الأسرة، القبيلة، الدولة في ليبيا: خصوصيات الفرد وقيود الجماعة ShutterStock
ما معنى أن تكون مستقلا article comment count is: 2

ملامح النظام الأبوي في ليبيا

للمركزية في ليبيا أوجه متعدّدة، ولعلّ أبرزها السلطة الأبوية الشاملة التي تلغي الفردانية، وهي إحدى سمات المجتمعات التقليدية، لا يزال المجتمع الليبي يعيش تحت تأثير النزعة الأبوية في شكل منظومة متكاملة بداية من الأسرة التي يرأسها الأب في صورة الحاكم الذي يدرك الحقيقة المطلقة،

الأسرة مدخل إلى بنية اجتماعية أكبر وهي القبيلة، بالتالي فهي توضّح شكل المجتمع الليبي؛ إذ أنّ القبيلة تُعد ركيزة أساسية ومن مدخلات النظام السياسي. الدولة هي البنية الأكبر في النظام السلطوي الشامل بمختلف تنظيماتها السياسية والاقتصادية والثقافية مستندة على مؤسستين اجتماعيتين هما العائلة والقبيلة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذه السلطات خضعت لبعض العوامل التي أثرت في الأنظمة السياسية والاقتصادية للعالم ككل، مثل العولمة والمد الثقافي الذي لم تعد تفصله الحدود القانونية أو الجغرافية.

خلقت هذه العوامل مساحات أكثر للفرد والمرأة على وجه الخصوص، حتى أصبحت الحقوق البديهية امتيازات؛ مثل الحق في العمل، أو القيادة، وحتى اختيار التخصصّ الدراسي الذي يفرضه الكثير من الآباء الليبيين على أولادهم لأسباب تتعلق المكانة الاجتماعية مستقبلاً، والاقتصادية لضمان الحصول على وظيفة ودخل مادي يضمن له عيشا كريما، هناك أيضاً أسباب أخرى مثل: الخلل البنيوي في النظام التعليمي ككل؛ ولكنها تمنح النصيب الأكبر من الاهتمام لتخصّصات مثل الطب والهندسة والقانون، إلى جانب إهمالها لباقي التخصّصات وندرتها من الأساس، حيث تتوفر تخصّصات مثل الفنون والعلوم السياسية في مدن ومناطق محدودة.

يُفرض على الكثير من الشباب اليوم نوعٌ من الحياة متأثر بنمط ديني أو قبلي أو جهوي يحدد لهم أولويّاتهم

  • الأسرة وهيمنتها على أبنائها:

النظام الأسري في ليبيا مركزي، تكون فيه القرارات المطلقة للأبوين، يقرّران عن أبنائهم قرارات مصيرية في مختلف مناحي حياتهم، وبالتالي لا يستطيعون تحديد مسار حياتهم بالشكل الطبيعي الذي يريدونه، فهم لا يتمتعون بخصوصية كاملة. حتى حياتهم الاجتماعية المتعلقة بأصدقائهم وبيئتهم المحيطة وتوجهاتهم الفكرية والسياسية،

يُفرض على الشباب اليوم نوعٌ من الحياة متأثر بنمط ديني أو قبلي أو جهوي يحدد لهم أولويّاتهم؛ وهي الشهادة والوظيفة والزواج، بالتأكيد توجد استثناءات متفاوتة في الخصوصية والفردانية حسب كل عائلة ونمط حياتها وتمرّد الفرد من عدمه. لكن ما ذكرته أعلاه يمكن وصفه بالسلوك العام لحياة الليبيين، وأضف إلى ذلك هي التراتبية في السلطة، فعلى سبيل المثال: سلطة الأب أعلى من الأم، ونصيب الفرد الذكر في العائلة من هامش الحريات والخصوصية أكثر من الأنثى؛ لأن النظام التربوي داخل الأسرة مبني على سلّم من القيم والخطابات والممارسات التي تؤثر في نشأة الفرد وطريقة تفكيره،

الحقيقة في المجتمع الأبوي إما تكون مطلقة أو بالمجاز، ويجب الخضوع إلى قرار من هم أكبر سناً حتى لو كانت خاطئة بنسبة كبيرة، وما يمنحه الحق ليس الوعي أو المعرفة أو التجربة؛ فالسّلطة الأبوية تمنحه من منطلق اجتماعي صرف، هناك فتيات حُرِمْن من ممارسة حقهن الكامل في التعليم بسبب مزاج اجتماعي يحتِّم عليها الوقوف عند مرحلة معينة، أو الزواج من أحد الأقارب دون الرجوع إلى رأيها، أو من يتم توجيههم إلى تخصّصات دراسية معينة كنوع من التنافس الاجتماعي مع الأقارب ومدعاة للفخر بين الأوساط المحيطة.

  • القبيلة وخصوصيّة الفرد:

إن النظام السلطوي في القبيلة موسعٌ وشموليّ أكثر؛ فهو يقوم على تحديد المصلحة العامة دون الرجوع إلى الأفراد ورغباتهم الذاتية. وبالتالي القبيلة تشبه الدولة ويتم الرجوع إليها بدلاً من الخضوع للقانون، تدافع عنهم ويدافعون عنها وتجلب لهم حقوقهم (الغنيمة) وتفرض عليهم نمطا معينا موسّعا من القرارات والتوجهات، وتمنحهم علاقات واسعة عبر الواسطة والمحسوبية الاجتماعية على اعتبارها مدخل مهم في النظام السياسي الليبي. إذ يتجسّد جوهر الممارسة القبلية في ذوبان شخصية الفرد في القبيلة، وبالمقابل لذلك فإنّ أعماله تقع ضمن نطاق المسؤولية الجماعية للقبيلة، وتقوم هذه بدورها بتعزيزهما باستمرار.

  • المرأة والنظام الأبوي في ليبيا:

وضع المرأة في ليبيا بالغ التعقيد؛ فهي العنصر الأضعف من حيث التبعية داخل المنظومة الأبوية، وإلى جانب التأثير الاجتماعي والديني الذي يعزّز من تبعية المرأة، هناك جانب آخر متمثل في السلطة السياسية، وهي أبوية بطبيعتها. وللإنصاف توجد بعض القوانين والتشريعات التي تعطي المرأة مساحة، ولكنها تذوب أمام السلطة الاجتماعية الأقوى المعزّزة بالنظام القبلي بديلًا عن المؤسسات التربوية والإصلاحية والتعليمية والنقابية.

البيئة الاجتماعية في ليبيا تحدّ من الحياة المدنية والسياسية للمرأة

التغيير الرئيس في المجتمع يكون عن طريق الممارسة الفاعلة عبر العمل والاندماج، وبتحقيق مفهوم المواطنة في المجتمع التي تقوم على الحقوق والواجبات وهذا ما يضمن للمرأة والأفراد حياة مدنية ونقابية وسياسية سليمة؛ لكن البيئة الاجتماعية والسياسية ترفض أن تخلق مناخا مناسبا للعمل والانصهار، ما يجعل بعض التشريعات والقوانين مجرّد ظل تحتمي به السلطات الأبوية وربما هي نتائج الأبوية المستحدثة، وفي هذا السياق يقول المفكر جورج طرابيشي: “لقد نشأ تنظيم المجتمع بأسره على السماح للرجل في المجتمع بالتصرف في نصفه الآخر من النساء وكأنهن من ممتلكاتهم الأخرى …….. لا يمكن للمجتمع أن يكون مُصلحًا فحسب حين تكون حرية المرأة وعدالتها الاجتماعية على المحكّ”

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (2)