حاجة المجتمعات إلى الفنون - Huna Libya
الأصفر وتقوى article comment count is: 0

تقوى برنوسة و ورق، وتنمية الإنسان بالفنّ

أن تحاول أن تخلق فرصة لنفسك، فذاك ليس بالأمر السهل، و يتطلّب منك وقتا و جَهدا طويليْن؛ فما بالك أن تخلق فرصا للآخرين من حولك، سواء تعرفهم أم لا تعرفهم؟ يبدو الأمر حالما، أليس كذلك؟

تقوى بوبرنوسةتقوى برنوسة “ (21 عاما) فنّانة ليبيّة أمازيغيّة شابّة، رسّامة (حروفيّة) موهوبة، و مؤسِّسة لـمؤسّسة ورق للفنون . برنوسة شاركت بفنّها في العديد من المعارض المحلية والإقليميّة والدولية. واستطاعت أن تخلق العديد من الفرص لفنّانين و فنانات ليبيّين، في الوقت الذي كان فيه صوت السلاح هو المسموع و التذمّر هو الطاغي على نفسيّات الجميع.

تقوى برنوسة وهي تعمل على إحدى هواياتها التصميميّة

وابتدأ المشوار

بدأت تقوى برنوسة مشوار مؤسسة ورق للفنون سنة 2016، وهي بعمر 17 عاما تقريبا، مموّلة مشروعها ذاتيّاً من مدّخراتها الشخصيّة والتي كان من المفترض أن تكون مصروفات دراستها في الخارج. وبعد أن تعذّر تحقيق هذا الحلم – حلم الدراسة – بسبب ما مرّت وتمرّ به ليبيا من تدهور وحروب متوالية؛ صرفتْ مدّخراتها كلّها على مشروعها مؤسسة ورق للفنون، ودون تردّد. ولتصبح أصغر مديرة معرض ومساحة عمل مشتركة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

في ذلك الوقت – وقت تأسيسها لورق – لم يكن هناك مؤسّساتٌ فنية ثقافيّة شبابيّة فاعلة، و يكاد ينحصر دور الموجود منها على بعض المعارض المتفرّقة، دون دور مؤسّساتيّ حقيقيّ. تقول تقوى “من أكبر المشاكل التي واجهتُها هي عدم وجود مراجعٍ وتجاربٍ يُمكن أن يُستند عليها و تؤخذ منها الخبرة من مشاريعهم، فلم يكن لي من طريق سوى التعليم الذاتيّ وتأهيل نفسي ذاتيّا”.

Creativity Vs Tradition

ما الذي تحاول تقوى برنوسة تحقيقه من خلال مؤسّستها “ورق”؟ تقول تقوى “أحاول تغيير مفهوم المؤسّسات الفنيّة النمطيّة التقليديّة والتي تعوّدنا على وجودها في المجتمع الليبيّ، و التي يكون تأثيرها – عادةً – لحظيّا لا يَضرب في عمق المجتمع. أمّا عن المؤسّسات غير التقليديّة، على قلّتها ومحدوديّتها فأنّ لها دورا بارزا في مساعدة الشباب على اكتشاف نفسه وتنمية قدراته، وتكون كحاضنة له”.

تسترسل تقوى في بيان رؤية المؤسّسة فتقول “يجب أن يكون سير المؤسّسة إلى الأعلى، بحيث كلّ نشاط أفضل من الذي يسبقه وأن يكون أداء المؤسّسة في تطور مستمر” تتوقف تقوى قليلا ثمّ تسترسل “الدعم المالي الجيّد عنصر مهمّ من عناصر النجاح، سواء من المنظّمات المحليّة أو الدوليّة، ونعترف أن قلّة خبرتنا ومحدوديّة معارفنا كانت سببا في عدم حصولنا على تمويل مالي كافٍ للمؤسّسة بحجم أفكارنا ومشاريعنا”

تقوى برنوسة مديرة مؤسّسة ورق للفنون
تقوى برنوسة – مديرة مؤسّسة ورق للفنون

النجاح قرين الخطر

أوّل معرض لمؤسسة ورق لفنون كان بعنوان “إنذار” عن حقوق الإنسان في المجتمع المعاصر  (أبريل 2017). كشفت فيه “مؤسسة ورق” عن نفسها وفريقها وقدراتهم، وبرزت للعلن بشكلٍ ملفتٍ للنظر من حيث التنظيم والتنسيق وجمع عدد كبير من الفنّانين الليبيّين الشباب تحت سقف واحد. فكان نقلة نوعيّة في عرض اللوحات و الأفكار، و كان تفاعل الناس معه جيّدا ولاقى إقبالا واسعا رغم كون المعرض هو الأوّل للمؤسّسة.

ولكن، النجاح في ليبيا قرين الخطر، فبعد أسبوعين من إقامة المعرض، تعرّضت المؤسّسة للعديد من المضايقات وتمّ التهجّم على مقرّها بحُجّة الاختلاط، ما سبّب ضغوطاتٍ نفسيّة و عمليّة كبيرة على العاملين فيها، و الذي زاد الأمر سوءً شعورهم أنّهم تُركوا لوحدهم، ولم يجدوا من يقف معهم مناصرة وتضامنا.

وتستمرّ الحكاية

رغم العراقيل الماديّة والمجتمعيّة، لم تتوقف مؤسسة ورق عن نشاطها وإقامة المعارض. في نهاية 2017 أعلنت المؤسّسة عن معرض/جاليري “عبر الحدود” خارج ليبيا، الجولة الأولى (10/2017) كانت في برشلونة – إسبانيا، والجولة الثانية (06/2018) في فيينّا – النّمسا. وقامت بدعوة بعض الفنّانين الليبيّين. كان الهدف الرئيس خلق فرصة لتعريف العالم بالفنّ الليبيّ، والثقافة الليبيّة في وقتٍ لا يعلم الكثيرون عن ليبيا سوى ما تبثّه نشرات الأخبار من احتراب ومآسٍ، فكان الهدف إيصال الفنّ الليبيّ إلى أبعد من الحدود المرسومة له. أيضا، كان هدف البرنامج إتاحة الفرصة للفنّان الليبيّ لكن ينشر فنّه ويثبت نفسَه.

ولكن، هل تمّ ذلك بكل سهولة وانسيابيّة؟ بالطبع لا، تقول تقوى برنوسة “من أكثر الصعوبات التي واجهتنا أنّ الفنّان الليبيّ عندما تُتاحُ له مثل هذه الفُرَص من مؤسسّة ليبيّة، لا يُقدّم عليها، و يعزف عن المشاركة فيها. عكس لو كانت الدعوة من منظّمة أجنبيّة، فتجد الجميع يتهافتوت للمشاركة. الليبيّون بصفة عامة يمكننا القول أنّنا نزدري ما هو ليبيّ ونحبّ ما هو أجنبي”. ولعلّنا نستشفّ من إجابة تقوى وتجربتها سؤالا مهمّا عن: سبب عدم ثقة الفنّان الليبيّ في المؤسّسات المحليّة؟.

تقوى وهي تمسك بأدوات رسم

الحاجة تولّد الابتكار

لم يكن مفاجئنا أن أقفلت مؤسّسة ورق للفنون مقرّها الرسميّ، بعد الضغوطات والتهديدات التي تعرّضت لها. ورغم أنّهم لم يعد لديهم مقرٌّ ثابتٌ لإقامة الأنشطة والمعارض؛ إلا أنّ ذلك لم يُثنهم على المُضيّ قٌدٌما في خلق بيئة فاعلة للفنّانين. ومن هنا جاءت فكرة Public Spaces او الأماكن المفتوحة/العامّة. تقول تقوى “مفيش أماكن تتماشى مع الأشياء اللي نبّوها، في نفس الوقت مفيش ميزانية، فكانت طريقة ممتازة للتحايل على الوضع، حلول بديلة). لذلك اتّجهوا إلى الأماكن العامة مثل “المدينة القديمة” و “الكورنيش” وغيرها، وأقاموا بها العديد من التظاهرات الفنية، لمدة شهر كامل .

“الأثر كان فعّالا جدّا، الحضور كان مميّزا والتفاعل كان فوق المتوقّع” قالت تقوى. فعندما تمّ استغلال الأماكن العامة والنزول إلى الشوارع وإقامة المعارض فيها؛ كان الحضور من كل شرائح المجتمع خصوصا الجيران الذين رافقوا الحدث منذ التجهيزات الأولى، رغم أنّهم لا يعرفون شيئا عن المؤسّسة.، فلم يقتصر الحضور فقط على النخبة المعتادة كما يحدث عند إقامة المعارض في الأماكن المغلقة.

مواد وأدوات للرسم

نهاية وبداية

تعيش تقوى برنوسة منذ نهاية عام 2018 في ألمانيا، بعد أن تحصّلت على زمالةٍ للعمل مع منظّمة ثقافيّة هناك. تعلّق على تجربتها بكلّ جديّة “نشتغل بثقة لأنّي ما نحسش إنّي جاية بأقل فنّ”. الطريف في الأمر أنّها قبل سفرها، ومحاولة منها الحصول على دخل ماديّ، كانت تعمل في محلّ أثاث لتصميم اللوحات الفنيّة. وأيضا كنوعٍ من ممارسة شغفها. تعلّق تقوى على هذه التجربة فتتساءل “لماذا يرى بعض النّاس أنّ الفنّان إذا قام ببيع لوحته؛ يعني أنّها فقدت قيمتها الفنّيّة“.

لم نترك تقوى بوبرنوسة دون أن تطلب منها كلمات ختاميّة، فقالت : “لازم كلّ فنّان يخلّي النّاس تعرف كيف توصل فيه، أي أن يصبح مُتاح لهم بتواصله على السويشال ميديا و المشاركات في المحافل الفنية”.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (0)

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية