العنف في ليبيا، ثقافة وتراث اجتماعي وديني وثقافي - Huna Libya
العنف بين ثقافتين؛ شعبية ورسمية article comment count is: 0

أدوات التنشئة في المجتمع الليبي، العنف انموذجا

(عندما يصبح العنف ثقافة… القهر هو النتيجة؛ فالمجتمع العنيف يولد أفرادُه مقهورين).

العنف شيء، وإنتاج العنف وتصديره عبر السلطة السياسيّة والمؤسّسات الرسمية والاجتماعية، شيء آخر. فالعنف مشكلة عامة تتجاوز القطر الليبي وشهدتها كلّ المجتمعات وعرفتها كلّ الحضارات، ولا تزال. ولكنّ الإشكالية الكبرى في علاقتنا بالعنف في ليبيا وارتباطنا به ارتباطا وثيقا بل متجاوزين ذلك؛ عبر تبني العنف كسلوك عام في المجتمع والدولة بمعنى أنه ثقافة شعبية (الأسرة – الكتاتيب) وثقافة رسمية (المدراس ومؤسسات الدولة).

إذن؛ نحن نواجه مشكلة من نوعٍ آخر وأكثر عُمقا وتعقيدا من العنف كسلوك عند أفراد. لأنّ التعقيد يكمُن في علاقتنا التاريخية (الاستعمار مثالاً، وتاريخنا المليء بالصراعات والنزاعات وعدم الاستقرار.  وحتى رموزنا الوطنية هي رموز عنف إلى جانب تراثنا الديني).

وجانب آخر وهو إعادة تصدير العنف عبر المؤسسات سواء العنف المدرسي أو العنف السياسي (الإقصاء مثالاً) بل حتى في تكوين المنتسبين داخل مؤسّستي الجيش والشرطة مبنيٌّ على العنف. فالعنف نظاميّ ومُمنهج تمارسه الدولة بأدواتها المختلفة فتؤثر في الأجسام والبنى الصغيرة داخل منظومتها فيصبح العنف السلوك العام الأمثل ولاسيما عندما يقابله تراثنا الاجتماعي والديني والثقافي وتركيبة المجتمع المبنية على العصبيّة فجميعها تدعم العنف في مضمونها.

العنف المؤسسي:

العنف الذي تمارسه المؤسّسات في ليبيا يشبه المرض العُضال تماماً؛ لأنه يسري في الجسم ببطءٍ وبطريقة منتظمة ودون ألم قوي ومباشر. ولكنّ أثره في النفس عميق، ووقعه على الوعي شديد الخطورة؛ لأنه يتحوّل إلى سلوك طبيعي ينبغي ممارسته بدافع الانتقام، مثلما يحدث مع أطفال المدارس مثلاً أو بدافع القناعة وأنه الطريقة المثلى. وهنا أشير إلى الأسرة وأسلوبها التربوي وخلوة المسجد مضافٌ إليها الصبغة الدينية.

ينقسم العنف المؤسسي إلى:

1 – ثقافة شعبية

(نشأة الأفراد، ومراحل الطفولة تحديداً، في وعيهم الجمعي وتكوينهم الذهني والنفسي)

صورة تبين أبا يعنف في ابنته

أولاً الأسرة : تعتمد الأسرة على العنف كأسلوب لتربية الأبناء وتقويمهم وتوجيههم نحو الصواب. فعندما يُخطىء الطفل يكون الضرب عقابه لتصحيح سلوكه بدلاً من النصح والإرشاد وغيرها من الأساليب التربوية. فالأب (القويّ) ذو السلطة المركزية في البيت لا يجد بديلا أمثل يلجأ إليه ليعاقب به أبناءه غير الضرب أو التوبيخ العنيف بالألفاظ القاسية التي تهزّ كيان الإنسان وتؤثر على نفسيّته وتحديداً لفِئتي: الأطفال والمراهقين.

حتى أساطيرنا الشعبيّة والتي نتّجه لها بدلاً عن الضرب والعنف اللفظي؛ قد تتسبّب في ضرر نفسي كذلك. مثلاً (عزوز القايلة – الفتّاشة، وغيرها)  التي نرهب بها الأطفال ونجعلهم يرتعدون خوفاً منها ظنا منّا أنّها طريقة للتهذيب من سلوكهم وتفاعلهم الحيوي الطبيعي. أمّا بخصوص الفِئة الأخرى وهم المراهقون فيشعرون بالإهانة نتيجة الضرب والكلام القاسي الأمر الذي قد يترتّب عليه ردّ فعل معيّن، فيمارس هذه السلوكيات على أقرانه في الشارع أو أقاربه أو من هم أصغر منه سِنّاً في البيت.

الشي ذاته تمارسه الأم على أولادها والأخ الأكبر على إخوته الصغار وعلى هذا النحو في صورة هرمية من الأعلى إلى الأسفل تشبه المركزيّة في النظام السياسي والاجتماعي (القبيلة للعائلة للأسرة الصغيرة) غير أن هذا الاطار يأخذ مسارا آخرا إذ تكون فيه سلطة الذكور أقوى من الإناث حتى لو كانت الأنثى هي الأخت الكبرى نتيجة لنظرة المجتمع (الذكوري) القاصرة تجاه المرأة كونها عنصرا تابعا للرجل دائماً بلا كيان مستقل.

طفل يجلس واضعا يديه على رأسه، وهو في حالة قهر وحزن

ثانياً الخلوة : إلى جانب الأسرة توجد الخلوة الدينية التي تعزّز من مفهوم العنف كأسلوب للحياة وطريقة مثلى للتحفيظ. إذ تأذن العائلة للشيخ بضرب ابنها ضربا مبرّحا في حال لم يحفظ درسه من الآيات القرآنية أو قام بمخالفة التعليمات أو القوانين الموضوعة. وربّما يتلقى الفرد أو الطفل عقابا قويّا وشديدا يفوق نوع العقاب الذي يتلقاه داخل أسرته.

ولكن الشيخ (سيّده) هنا يكون أكثر من مربٍّ بل واعظا دينيا يهدي الأولاد إلى طريق الحق وربما يرشدهم نحو الجنة. لذلك هو يملك حصانة من نوع آخر. وتبارك العائلة كلّ ما يقوم به من عنف تجاه ابنهم ومهما حدث يبقى هو شيخه وسيّده الذي يعرف مصلحته أكثر منه ومن أسرته.

هذه الأساليب التربوية المشرعنة حتماً تؤثر على نفسيّتنا وتعمّق من علاقتنا بالعنف كونه أسلوب حياة طبيعيّ، وينبغي ممارسته ربّما بدافع الانتقام أو لأنّه المسار الانموذجي. وبالتالي شخصيّاتنا تبنى على العنف. ومن ناحية أخرى العنف يولّد القهر فتجدنا مقهورين بسبب العنف الذي مارسه علينا المجتمع وليس العائلة فقط.

مثلا نكون غير قادرين على تقرير مصيرنا أو تحديد نمط حياتنا وكلّ ما فينا مِلؤه الحَذَر والخوف والقلق من هجوم الآخرين أو ردّ فعلهم فيصاحبنا شعورٌ دائم بالهزيمة. فالفرد فينا يحتاج إلى وقت طويل للتخلص من العقد والآثار النفسيّة في حال لم تؤثر عليه كلياً وعلى سلامته العقلية والنفسية.

2 – ثقافة رسمية  (العصا لمن عصى)

أولاً المدرسة :  العنف في المدرسة أكثر تنظيما من المؤسسات الأخرى لكونها مؤسّسة رسميّة تتبع الدولة وليست لها أي سلطة اجتماعية أو دينية. ولكنّها تجمع بين الجانبين التربوي والتعليمي، وبعض الملامح الدينية نتيجة لبعض المواد وملامح الثقافة الدينية في سلوكنا.

إن العنف في المدراس يرتبط بعدم أداء الواجبات المدرسية مثلاً ولكنه عنف غريب إذ يبنى النظام الدراسي على التلقين وبالتالي ينبغي على الطالب أن يتحوّل إلى جسم يحفظ وينسخ دون محاولةٍ للاستيعاب والتفسير والتحليل وبالتالي هو عرضة للعنف في أول محطة محتملة للخطأ أو النسيان أو عدم الفهم أو القصور في الاستيعاب.

صورة تظهر شابا يعنّف شابا آخر في أحد فناءات مدرسة - ثقافة العنف

إنّ جذورنا التاريخية لها علاقة مباشرة بالعنف. فعندما نقرأ تاريخنا خلال الفترات السابقة نجده مليئا بالتصدّعات والحروب الاستعمارية التي تعرّضت لها بلادنا وما أحدثته من عنف وقهر واضطهاد وجوع في فترات: الاحتلال العثماني أو الإيطالي الفاشي والأثار الدموية التي تركتها في عقولنا ووجداننا جرّاء المعتقلات والمعارك الضارية وحتى الحروب الأهلية التي وقعت في تلك الفترات لأسباب سياسية واقتصادية.

موظف يتم ضربه من قبل مديره ويبدو في حالة قهر

خاتمة

كلّ هذه العوامل وما نتج عنها كان له تأثيره على النفسية والشخصية الليبية (ملامح وانطباعات). والتي أصبح العنف جزء من تكوينها، إذا، لا بُدّ لنا أن نعيَ خطورة العنف وعلينا معالجته ومحاربته والتخلص منه كتراث وأسلوب حياة. وهو ما يستدعي مراجعة وتنقيح موروثنا الثقافي والاجتماعي والديني (على المدى البعيد).

كما يتوجّب أيضاً منع العنف في المدراس وحلقات تدريس القرآن وحتى داخل الأسر نفسها ولا بد من فرض قوانين صارمة وتوعية المجتمع بمخاطر العنف (كأسلوب للحياة) لكي تتمّ معاملة أي انسان داخل هذه البلاد بكل إنسانية.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية