الاضطراب النفسي ليس عارا، والأدوية وحدها ليست علاجا، ودور المجتمع هو المحوريّ للدعم النفسي - Huna Libya
الصحة النفسية article comment count is: 0

اضطراب ما بعد الصدمة، تجربتي كطبيبة نفسيّة

يُقلّل الكثير من النّاس الذين يعيشون في مناطق النزاع، من تأثير الحرب عليهم، بل إنّ بعضهم قد يقول جازما أنّ الحرب لم تؤثر عليه مطلقا. هناك قاعدة تقول من الصعب أن تحكم على الحالة وأنتَ فيها ومتلبّس بها. وهذا ما يحصل مع النّاس الذين يعيشون في بيئة توتّر دائمة، وخوف مستمر، والنظر باستمرار إلى مستقبل مجهول.

رجل يضع يدا على أخرى جالسا في غرفة مظلمة - اضطراب ما بعد الصدمة

مواطن صالح ووضع غير صالح

صالح (34 عاما/اسمٌ مستعار حفاظا على خصوصيّته) أحد النّازحين بسبب الحرب التي لا تنتهي، المقيمين في فصل مدرسيّ، رفقة عشرات العائلات غيره. يتردّد صالح على العيادة بصفة مستمرّة. من الوهلة الأولى التي زارني فيها بالعيادة، وأنا أرى في وجهه الشعورَ بعدم الاستقرار و التوتر مخيّما على محيّاه.

جلس صالح محنيّ الكتفين، نتظرا إلى الأرض، هو يهز رجله بتوتر. كانت شكوى صالح الوحيدة والتي ذكرها في كلماتٍ مقتضبة لم تزد عن ثلاث: “أعاني من أرق مزمن“. بعد محاولات كثيرة لكسر الجدار الذي بناه حول نفسه، أخبرني صالح أنّه حُوصر هو و عائلته و بعض الجيران تحت قصف عنيف. كان يتحدّث في تقطّع، و كأنه يُعيد معايشة تلك اللحظات العصيبة. تتسارع أنفاسه و هو يشرح في انفعال ليلة خروجهم من المنزل، بعد أن أصابت قذيفة منزلا مُجاوِرا.

على الرغم من أنّ صالح وعائلته جسديّا بخير؛ إلا أنَ تلك الليلة المُريعة ظلّ يعيشها مِرارا و تِكرارا في ذاكرته، حتى أصبح يُعاني من تقلّبات في المزاج؛ إذ هو غاضبٌ و سريع الانفعال، مع تفضيل للعزلة عن الأهل والأصدقاء. بالطبع، هو لم يلاحظ ذلك، العرض الوحيد الذي لاحظه على نفسه كان “الأرق المزمن” واضطراب ساعات النوم.

عندما أخبرته أنّ ما يمرّ به أمرٌ طبيعي، وهو اضطراب ما بعد الصدمة PTSD؛ نتيجة الظروف التي مرّ ويمرّ بها، من الحرب إلى النزوح إلى المعاناة والنظر إلى مستقبل مجهول. عندما أخبرته بذلك، رفض تماما الاعتراف بأنّ مشكلته نفسية، بل كانت ردّة فعله أنّه يشعر بالإهانة، وربّما لو كان الجالس أمامه، طبيبا وليست طبيبة لتغيّرت ردّة الفعل، وأغدق على الطبيب سيلا من السباب والشتائم وربما أكثر من ذلك. كلّ ما قاله لي: أنّه أتى إلى العيادات الخارجية للمستشفى، فقط بحثا عن دواء لمشكلة الأرق المزمن عنده، فمشكلته جسدية لا نفسيّة. رافضا أيّ حلول أخرى من جلسات علاج نفسيّة، أو أدوية نفسيّة.

رجل يرتدي لباسا عسكريّا، وخوذة، ويضع يده على وجهه

المرض النفسي: ليس عارا وليس مرادفا للمرض العقلي

صالح ليس وحده من يرفض الاعتراف بمروره باضطراب نفسيّ – قد يكون حادّا، ورافضا أن يوصف بذلك، وكأنّ الكلمة وصمة عار أو مرادفة للجنون، كما يظنّ البعض جهلا وحُمقا. ممّا يلزمنا أن نتحدّث أكثر عن “اضطراب ما بعد الصدمة” في الوقت الذي نرى فيه أعداد المصابين بهذا الاضطراب في تزايد ملحوظ. فالقضيّة، لم يُسلّط عليها الضوء بما يكفي؛ لنشر الوعي في مجتمعنا.

في أوّل دراسة لتأثير الصراع في ليبيا على الصحّة النفسيّة لسكّانها؛ قامَ باحثون في جامعة كوينزلاند (UQ) سنة 2012 بنشر دراسة عن انتشار اضطرابات ما بعد الصدمة والاكتئاب في ليبيا منذ عام 2011 في البلاد. والذي دفعهم إلى ذلك، شُحّ الدراسات، حيث أنّهم وجدوا أنّ الإصابات الجسدية للعنف في ليبيا بعد 2011 موثّقة جيدًا، بينما ملف الإصابات النفسيّة للعنف في ليبيا بعد 2011 مهملٌ تماما.

من أبرز نتائج الدراسة: حوالى 40% من أكثر السكان تضرّراً من النزاع؛ قد يعانون من “اضطرابات ما بعد الصدمة”. مع أخذ الاعتبار أنّ 30% منهم، حالتهم شديدة وحادّة، وأكثر من ثلثهم يعانون من درجات متفاوتة من الاكتئاب. جاء في الدراسة:

“تشير تقديراتنا إلى أنّه من المتوقع أن يكون أكثر من 120,000 ليبيّ مُصابًا بأشدّ أشكال (اضطراب ما بعد الصدمة – PTSD) بينما يُتوقع أنّ يكون أكثر من 220,000 مصابًا بالاكتئاب الشديد”.

شابٌ يجلس في غرفة مظلمة، مقرفصا، ويضع رأسه بين يديه وركبتيه

من ملاحظات التقرير المهمّة – والتي أهملتها الحكومات الليبية المتعاقبة: “من غير المرجّح أن يتم معالجة هذه المستويات الحالية من العِبء الكبير للصحّة العقلية بشكل كافٍ، من قبل النظام الصحّي الليبي، الواقع بالفعل تحت الضغط منذ النزاع”.

“هذا عِبءٌ ثقيل على الخدمة الصحية الليبية، وليس من المُستغرب أن تكون قدرة البلاد على تلبية احتياجاتها للصحّة النفسية أقلّ بكثير مما هو مطلوب على الأرجح”.

خاتمة

“اضطراب ما بعد الصدمة” شائع في ليبيا، وأعداد المصابين به في تزايد مستمرّ. الدولة عاجزة عن إطلاق برنامج تأهيل نفسي شامل لسكّانها، ولكن هذا ليس مبرّرا لأن نترك اصحابنا وأحبابنا وأهلنا يعانون وحدهم. من خلال تجربتي البسيطة في العمل كطبيبةٍ في مجال الصحة النفسية، أرى أنّ للمجتمع دورا محوريّا في دعم المريض النفسيّ، بتشجيعه على طلب المساعدة من المختصّين، ولا يعنّفه أو ينتقص منه كونه يحتاج دعما نفسيّا. Community Acceptance هو مفتاح التغيير.

رجل في جلسة علاج نفسي -

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (0)

  1. اعتقد فعلا بعد معاناة المواطن الليبي
    من العنف الجسدي و اللفظي و شعوره بانه ليس بيده حيلة،و نزوحه من بيته و لجؤه لاماكن لم يعتقد في حياته انه سيكون فيها،
    يا ريت يكون فيه تقيييم نفسي و حل لكل الليبين

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية