا في قفة سعف، فيها كل الخير، قرطاس لحم، وقرطاس فلفل أحمر، وشيشة الزيت، وحكة طماطم باش نطيبوا الغدي”. وبينما أنبهر بقدرتها على تذكر التفاصيل، توارد في ذهني سؤال: هل كانت جدتي مينامليست؟ سرحت مع نوستالجيا جدتي لأحاول تخيّل صورة طرابلس تلك الأيام، صورها القديمة على مجموعات الفيسبوك تخبرني كم كانت جميلة، الشوارع نظيفة ولا أثر للقمامة ويبدو وكأنه عالم خالٍ من البلاستيك.

خمسون عاماً تفصلني عن شباب جدتي، تجعل من طرابلس التي كانت عروس البحر المتوسط مدينة كريهة بشوارع لا ترحب بالمارّة، ممتلئة بالنفايات البلاستيكية حد التخمة.

الأمر معقد It’s complicated :

حين ننظر إلى أزمة القمامة، بإمكاننا أن نرى مساراً لقصة لولبية لا نهاية لها، تبتديء من عادة رمينا للمواد العضوية في كيس بلاستيكي، وتنتهي باستخدام القوة لقطع الطرق شهوةً في السُلطة. يقول مدير مكتب الاصحاح البيئي ببلدية سوق الجمعة في مقابلة صحيفة الرائد معه واصفاً أزمة القمامة في طرابلس “هناك مشكلة متفاقمة، مشكلة القمامة قديمة-حديثة ومعقدة وتحتاج إلى وقت وقرارات شجاعة للحل”.

تُجمع المخلفات في طرابلس من الحاويات العامة بالطرقات إلى مكبات مرحلية/مؤقتة ثلاث: مكب بوسليم، مكب الكريمية، مكب تاجوراء. هذه المكبات بدورها تجمع المخلفات وتضغطها لأحجام صغيرة ثم تنقل إلى المكب النهائي “سيدي السايح” في جنوب طرابلس. منذ أبريل الماضي، قُطعت الطريق على شاحنات النقل، حيث لم يعد بالإمكان الوصول للمكب بشكل آمن نتيجة الاشتباكات المسحلة جنوب المدينة، وتحولت المكبات المرحلية المؤقتة إلى مكبات نهائية تتراكم فيها النفايات منذ أكثر من خمسة أشهر.

توفر الكهرباء VS.  النظافة العامة: ماذا تفضل؟

أصدرت الشركة العامة للكهرباء مطلع سبتمبر 2019 بيان توضح فيه أسباب زيادة ساعات طرح الأحمال، من ضمن الأسباب المذكورة خروج بعض وحدات التوليد خارج الخدمة بالمحطة الجنوبية بسبب “انسداد مصفيات الهواء نتيجة تصاعد الأدخنة من مكب القمامة الملاصق للمحطة.” وهو المكب المرحلي الكريمية. قبل البيان بشهر، اندلعت حرائق كبيرة في مكب الكريمية، إذ لم يعد السكان المجاورون للمكب يجدون حلاً لتراكم القمامة في المكب المرحلي وتلويثها للمنطقة سوى بإشعال النار في أكوام القمامة دون وعي بأضرارها الأخرى.

وهنا تدور حكاية أم بسيسي، يضع المواطن مسؤولية انقطاع الكهرباء على إدارة الشركة العامة للكهرباء، التي بدورها تضع المسؤولية على إدارة مكب الكريمية لتكدس القمامة وحرائقها، وتضع إدارة المكب المسؤولية على شركة الخدمات العامة لعدم تجميع ونقل القمامة، التي بدورها تضع اللوم على المواطن الذي يشعل الحرائق بالقمامة. في النهاية، أغلق مكب الكريمية بإلزام من الشركة العامة للكهرباء، ولم يعد لطرابلس مكبات مرحلية، ولا نهائية وغرقت في القمامة.

 

إلزم أنت ونفاياتك..بيتك!

في الأسبوع الأخير من سبتمبر، أصبح تكدس القمامة ملاحظاً في معظم شوارع طرابلس، وحمّلت بلدية سوق الجمعة مسؤولية تكدس القمامة لشركة الخدمات العامة لعدم تعاونها في فتح مكب تاجوراء لسيارات فرع بلدية سوق الجمعة، وطالبت البلدية من المواطنين تقليل أو إيقاف كميات الاستهلاك وذلك من خلال “التعاون بعدم إخراج القمامة المنزلية إلى الشوارع خلال اليومين القادمين” حتى تبحث عن جهة خاصة للتعاقد مقابل مبلغ شهري يتحمل تكاليفه المواطن.

مع اقتراب موسم الأمطار، حذرت الشركة العامة للمياه والصرف الصحي من الأضرار التي ستنتج من انسداد غرف التصريف في حال سقوط الأمطار من غرق للطرق بالمياه وشل حركة السير. حيث أدى تكدس المخلفات بالشوارع إلى غمر وانسداد غرف تصريف مياه الأمطار على جوانب الطرق.

 

قوقلها:

“لا تكن أنت والمشكلة على الوطن، كن مع الوطن” تحذر هيئة السلامة الوطنية المواطنين من حرق أكوام النفايات بالشوارع، وتبرر غياب حاويات القمامة بالشوارع لانتشار عادة حرق المخلفات داخل الحاويات. إذاً مع غياب حاويات القمامة، وتوقف عمل الخدمات الخاصة والعامة، ومنع حرق القمامة…أين نتلخص من نفاياتنا؟

إن كنت تبحث عن حاويات تجميع قمامة تجدها ببساطة في هاتفك الذكيّ، “دورني تلقاني”  هي مبادرة “لمواطن ليبي يحاول أن يجد حل لنفسه وللآخرين” كما يصف نفسه. تستخدم المبادرة  أداة Commute على خرائط قوقل لوضع علامات إرشادية لمواقع حاويات القمامة التابعة للبلديات وتبليغات حول المناطق الخالية من الحاويات وغيرها من الإرشادات والتحذيرات حول أماكن رمي القمامة.

يقول صاحب المبادرة “ما جعلني أفكر بالمبادرة هو معاناتي الشخصية والصراع اليومي الذي أواجهه كل يوم في مساري للعمل حاملاً كيس القمامة وباحثاً عن حاوية”، بدأت “دورني تلقاني” كصفحة على الفيسبوك قبل الأزمة الحالية في أكتوبر 2018، يقول عنها صاحب المبادرة: “كان أمامي يومياً حلين: إمّا أن أرمي القمامة في أوّل مكب عشوائي، وأضر البيئة والشارع والسكان، أو أن أتحمّل رائحتها وأضعها في الحاوية المخصصة حتى وإن كانت بعيدة.” يرفض صاحب المبادرة ذِكر اسمه ويقول “كل ما أفعله لأجل العمل الخيري، وليصل دعاء الناس لوالدتي في قبرها بالخير”.

قرارات شجاعة: 

ربما تكون هذه الأزمة فرصة لنا لنتعلم، فزيادة إنتاج المخلفات التي نصدرها مقارنة بخمسين وعشرين سنة مضت قد تكون فرصة لنسأل أنفسنا ماذا سيحدث حين تفك الأزمة ونرجع من جديد لنرى شوارع أقل ازدحاماً بأكياس القمامة المنزلية؟ هل سننسى واقع أزمة إدارة المخلفات الصلبة بمجرد ما أن تزاح من أمام أعيننا؟ البلاستيك، الزجاج، المعادن وحدها ما سيبقى ليشكل جبالاً من النفايات تملأ المكبات بأطنان لا نهائية. كل المواد العضوية ستتحلل وسيبقى كوب قهوتنا الصباحية، قنينة الماء، الأواني البلاستيكية، وعلب التونة سنيناً طويلة قد تمتد لزمن أحفادنا، الذين لن نجد قصصاً ملهمة لهم سوى عن جبال صناعية كنا سبباً في إنتاجها في كل يوم مر من عمرنا لم نختر فيه إعادة التدوير، أو تقليل الاستهلاك، أو الاعتراض على سوء سياسات إدارة المخلفات الصلبة في مدينتنا.

صورة المستقبل ليست بعيدة، نحن نترك منذ الآن إرثاً ضخماً من النفايات التي أصبحت تفوق استيعاب مكبات المدينة، بإمكاننا أن نرى ما أحدثته عشر سنوات فقط من التجميع في مكب تاجوراء المرحلي من صورة الأقمار الصناعية، أو العين المجردة، حيث يوجد جبل مرعب من المخلفات الذي يتعرض للاشتعال بين الحين والآخر ملوثاً سماء المدينة بدخان كثيف يشبه دخان قذائف المعارك.

لنطور نظام عيش أجدادنا:

هل جربت التسوق بقفة من السعف عوضاً عن النايلون؟ ربما حان الوقت الآن لنطور من نمط أجدادنا الذين فرض عليهم واقع الفقر والجوع تقدير الموارد المتاحة أمامهم، لم يكن هنالك بلاستيك على أيامهم أو فرص التعلّم والوعي التي نملكها الآن، ولم يعرفوا يوماً ما تعنيه كلمة فرز المخلفات، أو تلوث بيئي، أو استدامة، ولكنهم كانوا بفطرة إنسانية غير واعية يعيشون نمط حياة اختزالي. بسبب قفة السعف والقرطاس، وجدنا بيئةً صالحة لعيشنا اليوم، ولكن ماذا إن امتلك أجدادنا أكياس بلاستيك؟ هل كنا سنستحمل مدينة تسودها النفايات؟! سيظل أمر إدارة المخلفات الصلبة واقعاً متأزماً يحتاج حقاً إلى قرارات شجاعة من الهيئات الحكومية، السياسيين، القطاع الخاص والمواطنين بتكافل ليأتي يوم نحكي فيه لأحفادنا كيف كانت قراراتنا الواعية سبباً لبيئة وموارد استدامت ليعيشوا في بيئة صالحة لهم.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (4)

  1. المشكلة عويصة وعظيمة ومتشعّبة، نأمل أن تنتهي مع زيادة الوعي المجتمعي.

    مقال موفّق وتصاميم انسيابيّة لطيفة، أحسنتم.

  2. اختي الفاضلة مريم حينما تنهار الدولة تصبح ملعبا للشيطان ويصبح اللامبالاة نمطا ومنهجا للحياة سواء للمليشيات التي تقرر مصير الوطن او حتى عموم الناس من ابناء الوطن فتوجد مقولة مشهورة للشهيد وصفي التل انه في الشان العام لافرق بين الخيانة والخطا لان النتيجة واحدة

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية