العنف ليس جسديا فقط. قد يكون العنف النفسي أكثر ألما وأعمق أثرا ويترك ندبات تعيش طويلا - Huna Libya
كدمات غير مرئية article comment count is: 2

بيوت باردة، عن أثر العنف الأسري النفسي

“كنت نتعرّض للتهديد بالإيقاف من العمل، والقتل، والمنع من الخروج من المنزل، من قبل والدي واخوتي”

هند ـ إحدى ضحايا العنف الأسري.

يُعرّف العنف القائم على النوع الاجتماعي على أنّه “أيّ عملٍ من أعمال العنف البدنيّ أو النّفسيّ أو الاجتماعيّ الذي يتمّ مُمارسته أو التهديد بممارسته، مثل العنف الجسدي، أو التهديد بالقتل، نحو شخص بسبب نوعه الاجتماعي أو دوره الاجتماعي في مجتمع أو ثقافة ما”.

ويستمدّ العنف القائم على النوع الاجتماعي أصوله من اختلال الأدوار بين المرأة والرجل وتُعزِّزُه المفاهيم الاجتماعية الأبوية والسلطوية.

في هذا التقرير، سنتطرّق إلى الحديث عن أحد أطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وهو العنف الأسري؛ وتحديدا من جانبه النفسي (العنف الأسري النفسي). لتسليط الضوء أكثر عن طبيعة هذا العنف وكيف يؤثّر على التكوين الأسري والنفسي للإناث في المجتمع.

امرأة تضع يدها على رأسها متصدعة، بينما رجل يقوم بتعنيفها، لا يظهر منه سوى إصبعه - العنف الآسري النفسي

المرأة في ليبيا

وفقا للتقرير الذي نشره “Georgetown Institute for Women, Peace and Security” يوجد 39 قانونا تمييزيا ضد المرأة في القوانين الليبية منها: قانون منح الجنسية لأبناء الليبيات المتزوجات بأجانب، وقانون إسقاط عقوبة الاغتصاب في حال زواج المغتصب بالضحية.

وعلى الرغم من أن ليبيا قد صادقت على اتفاقية منع كافة أشكال التمييز ضد المرأة الصادرة عام 1979 إلا أنّ التقرير أشار تقلّد ليبيا الترتيب التاسع من الدول العشر الأسوأ بنسبة 54٪ في معدل الأمن للنساء، حيث تشعر 2 من 5 نساء في ليبيا بعدم الأمان للسير وحدها ليلاً. كما جاء في التقرير.

وأضاف التقرير أنّ “ربع النساء فقط في ليبيا يعملن في وظائف” وذكر أن “52٪ من الرجال في ليبيا أجابوا بـ(لا) على سؤال (إذا كانوا يقبلون أن تزاول الإناث في عائلاتهم أعمالا خارج المنزل)”.

العنف الأسري النفسي

من خلال استبيان مصغّر أُعِدّ خِصّيصا لهذا التقرير، شاركتْ في الإجابة عنه 424 أنثى ليبيّة؛ أكّدت 90٪ منهنّ، معرفتهنّ بمعنى العنف القائم على النوع الاجتماعي. وعن سؤال آخر، أجابت 40٪ منهنّ تعرّضهنّ إلى العنف داخل أسرهنّ و 53٪ تعرّضت إحدى صديقاتهنّ إلى العنف بشكل مستمر.

منهنّ 21٪ يتعرّضن إلى عنفٍ لفظي داخل أسرهن، والبقيّة يتنوّع العنف الذي يتعرّضن له، بين جسدي واقتصادي أو يتعرّضن لأنواع العنف متعدّدة أو مجتمعة. ومن نتائج الاستبيان المحيّرة، إجابة 56.1٪ من المشاركات “أنّهنّ لم يتعرّضن الى العنف الأسري إطلاقا”. وهي نسبة غير معقولة، وقد تكون مضلّلة في مجتمع تسمح عاداته بتعنيف المرأة، كما يُعتبر فيه العنف سلوكا يوميّا ومقبولا.

لذلك، قمنا بإعادة التواصل مع الكثيرات ممّن شاركن في الاستبيان اللواتي أجبن بعدم تعرّضهنّ إلى عنف أسري، وسؤالهنّ: هل تمّ حرمانهنّ من تخصّص دراسيّ معين، أو منعهنّ من السفر أو القيام ببعض الأنشطة، والعجيب أنّ الإجابات كانت نعم لسؤال واحد على الأقل.

ومن هنا يمكننا ان نفهم أنّ مفهوم العنف القائم على النوع الاجتماعي، في مختلف أطُره (كالإطار الأسري) وأشكاله وأنواعه، لا يزال مصطلحا غامضا. فالعنف الأسري النفسي – مثلا – الذي يُمارس بشكل روتينيّ على الضحايا، حتى أصبحن لا يميّزن ما هو عنف وما هو حق، أصبح أمرا عاديا ومقبولا؛ مما يحتّم مزيدَ توعية.

الدكتورة روان عبد العزيز، اختصاصيّة الطب النفسي
الدكتورة روان عبد العزيز، اختصاصيّة الطبّ النفسي.

العنف النفسي الأسري من منظور علم النفس

الدكتورة (روان عبد العزيز) المتخصصة في الجانب النّفسي للعلاقات الاجتماعية، بيّنت لنا بعضا من جوانب العنف الأسري النفسي من منظور تخصّصها وتجربتها. قالت:

“العنف الأسري النفسي، يُعرّف على أنّه الإساءة النفسيّة التي يتم تطبيقها بشكل علني أو سِرّي على أفراد العائلة من قبل أحد الأطراف المتسلّطة, وغالبا ما يتم تطبيق العنف النفسي من قبل الذكور المتمثّلين في أزواج أو آباء أو إخوة”.

تسترسل د. روان في حديثها، فتقول: “تتنوّع أشكال العنف الأسري النفسي، من إذلال وإهانة للضحية، التهديد والعزل اجتماعيا. وتميل الشخصيات المعنِّفة إلى زرع مفهوم الخطيئة لدى الضحايا، الذين يُمارس العنف تجاههم، حتى تتمكن من السيطرة عليهم”

وتختم د. روان عبد العزيز،  حديثها بشرح الآثار التي يخلّفها هذا النوع من العنف:

“من المحزن عدم إدراك المجتمع لمساوئ العنف النفسي، على تكوين ذوات الأشخاص، وتأثيره في صحّتهم النفسية. إنّ الإناث اللواتي يتعرّضن لأيّ نوع من أنواع العنف وخصوصا النفسي، فإنّ أثره يمتدّ ليصبح أكثر من ضرر مؤقت يزول مع الوقت“.

زوجات يواجهن التعنيف

“العنف لا يقتصر فقط على الضرب والسب والشتم، قد يكون في أحيان كثيرة حرمانك من مساحتك الشخصية ودفن أحلامك”

هكذا تحدّثت (رجاء) الزوجة والأم ذات الثلاثين عاما، والتي تتلقّى تعنيفا نفسيّا – على حد وصفها – منذ بداية زواجها. قالت:

“عدت من الغربة رفقة أهلي بعد غياب سنوات عن ليبيا. طرق زوجي باب بيتنا طالبا يدي ووافقتُ بناء على ما ظهر منه. لم تكن الشروط المطروحة من قِبلي أنا وأهلي كثيرة، فقط أن أستمرّ في مجال عملي الذي أحب كصحفية، وأن يكون سندا وعونا على مصاعب الحياة”.

“قبل زواجي بأشهر، فقدت جواز سفري، فما كان من زوجي آنذاك إلا أن اقترح استلامه لعملية إعادة استخراج جواز سفر جديد لي. ونتيجة انشغالنا بالتجهيز للزفاف لم تكن تلك أولوية. ولكن ما بعد الزواج كان هنالك عالم آخر في انتظاري“.

امرأة تمسك ماوس، جالسة أمام كمبيوتر، لا يظهر وجهها
صورة للسيّدة رجاء (اسم مستعار) تعمّدنا عدم إظهار وجهها حفاظا على خصوصيتها

يبدو الحزن واضحا على وجه (رجاء) وهي تسرد قصتها. توقفت قليلا، ثم استرسلت:

“انتقلت مع زوجي إلى مدينته الأصل، بدأ زوجي بدفعي إلى ترك الأنشطة التي أحب بحجة الأطفال والالتزامات الاجتماعية. ثم بدأ التدخل في صلب عملي والمطالبة بأن أترك العمل لأنه أصبح مصدر إلهاء بالنسبة لي على حد تعبيره. وامتنع عن إصدار جواز سفر خاص بي بحجة ألّا ضرورة له. وبالفعل تركتُ عملي لأتفرّغ للبيت والأطفال والالتزامات الاجتماعية. لم يكن تركي للعمل أمرا هيّنا، لكنّني أقدمت عليه إرضاء له“.

نهاية قصّة رجاء، مع تعنيف زوجها، كانت مختلفة. تكمل رجاء لتخبرنا كيف استطاعت مواجهة كلّ ذلك:

“بعد معاناة ست سنوات، قرّرت كسر القيود، وعدتُ إلى العمل، لم يكن بقائي في المنزل والعناية بالأطفال وتلبية احتياجاته هو مبتغاه؛ لقد كان يبحث عن وسيلة لحجبي عن العالم وجعلي أعايش الشعور بالذنب بجعلي مقصرة في دوري كأم“.

أسرٌ لم تعطِ الحُبّ لزهراتها

قد نجد صعوبة في تصوّر أسر تريد السوء لأبنائها، ولكنّنا قد نفهم الأمر أكثر، إذا ما علمنا أنّ أضرارا كثيرة يلحقها أهلنا بنا، دون قصد، ظنّا منهم أنّهم يفعلون الشيء الصحيح.

(زمرّد) طالبة سابقة في كليّة الطب البشري، شاركتنا تجربتها الشخصية مع أسرتها، الذين فرضوا عليها حياة لم تكن ترغب فيها. تقول:

اختارت لي أسرتي تخصّص الطب البشري دون النظر لرغبتي، أدخلوني المجال الذي طالما حلم والداي به؛ ولكنّني لم أشاركهم ذات الحلم. منذ أوّل يوم جامعي لم أستطع إيجاد نفسي هناك، كنت أدخل المحاضرات وأخرج بمحصّلة صفر، لأوّل مرة في حياتي أرسب. لم أستطع اجتياز أيّ مادة من مقرّرات الفصل الدراسي”

“ورغم ذلك رفض أهلي طلبي في الانتقال إلى تخصّص آخر بحجة أنّه وجب علي بذل مجهود أكبر. لم يستوعب أيّ منهم أنّي تائهة. مضت سنتان من حياتي دونما فائدة إلى أن قرّرتُ إنقاذ نفسي والانتقال إلى جامعة أخرى، بالتخصّص الذي طالما حلمتُ به (التصميم الداخلي) تمرّدتُ في الخفاء دون علمهم”

صورة بنت من الخلف دون أن يظهر وجهها، وهي تنظر إلى الأفق - العنف الأسري النفسي
صورة للسيّدة زمرّد

تكمل زمرّد حديثها عن الخيار الدراسي الذي اختارته برغبتها، فتقول:

“أصل اليوم الى الفصل الدراسي الأخير من دراسة التصميم الداخلي. لقد حميت حلمي وحقّقته وحدي. مُخطئ من يظن أنّ الاهل دائما، هم الساند الأول والوحيد لك. لن تجد في النهاية سوى نفسك وذاتك لتسندك. لقد صنع منع أسرتي لي من دراسة ما أحبّ حاجزا بيني وبينهم”

العنف ليس حلا وليس مبرَّرا

للعنف أشكال متعدّدة، كما أنّ له أسبابا متعدّدة. ولم يكن العنف يوما حلا. هناك معنَّفون يعتقدون أنّ ممارستهم العنف حق لهم، وامتياز بحكم العادات والتقاليد وتقبل المجتمع. والأكثر مرارة من ذلك، هناك ضحايا لهذا العنف، يظنون أنّ العنف المُنارس ضدهم مبرّر، وبعضهم لا يعتبره خطأ، وهناك من تناضل وتتألم في صمت.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (2)

    1. هل الاب عندما يريد لابنه او بنته تخصص ما يكون عنف ،وهل هدا لايوجد فى امريكا واوروبا وكل العالم لم اقرأ قصه واحده منطيقيه فى ليبيا المرأه فى ليبيا اخدت حقوقها واكثر بدليل اركب سياره وسوف ترى المرأه وهى تفعل اشياء غريبه وبعيده عن الانوثه لا داعى لديكرها ،وبالخصوص الرجل متهض اكثر والمشكله ليست من متهض اكثر من الاخر بل المشكله للاثنيين فى الثقافه والموروث الاجتماعى بعض العادات الاجتماعيه بدليل من عانة من العنف تصب فيه على الرجل وهدا قصور فى فهمها ومن المفروض تعفى الاخر منه وتصب كل همها فى بيت القصيد وشكرا…..