الطوارق الليبيّون، هُوية ضاربة في القدم، وليبيّون حتى الجذور، ولكنّ بعضهم دون أوراقٍ ثبوتيّة - Huna Libya
الهُويّة والمواطنة article comment count is: 38

تارقي، ليبيّ الهُويّة يبحث عن وطن

تصوير/ محمود ارحومه.

يعيش الشابّ التارقي (حسين كويوي – 30 عاما) أزمة الهُويّة، بشكل أثّر على كلّ تفاصيل حياته وأسرته. “حسين” الذي يسكن حيّ الطيّوري احد أكبر الأحياء العشوائيّة المهمّشة في سبها جنوب ليبيا؛ لا يملك أوراقا ثبوتيّة، ولا يستطيع أن يُمارس أبسط حُقوقه في مدينته.

(حسين) ينتمي إلى مكوّن الطوارق، وهو من فئة أولئك الذين لم يحصلوا على أوراقٍ تثبت هُويّتهم، رغم أنّه وُلد وترعرع في مدينة سبها وكذلك والده ووالدته، إلا أنّ الدولة لم تمنحهم أيّة حقوق.

اثنان من الطوارق يجلسان في الصحراء، ليلا، وأمامهم النار

يقول (حسين): “بعض الطوارق لم يكن يُقبِل على التسجيل بسبب الجهل بأهمية التسجيل من أجل استخراج الأوراق الثبوتيّة، وبعضهم كان يعيش في الصحراء ولم يكترث أيضا بالتسجيل أو لم يعلم به في الوقت المناسب. إضافة لمن رفضوا أخذ ورقة الجنسية العربية التي كانت تمنحها الدولة الليبيّة منذ أواخر الثمانينات وحتى فترة قريبة، لاعتبارهم أنّ هذه الورقة قد تنكر أصلهم التارقي أو ستصنّفهم كعرب”

يسكنُ هذا الشابّ الآن، في بيتٍ متواضع داخل حيّ الطيوري. لايختلف منزله عن الكثير من منازل الحيّ؛ فالبنايات هنا مُتهالكة وبناؤها عشوائي، ولا توجد شبكات منتظمة للصرف الصحيّ والكهرباء والماء، وأغلب الأسقف هنا، إمّا بالخشب أو الصفيح.

الأزقّة إلى منزل (حسين) ضيّقة ومُتشعّبة، تنتشر على جانبيها محلات (دكاكين) صغيرة تبيع المواد الغذائية وبعض الحاجيات الأساسيّة. تمتلئ هذه الأزقّة بالمارّة؛ أغلبهم من الأطفال الحُفاة، الذين يستهويهم ظهور أي غريب في المكان.

صورة قريبة، تظهر ملامح وجه حسين كويوي، التارقي، الباحث عن وطن

يعتبر (حسين) من الشخصيّات المهمّة في الحيّ، كونه قد صار ناشطا حقوقيا، ويُطالب دوما بحقوق الطوارق الذين لم يتحصّلوا على أوراق ثبوتية، ويسعى حثيثا إلى التعريف بمجتمعهم وهُويّتهم، كجزء أصيل من هُوية الجنوب الليبي. لذا أسّس مع مجموعة من شباب الحيّ، جمعيّة تيميط للفنون والتراث، والتي كانت مِنصّة له ورفاقه، للمُشاركة في المحافل المحليّة والوطنيّة.

يبدأ يوم (حسين) من منزله، وهو يستعدّ للذهاب إلى العمل. هنا في المنزل، تتمحور أحاديث العائلة حول الرقم الوطني وأثره على الأولاد وحياتهم. يقول (حسين): “إنّ عدم وجود رقمٍ وطنيّ له، أمرٌ قد اعتاده وتعايش معه؛ ولكنّه هذا العام سيُواجه معضلة ابنته (فاطمة) التي من المُفترض أن تسجّل في عامها الدراسي الأول، وبالطبع لن يقع قبولها!”

تتشعّب أحاديث الأسرة يوميّا، حول ذات المعاناة، فوالد حسين ووالدته، يحلمون بالسفر لأداء فريضة الحَجّ، وهو حُلمٌ يتوقّعون أن يحقّقه لهم ابنهم، الذي يعتقد أنّه لا أمل في تحقيقه، على الأقل، في المنظور القريب.

يخرج (حسين) إلى عمله، وهو “محل/دكّان” يبعد مسافة نصف ساعة عن مكان سكنه. في هذا “المحل” يبيع المواد الغذائية وغيرها من الحاجيات الأساسية التي يبتاعها أهل الحي. ونجح في اكتسابه بالتعاون مع أحد التجار المحليّين داخل المدينة.

بطبيعة الحال، لا يستطيع حسين الحصول على ترخيص لمزاولة النشاط التجاري، لأنّه لا يمتلك أوراقا ثبوتيّة؛ لذا تظلّ هذه الدرجة من المُمارسة – عمل حرّ في محلّ – أفضل الممكن بالنّسبة له. الكثير من الشباب الذين لا يمتلكون أوراقا ثبوتيّة، ولا يشعرون باعتراف وطنهم لهم، رغم أنّهم لا يعرفون غيره؛ صاروا يتجهون إلى العمل في التنظيمات والتشكيلات المسلّحة والتي تجد فيهم مقاتلين جاهزين للحرب في أيّ وقت، وهم يجدونَ فيها المال والسطوة وشيئا من التقدير المفقود، والاعتراف المنشود، الذي لا يجدونه في مجتمعاتهم.

مجموعة من الطوارق في لباسهم التقليدي وهو يؤدون رقصة شعبية
صورة من أحد المناشط الثقافية التي نظّمتها جمعية تيميط للفنون والتراث

في المساء يتوجّه (حسين) إلى مقرّ جمعية تيميط هناك يلتقي العديد من النشطاء ممّن يُشْغَلون بذات المعاناة فيما يخص هُويتهم. مؤخّرا، صارت نقاشات الهُوية متكرّرة وتنتظم في جلسات حوارية، يشارك فيها رجال القانون والمحامون والنشطاء من المؤسسات المحلية داخل مدينة سبها. يرى (حسين) أنّ ازدهار هذه الحواريات قد يدفع باتجاه إيجاد حلّ مناسب لمكوّن الطوارق الذي لا يزال يعاني الكثير من التهميش، بسبب أزمة الهُوية وعدم اعتراف الدولة الليبية بوجود هذه الفئة.

يعتقد (حسين) أنّ نشاط المؤسّسات المدنيّة المحليّة في هذا الجانب، قد يزيد من درجة الوعي لدى سكّان المدينة حول عدالة قضية الطوارق ووطنيّتها. يقول: “إنّه كثيرا ما يُصادف عُنصرية في التعامل معه من قبل بعض الناس، إذا ما علموا بأنّه لا يملك أوراقًا ثبوتيّة” منهم من يُلْقِي بتعليقات عنصرية مباشرة، وبعضهم يكْتفي بنظراتٍ غريبة، ولكن (حسين) يستوعب هذا الامر ويعتبر أنّ الوعي أمرٌ ضروريّ لمعالجة هذه الحالة من الإنكار، وهو عملٌ تتكاثف فيه جهود مؤسّسات المجتمع المدنيّ، والقانونيّين، والجِهات المعنيّة داخل الدولة الليبية.

صورة يظهر فيها حسين كويوي، التارقي، صحبة بعض رفاقه

لا يعرف (حسين) غير ليبيا وطنا له، فهو لا يملك أقاربا أو أهلا أو حتى معارفَ خارجها، كما لا يملك أوراقا ثبوتيّة تربطه بأيّة دولة غير ليبيا. ويرى أن هُويّته كـ(ليبيّ) تفوق كلّ اعتبار. ولم يلحقه اليأس بعد من الحصول على حقّه، ومن معه، بالحصول على أوراقٍ تساويهم بمواطنيهم، و تمكّنهم من المشاركة بفاعلية أكثر في بناء بلدهم.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (38)

  1. نعم هذا حقيقي الطوارق في ليبيا مهمشين لدرجه ان لا يستطيع السان وصف حالهم حسبي الله ونعم الوكيل بس

  2. كلام حسين صحيح احن طوارق في جميع أحياء ليبيا أنعانوا من مشكلة أوراق ثبوتية وبى الأخص الشباب الذين يريدون التعليم العالي والبحث العلمي ويريدون السفر إلى خارج لى العلاج ولا الحج ولكن لم تمتلك جواز سفر وايس لديك مايثبتك ولله حسين كويوي كلامه صحيح ربي يحفظه ويكثر أمثاله يا رب

  3. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد هذا المشكلة اللي صايرى لي أحسين كويوي صايرا لأغلبية الطوارق مثلهم مثل أحسين

  4. في كل دولة فئة مهمشة أو مقصية لبعدها عن أصحاب القرار أو صناعه،ولكن قضية الطوارق في ليبيا تختلف عن كل القضايا التي رأيتها:فهي قضية سياسية محضة هذه الفئة بغض النظر عن أصوات هل في المنطقة (حتى قبل الفراعنة)إلا أنها ما تزال تحلم بهوية تحفظ لها حقوقها،وبها تستطيع المشاركة في بناء الوطن مع بقية المكونات…
    سيحاسب التاريخ كل مسؤول تجاهل هذه القضية وساند الظلم

    1. حسبي الله ونعم الوكيل فى اللي كانوا السبب! وباذن الله سينتصر حسين ، وستنتصر فاطمه حسين وستذهب الي المدرسة .

  5. مشكلة الهويه إلي الطوارق ليس وليدة اللحظه بل قديمه وتشترك فيها أغلب دول س ص ولكن أكثر دوله يتمتعون فيها بأكثر حقوق هي ليبيا ونأمل أن الدستور القادم أن يعالج الباقي والمعرفة أهم شئ وبتوفيق أن شاء الله

  6. ماهى الاسباب لحد الان وهل النظام السابق ساهم ف تهميش متعمد اوخوف علي الامن القومي
    لكن للأسف اغلب شباب طوارق جندو ف العهد السابق ومن غير اوراق

  7. لحل معضلة الطوارق والابن في ليبيا اين كانا والداه إبان الخمسينيات…..علي اية حال اذا كان يجيد العربية هو والداه فإنه لا ضير من منحه الجنسية الليبية وان لا يكون من اهل اوزو الذين صوتوا بأن إقليم الوزن يتبع تشاد

  8. أنت محق وهذا حقك الانساني والقانوني ولكن الليبيين لا يفهمون هذه اللغة لا بد من القليل من الضجيج لكي تحصلوا على حقوقكم.

  9. هذا ظلم صريح بسبب القوميه العربيه المقيته وللاسف مازالت تلك العقيده الفاجره فى نفوس الكثيريين ممن تربوا عليها وهذه مشكله الكثيريين من غير المستعربيين ولا اقول عرب ولكن اخى هويتك التارقيه اعظم من اى ورقه تبوثيه ناصرك آلله أنه ولي ذلك والقادر عليه

  10. انا ايضاء اوعاني من نفس المشكلة شعور غريب ان تكون ليبي ولا تملك اثبات هوية او جواز سفر . نسأل الله ان يصلح حال هذه الأمة ويرجع ليبيا امنة و مطمئنة

  11. نعم الطوارق مهمشين فى ليبيا ومنهم فئة قليلة التحقوا بالمليشيات التي تجد فيهم مقاتلين جاهزين للحرب كما قلت .

  12. أجل هو الوطن الذي نرويه كل يوم بدمائنا ولم نكترث! الأرض ارضنا قدمنا ولانزال نقدم وسنقدم ؛شكرا لمن ساهم في تهميشنا لمن زرع لنا العثرات والمتفجرات وكل الجهات المختصة اللتي لها يد في تلك الجريمة ” سنبقى رغم اضطهادكم لنا ✌

  13. هده حقيقة بعض الطوارق مهمشين ٠وليس الكل فهناك من لديهم الثبوت الكامل لهويتهم والسبب في الاختلاط بين طوارق ليبيا وطوارق مالي والنيجر في سبها .وربي يوفق الجميع