الاستهلاك، الكسل، تعب النساء - Huna Libya
عادات على طاولة النقد article comment count is: 1

العادات الرمضانيّة، نافذتك إلى ثقافتنا

لشهر رمضان المبارك مكانة مميّزة عند الليبيّين، وقد ارتبط عندهم على اختلاف مدنهم بالكثير من العادات الاجتماعيّة، والتقاليد العرفيّة؛ إضافة – بالطبع – إلى العبادات الدينيّة المميّزة التي تصاحب هذا الشهر الفضيل. ولكن عند النظر إلى هذه العادات الاجتماعيّة نرى أنّ المشترك الأهمّ بينها هو “الكسل/اللاعمل والاستهلاك وتعب النساء“.

محل خضراوات منسق

ما قبل رمضان

تعتبر ليلة النصف من شعبان، هي الإشعار الأهمّ لدنوّ شهر رمضان، وما أن تحِلّ حتى تبدأ الأسر الليبيّة، في شراء كلّ ما يلزم وتكديسه وتخزينه. لا يقتصر الأمر فقط على الأكل، بل حتى الأواني المطبخيّة في عادة كأنّها طقوس لربّة البيت لا محيد عنها. وهنا يبرز سؤال: لماذا تغيب عن الكثيرين “ثقافة الاقتصاد المنزليّ”؟ فليس خافيا على أحد أنّنا نعاني أزمة اقتصاديّة حرجة متمثّلة في مشاكل السيولة وتأخّر المرتبات وغلاء الأسعار. وأيضا، لماذا تتعامل هذه الأسر مع الأزمة على أنّها مؤقتة والحلول وقتية و”رزق غدوة على غدوة”؟

التمر والحليب في شهر رمضان

مطبخٌ لا يعترف بالحدود

تتميّز ليبيا بتنوّعها الذي يثريها، لغة وعرقا وجذورا مع اتساع كبير في رقعتها الجغرافيّة. ورغم ذلك نُلاحظ أنّ هناك تشابها كبيرا في المطبخ الليبيّ من حيث التحضير والأصناف، مع اختلاف في درجة التفاضل بينها (الأرزّ في الشرق، الكسكسي في الغرب، البازين في جبل نفّوسة، الفتات في الجنوب). طبق “الشربة” على سبيل المثال، يظلّ الطبق الرئيس على السفرة الرمضانيّة ولا تخلو منه سفرة. إضافة إلى عشاق “الأبراك/الدولمة” و”المبطّن” ذائعا الصيت والطعمة. أمّا في التحلية، فتكاد تكون “المحلّبيّة” علامة مسجّلة في شهر رمضان فقط.

تتميّز ليبيا بتنوّعها الذي يثريها، لغة وعرقا وجذورا مع اتساع كبير في رقعتها الجغرافيّة. ورغم ذلك نُلاحظ أنّ هناك تشابها كبيرا في المطبخ الليبيّ

سفرة الإفطار في شهر رمضان المبارك

العشاء الأوّل والعشاء الأخير

للفطور الرمضانيّ الأول مكانة مميّزة لدى الكثير من العائلات الليبية. تعتبر “اللمّة” شرطا أساسيّا فيه، حيث يجتمع كلّ افراد الأسرة عليه. بعضها يجتمع في بيت “الجدّ” بأبنائهم وبناتهم المتزوّجين، وأطفالهم طبعا. تتميّز الإفطارات الأولى عادة بالتنوّع والتبذير. التبذير تلك الصفة التي تصبغ ثقافتنا في كلّ شيء. نبذّر مالنا على الكماليات، نبذّر وقتنا على الضياع، ونبذّر جهدنا على اللاجدوى. وهنا يبرز التساؤل عن غياب مبادرات العائلات – لا المؤسسات، إلى إطعام العائلات النازحة جرّاء الحرب الأخيرة (أبريل 2019) – مثلا – إمّا باستضافتهم أو حمل الإفطار لهم. حقيقة: كثيرٌ من النّساء تعتبر ضيف رمضان زائرا غير مرغوب فيه، ربّما لأنّه يعني مزيدا من الأشغال عليهم إعداد وتنظيفا.

الإفطار الرمضانيّ الأخير، يختلف تماما عن الأوّل. في العشر الأواخر يتحوّل رمضان إلى نوع من الروتين المعتاد، وتبدأ السفرة الرمضانية في التناقص، ويبدأ أفراد الأسرة في التغيّب والتساهل. وتبدأ رحلة أخرى في إعداد حلويات العيد منزليّا، في تقليد بدأ يتناقص شيئا فشيئا عن السابق.

شهر الأشغال الشاقّة للنساء

تظهر ذكوريّة ثقافتنا بشكل واضح في هذا الشهر الكريم. غالب العائلات الليبيّة لا يقوم فيها الذكر بشيء يُذكر من أعمال المنزل؛ تنظيما وطهوا وغسلا. منذ ساعات الصباح تنهض الأمّ الليبيّة وبناتها لتنظيم المنزل، وأحيانا ترتيبه بعد زيارات ليلة سابقة. بعد ذلك، تبدأ رحلة النّساء في تجهيز وجبة الإفطار، وتنسيقها من الصباح حتى المغرب دون توقّف. وما أن تنتهي هذه المعركة حتى تبدأ ملحمة “غسل المواعين” والتي ينظر لها غالب البنات على أنّها اشغالٌ شاقّة. قرأت مرّة تعليقا طريفا يعبّر عن مدى مرارة غسل الصحون. قالت إحداهنّ:”غسيل الكلى ولا غسيل مواعين الفطور” تصوّر!. في هذه الملحمة يظهر الذكر كملكٍ متوّج، لا يُنازعه في ملكه أحد. ينام يومه، ويصحو على إفطاره، ويخرج من فوره، ويعود على فجره، ليجد كلّ شيء جاهزا. وهكذا تستمر دورة حياة الطفيل الرمضانيّ.

تظهر ذكوريّة ثقافتنا بشكل واضح في هذا الشهر الكريم

اللحم في الجزار

مقاهٍ أسواق

لعلّ الملاحظة الأبرز في هذا الشهر، هو ازدحام المقاهي واكتظاظها بالزوّار فوق المعتاد، خصوصا عشّاق “الأرجيلة”. وظهرت مؤخّرا مجموعات في المقاهي للعب “PUBG” بشكل جماعي لما بعد ساعات الفجر الأولى. في المقابل، الأسواق هذه الأيّام مزدحمة بشكل مبالغ فيه، الأمر الذي يجدّد سؤال الكثيرين: “هل فعلا نعاني من أزمة ماليّة خانقة، وما هي آليّات وأولويات الصرف عند الأسرة الليبيّة؟”

عدالة الشاهي باللوز

خاتمة

رغم مكانة شهر رمضان في نفوس الليبيّين؛ إلا أنّه للأسف أصبح شعارا للاستهلاك ومبرّرا للكسل. ولا أدري لماذا فشلت الأزمات التي مرّت بها ليبيا في السنين الأخيرة في تغيير نمط حياة الكثير من الليبيّين؟ وما الذي ينتظره الليبيّون لكي يتجاوزوا سلبيّاتهم المجتمعيّة؟ وأخيرا: لو تمثّل هذا الشهر رجلا، ماذا عساه سيقول لنا؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)

  1. كلام موزون وحقيقي في كل بيت ف مجتمعنا وواقع نعيشو فيه ..بدل ما نمشو بمقولة التغيير للأفضل وترك بعض عادات التبذير نلاحظ ابتعادنا عن شهر العبادات وشهر التوبه.. اغلب الناس ماشية ب مقولة من شبَّ على شيء شاب عليه
    احسنت انتقاء الكلمات واحسنتم النشر ..
    وفقكم الله

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية