article comment count is: 0

خليل الحاسي يكتب: حرية التعبير.. القيمة التي لا نساوم عليها!

تعرّض العالم منتصف القرن الماضي لتجربة قاسية تغيّرت من خلالها الكثير من المفاهيم، ومعها تغيرت مراكز الرؤية للكثير من القضايا الإنسانية. والأهم من كل ذلك، تبلورت قيم أخلاقية جديدة تجاه قضية الحريات التي ترتبط بالحفاظ على السلام، فأينما وُجدت بنات قيم الحرية “حرية التعبير، الحريات الفردية والصحافة الحرة” كان الاستقرار، وحيثما وُجد أبناء العبودية “القمع والاستبداد، وتكميم الأفواه” كانت الحروب الأهلية والثورات. بذلك المعنى السابق تكون الحريات الإنسانية خط الدفاع الأول للمجتمع ضد أية قوى متسلطة تُضمر غايات قمعية للبقاء في الحكم.

استطاعت الجمهوريات الوراثية التي سدت أفق التغيير بالكليّة، خلق ضبابية مريبة بين حريات التعبير والصحافة والحق في الوصول إلى المعلومة التي لا تريد الحكومات للرأي العام الاطلاع عليها، وبين الجوْسسة والتجنيد لصالح الجهات الأجنبية. حتى أصبحت النظرة العامة للصحفي الغربي نظرة ارتيابية تُختزل في كونه موظفاً لدى أجهزة المخابرات للدول الكبرى، وأصبح كل الصحفيين المحليين العاملين في الصحف الغربية عملاء في منظومة “تتآمر” على شعوب المنطقة التي وقف بها الزمن عند أشكال الحكم القديمة – دينية وعسكرية. هذه السياسات الخبيثة والمضللة التي انتهجتها حكومات الشرق الأوسط والمغرب الكبير، تهدف إلى الربط بين المحافظة على الأمن القومي والبقاء في السلطة.

إعتقد المتفائلون أن أدب السجون سيُدفن إلى الأبد مع سقوط الديكتاتوريات الحاكمة وسجونها، فحرية التعبير بكافة أشكالها الأدبية والفنية مفتوحة اليوم على مساحات الحلم الديموقراطي، إلا أن ظاهرة الانتفاضات التي اندلعت في المنطقة كشفت الغطاء عن حقيقة متمثلة في تفوّق استبداد المجتمعات على استبداد الأنظمة الشمولية، فكانت ديكتاتورية المجتمعات أشد وطأة على حرية الفرد من ديكتاتورية الأنظمة.

تسعى كل سلطة سياسية غير شرعية للتأسيس لمشروعية تتجاوز الظروف الاجتماعية، وفي سعيها للاستحواذ على الروافد الفكرية التي تشكل الرأي العام، تحتاج للمثقف والشاعر والفنان والموسيقي والمفكر ورجل الدين. إن ذلك يضمن وجود مزاج عام يدافع عن بقاء قيم التخلف السياسي والثقافي، فيتحول بهذا المزاج العام إلى حارس للإجابات المطلقة في وجه حرية التعبير الفردية التي تتطلّع لآفاق جديدة، قد يخالف رأي الفرد رأي الأغلبية، إلا أن ذلك لا يكفي للاشتباه في موضوعية الرأي الفردي، وفي الوقت عينه، لا ينبغي للأغلبية مصادرة الاعتقاد الفردي، لأنها تعني في المقابل أحقيّة الفرد في مصادرة اعتقاد الأغلبية إن توفرت له أسباب السيطرة والتسلط، ولدينا من الأنظمة الديكتاتورية التي حكمت في عالمنا أمثلة كثيرة توضِّح شكل الحياة وأنماط الظلم المتبادل في غياب حرية التعبير، وما دام حق التعبير ينتهج الطابع السلمي، يستطيع الإنسان أن يعبر عمّا شاء من اتجاهات واعتقادات فكرية تفسر له أسباب وجوده في هذا العالم، ولا مجال للمساومة في هذا الحق الإنساني الأصيل الذي نصّت عليه المادة التاسعة عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي استلهم مضامينه من تجارب الشعوب وثورات الحرية والتحرر في العالم، 
غير أن مفهوم حرية التعبير يحتاج للخروج من دائرة النخبة إلى ثقافة المعرفة الشائعة، فلا يتأتّى لنا التفكير في وجود حياة ديموقراطية صحيحة دون وجود الحق في حرية التعبير داخل أي مجتمع يطمح إلى الانتقال من عبودية الشمولية إلى حرية التعددية، ذلك أن الخيار الديموقراطي للمرء يستمد أصالته واستقلاليته من خلال حرية التعبير التي بدورها تستمد كينونتها من حرية الاعتقاد، فهذه المفاهيم متواشجة ومتمفصلة على النحو الذي لا يسمح بانتزاعها من ذلك الترابط العضوي.

وبعبارة ثانية، إن حرية التعبير هي حجر الزاوية في أبْنية الثقافة الديموقراطية. ومن جانب آخر فإن حرية التعبير تؤسس لنشر المعارف بين المجاميع البشرية المختلفة، أكثر من ذلك، تقيم سوقاً مفتوحاً للأفكار تنهار معه الحواجز الثقافية والدينية التي اختلقها الإنسان أمام أخيه الإنسان، فتعزز بهذا مفاهيم المواطنة الكونية.

على كل حال، فإن الحديث السابق يبدو فائضاً عن حاجة واقعنا السياسي الرديء, عند النظر لمجتمعاتنا المتأخرة التي تتوجس ريبة من الديموقراطية والحريات، وتفضل المشاركة في إعادة إنتاج عملية التناوب التاريخي بين حكم الإسلاميين والحكم العسكري في المنطقة، وما كنت أودّ قوله في سطور وجيزة، يدور حول فكرة اقتران الحريات بالأمان، فالمجتمع الحر هو المجتمع الآمن، أما المجتمع الذي يقايض بالحرية لحساب الأمن، لا يدشّن في الواقع إلا سلاما هشا ينهار مع انهيار السلطة القمعية.

اترك تعليقاً

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك

فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط، ب‘مكانك قراءة سياسة الخصوصية